"حصرية تُعرض لأول مرة منذ وقوعها قبل 40 عامًا"، هو وصف مقاطع الفيديو بثتها قناة الإخبارية السعودية في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، لحادثة اقتحام الحرم المكي، وتُظهر جانبًا من المواجهات التي اندلعت بين المسلحين وقوات الأمن والتي استمرت قرابة أسبوعين كاملين.

المقاطع التي بثتها القناة السعودية أظهرت اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن السعودي – دون أي قوات أخرى-  وجماعة مسلحة تحصنت في إحدى مآذن المسجد الحرام في مكة المكرمة، كما أظهرت احتجاز مسلحين متشددين لمصلين داخل باحات الحرم، حتى إنهاء الهجوم والقبض على قائد الجماعة، جهيمان العتيبي وأتباعه ومحاكمته وإعدامه في الـ 9 من يناير/كانون الثاني 1980

تلك كانت أبرز محطات الرواية التي حرصت السعودية على الترويج لها بشأن هذه القصة الدموية التي تمثل علامة سوداء في تاريخها، طيلة السنوات الأربعين الماضية، لافتة إلى أن هذا الهجوم إنما جاء بدعم من نظام الخميني الذي استولى على الحكم في إيران في مطلع العام ذاته، وفقا لما ذكرت القناة السعودية.

بالأمس كشف برنامج "ما خفي أعظم" المقدم على قناة "الجزيرة" عن تفاصيل جديدة لعملية فك حصار الحرم، حيث حصل على وثائق وشهادات حية تثبت أن دولا أجنبية أسهمت في عملية التحرير على خلاف الرواية السعودية الرسمية التي تقول إن الجيش السعودي وحده هو الذي تولى العملية.

حالة من القلق تخيم على الأجواء السعودية كلما تم ذكر هذه الحادثة التي لا تزال تؤرقها رغم السنوات الطويلة التي مرت على حدوثها، وهو ما يفسر الحملة التي قادتها وسائل إعلام سعودية ضد الدوحة في أعقاب العرض الترويجي الذي بثته القناة للحلقة قبل موعد بثها بيومين.

تكذيب الرواية السعودية

تمكن البرنامج الذي يقدمه الإعلامي الفلسطيني، تامر المسحال، من لقاء قائد الفريق الفرنسي بول باريل، وأحدِ القناصة الفرنسيين كريستيان لامبرت، اللذين شاركا في العملية التي قضت على جماعة "جهيمان" داخل الحرم؛ حيث كشفا عن فيه تفاصيل تُنشر لأول مرة عن كيفية حسم المعركة.

وخلافا للرواية السعودية فقد قدر الضابط باريل عدد قتلى العملية بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، وليس ثلاثمئة كما تقول الرياض، كما حصلت الجزيرة على وثيقة صادرة عن وزارة الدفاع الفرنسية بعنوان "مهمة مكة"، تتضمن شكر المملكة على المساعدة التي قدمتها دولة صديقة في تحرير الحرم.

البداية كانت فجر يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، عندما اقتحمت جماعة مسلحة تتبع جهيمان العتيبي الحرم المكي، وأغلقوا جميع منافذه وأبوابه، وأستولوا على مكبر صوت الإمام، ثم تحدث للحجاج، الذين يقدر عددهم بخمسين ألف حاج ومصل كانوا يستعدون لصلاة الفجر، وطلب من المسلمين الإطاحة بآل سعود الذين تخلوا عن تعاليم الدين وأصوله، وطالبهم بمبايعة المهدي المنتظر، الذي كان في الحقيقة صهره عبد الله القحطاني.

ورغم حدوث الواقعة فجرًا إلا أن الخبر لم يرد إلى مسامع العاهل السعودي – آنذاك – خالد بن عبدالعزيز، إلا الساعة السابعة والنصف صباحا، بعد أن تمكن إمام الحرم من الهرب، ووصل القصر الملكي للإبلاغ عن الحادثة، فما كان من الملك إلا أن أصدر أوامره للحرس الملكي بمحاصرة الحرم، والقضاء على المسلحين، قبل أن تتسرب الأنباء للخارج.

يبقى السؤال: ما المقابل الذي حصلت عليه فرنسا من وراء تلك العملية؟ وتكشف الأيام التالية للحادثة أنها كانت عبارة عن صفقات أسلحة فرنسية وعقود ضخمة، في مقابل الصمت على ما جرى

من الواضح أن الجيش السعودي لم ينجح وحده في القيام بتلك المهمة، وهو ما كشفه البرنامج من خلال الوثيقة التي حصل عليها، والصادرة من السفارة الأمريكية في الرياض إلى الخارجية الأمريكية في واشنطن بتاريخ 24/11/1979 والتي تشير إلى أن السعودية استعانت بطيارين أميركيين، للتحليق فوق الحرم، وقامت السفارة بالتحقيق مع الطيارين بعد كل طلعة جوية لهما، حيث أكدا وقوع أضرار كبرى بالحرم المكي.

