بدأت تركيا استراتيجيتها الجديدة في إفريقيا سنة 1998

بدأت تركيا استراتيجيتها الجديدة في إفريقيا سنة 1998

وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فجر اليوم الثلاثاء، إلى العاصمة السنغالية دكار؛ آخر محطة في جولته الإفريقية التي بدأها من الجزائر ثم غامبيا. جولة إفريقية جديدة، أبرز ملامحها الاقتصاد وتعزيز التعاون التجاري بين تركيا الصاعدة ودول إفريقيا التي تأمل في النهوض باقتصادات بلدانها الفتية.

اهتمام تركي بغرب إفريقيا

تأتي هذه الزيارة في إطار تزايد الاهتمام التركي بغرب القارة السمراء، والذي ظهر جليًا من خلال تكثيف الزيارات رفيعة المستوى، وافتتاح السفارات، وتوقيع اتفاقيات الشراكة الاقتصادية، وتقديم المساعدات الإنسانية، وغيرها من نشاطات السياسة الخارجية التركية.

ويرافق الرئيس أردوغان في جولته، عقيلته أمينة، ووزراء الخارجية مولود تشاووش أوغلو، والدفاع خلوصي أكار، والصناعة والتكنولوجيا مصطفى ورانك، والطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز. إضافة إلى وزيرة التجارة التركية روهصار بكجان، ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، ورئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألطون، والمتحدث باسم الرئاسة إبراهيم قالن، وهو ما يؤكّد أهميتها.

وكان أردوغان قد قام خلال سنة 2016، بجولة في غرب القارة، عمل خلالها على تعميق الشراكة الاستراتيجية مع دول المنطقة الأعضاء في الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، كما قام بزيارة أخرى في المنطقة قبل سنتين من الآن، في سياق إستراتيجيةٍ واضحة لتوسيع النفوذ التركي في إفريقيا. يذكر أن أردوغان قام بزيارة 27 دولة إفريقية حتى الآن وذلك في مسار تقوية وتعزيز العلاقات التركية الإفريقية.

بلغ حجم الصادرات التركية للقارة السمراء، خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، 11.5 مليار دولار؛ فيما بلغت واردات تركيا من إفريقيا خلال الفترة نفسها 4.3 مليارات دولار

يفهم من خلال هذه الزيارات والنشاطات الرسمية، اهتمام تركيا الكبير بهذه المنطقة، خاصة إذا علمنا أن عدد السفارات التركية في إفريقيا قد وصل إلى 40 سفارة حيث تم افتتاح 27 سفارة فقط بعد 2009، فيما كانت أول سفارة تركية في إفريقيا في أديس أبابا وتم افتتاحها عام 1926 وهذا يعكس مدى الأولوية التي تفردها تركيا لإفريقيا.

وبدأت تركيا استراتيجيتها الجديدة نحو القارة الإفريقية سنة  1998، وتدعمت سنة 2002 مع وصول "العدالة والتنمية" إلى الحكم، حيث ركّز تركيا على بعدها الإقليمي وعمقها الاستراتيجي، فإفريقيا بالنسبة إلى أنقرة تعتبر عمقا استراتيجيًّا للدولة التركية المركزية.

الاقتصاد كلمة السر

في زيارته الثالثة للجزائر بصفته رئيسًا للجمهورية التركية، وقّع أردوغان عديد الاتفاقيات مع نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، كما اتفق الطرفين على عقد أول اجتماع لمجلس التعاون رفيع المستوى الذي وقعا اتفاقيته في تركيا.

وأوضح أردوغان أن هذه الزيارة كانت مناسبة لتقييم حجم التبادل التجاري بين البلدين، معلنًا أن الجانبين قررا رفعه إلى أكثر من 5 مليارات دولار، مع الجزائر التي تعتبر "ثاني أكبر شريك لبلاده في إفريقيا"، وأشار أردوغان إلى الإرادة المشتركة للبلدين في تحفيز رجال الأعمال وزيادة الاستثمارات والعمل المشترك ضمن مبدأ "رابح - رابح"، لذلك تقرر البحث عن إمكانات تعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية.

يسعى أردوغان لتقوية علاقات بلاده الاقتصادية مع الأفارقة

يسعى أردوغان لتقوية علاقات بلاده الاقتصادية مع الأفارقة

وقّع أردوغان والوفد المرافق له، عديد الاتفاقيات في كلّ من غامبيا (أول زيارة رسمية على مستوى الرئاسة) والسنغال التي تربط رئيسها ماكي سال صداقة وثيقة مع أردوغان. وتسعى تركيا من خلال هذه الاتفاقيات إلى تطوير علاقاتها التجارية مع الدول الإفريقية التي تتصدر قائمة الاقتصادات الأسرع نمواً في العالم.