ومع مرور الوقت في ظل الفشل في إنجاز المهمة عكس ما كانت تروج السلطات السعودية، وضعت الرياض أكثر من سيناريو لتحرير الحرم، منها العمل على إغراقه بالمياه، ثم تسريب الكهرباء وصعق المتمردين، لكن هذه الخطة لم تتم لإن إغراق الحرم يتطلب كميات كبيرة من المياه، ويوقع قتلى بين الحجاج أيضا، كما أن هذه المياه ستتسرب داخل الأرض.

وباتت المملكة في موقف حرج للغاية، خاصة مع بدء حدوث قلاقل وفوضى بعدة مدن بالبلاد، كما كانت عاجزة عن إصدار فتوى تتيح القتال في الحرم المكي والقضاء على المتمردين، وتزامن ذلك مع تمكن جماعة الجهيمان من إيقاع خسائر في الجيش السعودي، وهو ما دفعها إلى الاستعانة بقوات أجنبية.

وعلى الفور.. وبحسب شهادة باريل طلبت سلطات المملكة العون من فرنسا، وكان وزير الداخلية السعودي التقى ذات مرة بقائد الوحدات الخاصة الفرنسي، وأعجب بمهاراته، فطلب مساعدته هو شخصيا، وبموجب تكليف رسمي فرنسي، ومن الرئيس الأسبق جيسكار ديستان مباشرة؛ توجه باريل واثنان من زملائه؛ أحدهما يدعى كريسيتان لامبرت، وكان ثلاثتهم من أشهر القناصة في العالم في ذلك الوقت إلى الرياض، حيث التقوا ملك السعودية خالد بن عبد العزيز آل سعود وكبار القادة العسكريين.

يقول القائد الفرنسي في شهادته إنه عندما التقى المسؤولين السعوديين كانوا بحالة قلق وارتباك كبرى، ولم تكن لديهم أية معلومات عن المسلحين، حتى ما يتعلق بعددهم وعتادهم، وعلى الفور بدأ ورفيقاه تدريب الجيش السعودي، الذي كان في حالة نفسية متردية، كما كان يجهل أفراده كيفية استخدام أقنعة الغاز، وكانت سترات الوقاية لديهم ليست فعالة، فتولى الجنود الفرنسيون تدريبهم، وأعطوهم سترات واقية، مما زاد من ثقتهم وقدرتهم على مواجهة المسلحين.

من الواضح أن السعودية لا تريد الإفصاح عن مشاركة أي دولة أجنبية في عملية التحرير فضلا عن العزف دائما على وتر أن العملية كانت ناجحة دون أي خسائر أو سلبيات

وبعد تقدير حجم الكارثة التي تتعاظم يوما تلو الأخر، طلب باريل من سلطات بلاده إرسال ألفي قنبلة غاز، تزن سبعة أطنان، ويتميز هذا الغاز بقدرته على إصابة المستهدف بالعمى، ويعزز رغبة الهروب لديه، لكن السلطات الفرنسية -في البداية- رفضت طلبه، وأرسلت له وثيقة اطلع عليها "ما خفي أعظم" تصف فيها طلبه بالجنون، وتطلب منه اتلاف الوثيقة فور قراءتها.

لكن الأمر تغير بعد ذلك، حين سأل الرئيس الفرنسي باريل عن نسبة توقعه لنجاح العملية، فأجابه 85%، فأمر بتزويده بما طلب، ويقول باريل إن السعوديين كانوا يريدون الحصول على عشرة أضعاف هذه الكمية، لأنهم كانوا يريدون إنهاء الحصار وإنقاذ نظام الحكم بالمملكة بأي ثمن.

تمحورت الخطة الفرنسية على استهداف قناصة جماعة الجهيمي الذين كانوا يسيطرون على الأماكن المرتفعة بالحرم، وأجبروهم على التوجه للغرف السفلية، وهي تقدر بـ370 غرفة، ومن خلال أجهزة رصد الزلازل تمكن باريل وفريقه من تحديد الغرف التي يوجد بها المسلحون، فقاموا بحفر ثقوب فيها، وفي صباح اليوم التالي، الموافق  الرابع من ديسمبر 1979، قاموا برمي الغاز من خلال الثقوب، فقتل المتمردون الذين كانوا متواجدين فيها.

في هذه الأثناء تم إحكام السيطرة على الحرم بالكامل، وفتحت ممرات آمنة، حيث سعت السلطات السعودية للقبض على من تبقى من المتمردين، وبحسب باريل فإن لجان الفرز الأمنية كانت تعمل بسرعة سعيا للفرز بين الحجاج والمسلحين، لافت إلى أنه شاهد عمليات إعدام ميدانية.

لكن يبقى السؤال: ما المقابل الذي حصلت عليه فرنسا من وراء تلك العملية؟ وتكشف الأيام التالية للحادثة أنها كانت عبارة عن صفقات أسلحة فرنسية وعقود ضخمة، في مقابل الصمت على ما جرى، وبدا ذلك من رفض لامبرت الإجابة عن سؤال عما إذا كانوا دخلوا الحرم المكي؟ وهو السؤال الذي رد عليه باريل بدبلوماسية قائلا إنهم كانوا يتحركون في كل مكان وفي الغرف السفلى، ولا يعرفون بالضبط أين هم، موضحا أن أيا من السعوديين لم يسألهم عن ديانتهم، إنما كان السؤال عن دقة الأسلحة التي لديهم.

لم يخف باريل سعادته بنجاح تلك العملية التي كانت لتفاصيلها خصوصية لديه، لكنه في الوقت ذاته لم يستطيع إخفاء ألمه، واصفا ذلك بالمجزرة التي قتل فيها خمسة آلاف شخص، بينهم ثلاثة آلاف حاج على الأقل، حسب تقديره.

حرج سعودي

من الواضح أن السعودية لا تريد الإفصاح عن مشاركة أي دولة أجنبية في عملية التحرير فضلا عن العزف دائما على وتر أن العملية كانت ناجحة دون أي خسائر أو سلبيات، وهو ما يفسره باريل بأن  تفنيد تلك الرواية القديمة سيتسبب في إحراج لآل سعود، لذلك فإن هذا الأمر ظل قيد السرية طيلة الأعوام الأربعين الماضية.

الأمر ذاته أكده المعارض السعودي البارز ومؤسس حركة الإصلاح الإسلامية، سعد الفقيه، الذي ألمح أن سلطات المملكة  تشعر بحرج شديد حينما يتم ذكر حادث اقتحام الحرم، برواية مختلفة عما تريد تمريره للعامة، موضحا أن حلقة البرنامج أغضبت السعوديين قبل عرضها، خاصة بعد فشل الوساطة مع قطر، والتي أرجعها إلى اشتراط الرياض دخول الإمارات في المحادثات وهو ما رفضه القطريون.

وبدوره عرض الفقيه تفاصيل أخرى بشأن الحادثة، أبرزها أن عبد العزيز بن باز، مفتي المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء السعودية وقتها، اقترح إجراء مفاوضات مع المقتحمين، بينما رفض الأمير فهد بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي حينها، هذا الاقتراح، وأمر باقتحام الحرم واستخدام القوة في إنهاء محاصرته، وهو ما جاء بنتائج سلبية.

وقد وصف المعارض السعودي الطريقة التي استخدمتها القوات السعودية في محاولة فك الحصار عن الحرم المكي، بـ"الغبية"، وتعكس انعدام التجربة والخبرة لدى الأجهزة الأمنية بالمملكة في التعامل مع ذلك الحدث، ذاكرًا أن "جماعة جهيمان لم تكن لديهم رهائن بالمطلق كما روَّجت السعودية على مدار السنوات الماضية للناس وزوَّرت التاريخ، فهذه الجماعة فتحت أبواب الحرم أمام جميع المصلين وطالبتهم بالخروج، بخلاف مزاعم آل سعود".

وقد اختتم الفقيه كلامه بأن السلطات السعودية تحاول دائمًا إنكار رواية استعانتها بالقوات الفرنسية في تحرير الحرم، مع ادعاء أن الأداء السعودي كان ناجحًا جدًا، في حين كان الأمر مختلفًا، على حد قوله.

وهكذا ورغم حرص المملكة بكافة أذرعها طيلة أربعين عاما مضت على الحفاظ على الرواية الرسمية التي نقلتها وبثتها بشأن تلك العملية إلا أن هذا الحرص لم يصمد طويلا أمام الحقائق التي تكشفت خلال الأيام القليلة الماضية، وهو ما يضع مصداقية الرياض على المحك ليس في تلك الحادثة وحدها بل يفتح الباب أمام بقية الحوادث التي شهدتها المملكة وكانت وحدها صاحبة التوثيق والتدوين لتفاصيلها.