وبلغ حجم الصادرات التركية للقارة السمراء، خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، 11.5 مليار دولار؛ فيما بلغت واردات تركيا من إفريقيا خلال الفترة نفسها 4.3 مليارات دولار. وتعد تركيا واحدة من الدول الأربع، الأكثر حضورا في القارة الإفريقية خلال السنوات العشر الأخيرة مع الصين، والبرازيل، والهند.

ووفقاً لبيانات تقرير مؤشر الاستثمار الخارجي لعام 2019، بمجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي، فإن الاستثمارات التركية في إفريقيا ارتفعت بنسبة 11 % مسجلة 46 مليار دولار، على الرغم من التراجع الذي حدث سنة 2018 في تدفقات الاستثمار الأجنبي العالمي.

نجحت تركيا في تحقيق مكاسب متعددة والحفاظ على مصالحها في إفريقيا بعد بدأ استراتيجياتها الجديدة هناك

تشير بيانات هيئة الإحصاء التركية، إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين تركيا وإفريقيا (الصادرات والواردات) 2018 بنسبة 14.1 % مقارنة مع سنة 2017، إلى 21.5 مليار دولار. وتهدف تركيا للوصول إلى 50 مليار دولار في التجارة الخارجية مع إفريقيا، بحلول 2020.

 وبحسب المعطيات، فإن القطاعات التي تحقق بها أعلى قيمة صادرات إلى إفريقيا خلال أول ثلاثة أرباع من العام الماضي هي الصلب، والمواد الكيماوية، وصناعة السيارات، والغلال والبقوليات، والحبوب الزيتية، وقطع غيارات الماكينات.

إمكانيات كبرى لدول القارة

هذه الاهتمام التركي بدول إفريقيا راجع إلى عديد الأسباب، أهمها الإمكانيات الكبرى التي تتمتع بها القارة السمراء، خاصة وأنها تحقق نسب نمو عالية، فوفقا لبيانات صادرة عن صندوق النقد الدولي، بلغت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا سنة 2017، 3.4 %، ومن المتوقع أن تبلغ 3.8 % في 2020 و 4.2 % بحلول 2024.

وتضمّ القارة الإفريقية 54 دولة، يزيد عدد سكانها عن مليار نسمة، وتعدّ ثاني أكبر قارة من حيث المساحة وعدد السكان، وتمتلك هذه القارة موارد وثروات طبيعية وبشرية هامة، كما أنها القارة الأكثر شباباً؛ حيث إنّ 70% من سكّانها يندرجون تحت سنّ الخامسة والعشرين.

وتمتلك القارة الإفريقية، نحو 124 مليار برميل من احتياطي النفط، وهو ما يشكل ما يقارب 12% من الاحتياطي العالمي وتتركز الثروة النفطية في دول نيجيريا والجزائر ومصر وأنجولا وليبيا والسودان وغينيا الاستوائية والكونغو والجابون وجنوب إفريقيا، فيما تبلغ احتياطاتها من الغاز الطبيعي نحو 10% من إجمالي الاحتياطي العالمي، حيث تملك نحو 500 تريليون متر مكعب من احتياطي هذه المادة.

تمتلك إفريقيا امكانيات اقتصادية كبرى

تمتلك إفريقيا امكانيات اقتصادية كبرى

فضلا عن ذلك تنتج القارة السمراء ما يقارب 90% من البلاتين المنتج في العالم، و40% من إنتاج الألماس، وتحوز 50% من احتياطي الذهب، و30% من اليورانيوم المهم في الصناعات النووية، وتنتج 27% من إجمالي كمية الكوبالت المنتجة، أما خام الحديد فتنتج القارة ما نسبته 9% من إجمالي إنتاجه حول العالم.

وتمثّل الزراعة أحد أهم الأنشطة الاقتصادية في القارة السمراء، لتنوع المناخ وكثرة الأنهار، حيث يعمل ثلثا سكانها بالزراعة تقريبًا، كما تتميز القارة بامتلاكها ثروة سمكية هائلة، يساعد قطاعها على توفير الدخول لنحو 10 ملايين إفريقي يعمل بمهنة صيد الأسماك، فيما تبلغ قيمة الأسماك التي يتم تصديرها 2.7 مليار دولار أمريكي.

نجحت تركيا في تحقيق مكاسب متعددة والحفاظ على مصالحها في إفريقيا بعد بدأ إستراتيجياتها الجديدة هناك وتكثيف الزيارات الرسمية لدول القارة وافتتاح سفارات فيها تدشين خطوط نقل جوية جديدة تربط تلك الدول بالعالم، رغم وجود عوائق كبرى.