خلال شهر كانون الثاني/يناير، وقع مصادرة مركبة مدرعة عسكرية تركية كان يقودها أحد عناصر المليشيات التابعة لخليفة حفتر، خلال اشتباكات في مدينة بنغازي الليبية.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في أبو غرين، على خط الجبهة الليبي، تسلط ندوب تظهر على وجه أحد رجال الميليشيات الضوء على الحروب التي عصفت بالبلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي في سنة 2011. أزال أحد المقاتلين، الذي كان سائق شاحنة يدعى محمد، قبعته للكشف عن رأس أصلع محفور بجروح بليغة خلّفتها الشظايا. حيال هذا الشأن، أكد محمد أن "ذلك يرجع إلى الحرب ضد تنظيم الدولة"، في إشارة إلى معركة التي خاضها سنة 2016 ضد داعش في مدينة سرت الليبية.

خلال الوقت الراهن، أشار محمد إلى أن عدوا آخر استولى على سرت وهو الميليشيات المتمردة التي يقودها الرجل القوي، البالغ من العمر 76 سنة، خليفة حفتر. في يوم الأحد الماضي، هاجمت هذه الميليشيات محمد ورجاله، ما أسفر عن مقتل 11 منهم، متجاهلين اتفاق الهدنة الهش في هذه الحرب طويلة الأمد، التي بدأت خلال شهر نيسان/أبريل الماضي مع شن قوات حفتر هجوما على العاصمة الليبية. غزا حفتر، وهو جنرال سابق بالجيش في عهد القذافي الذي انشق عنه في الثمانينيات وأصبح من أحد الرجال العاملين في وكالة المخابرات المركزية، طرابلس بعد سنوات من الحرب في شرق ليبيا، حيث سعى إلى بناء مركز سلطته.

من خلال شن هجوم ضد حكومة الوفاق الوطني الضعيفة المعترف بها دوليا في العاصمة، ادعى أنه سيوحد البلاد ويضع حدا للميليشيات. من المؤكد أن حكومة الوفاق الوطني لم تحظ بشعبية بسبب عدم كفاءتها الإدارية وتجاهلها لممارسات فساد المليشيات. وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة بصدد البحث عن سبل لوضع حكومة أخرى لتحل محل تلك الحكومة ومعالجة تهديد الميليشيات قبل أن يُهاجمها  حفتر.

حظي حفتر بدعم مجموعة من الدول العربية الاستبدادية والمعادية للإسلاميين، واضطلع طيران الإمارات بدور مدمر بشكل خاص

في الواقع، غذّى سعي حفتر الدؤوب للحصول على السلطة صعوده. عندما قابلته في سنة 2014، أخبرني في ذلك الوقت عن خططه الرامية إلى غزو طرابلس فضلا عن أنه وعد بالقضاء على الإسلاميين بجميع أطيافهم من خلال سجنهم أو نفيهم أو قتلهم. سعيا لتحقيق طموحاته، استخدم تكتيكات وحشية. أما في سنة 2015، اعترفت ميليشيات المتحالفة معه في بنغازي بأنها نفذت عمليات إعدام دون محاكمة، فضلا عن تعميقها للانقسامات القبلية. يواجه أحد مساعديه مذكرة توقيف بتهمة ارتكاب جرائم حرب؛ وردا على ذلك، قام حفتر بترقيته.

تسببت الحرب التي شنها في طرابلس في إثارة مخاوف مؤيديه. بعيدًا عن النصر السريع الذي وعد به، خاض حفتر حربا خلفت أكثر من ألفي قتيل، بمن فيهم مئات المدنيين، وساهم في نزوح مئات الآلاف. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الصراع قد استقطب القوى الخارجية التي دعمته بأسلحة متطورة، على الرغم من أن ذلك يمثل انتهاكا لحظر الأسلحة المفروض من قبل  الأمم المتحدة.

علاوة على ذلك، حظي حفتر بدعم مجموعة من الدول العربية الاستبدادية والمعادية للإسلاميين؛ على غرار الإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية. واضطلع طيران الإمارات بدور مدمر بشكل خاص، فقد شنت طائراتها المسيرة ناهيك عن ثابتة الجناحين مئات الضربات، مما تسبب في مقتل عشرات المدنيين، وفقا لما صرحت به الأمم المتحدة. فضلا عن ذلك، قدمت فرنسا دعما كبيرا له. مدفوعة بحماس غريب للدور الذي سيلعبه حفتر من أجل مكافحة الإرهاب ونشر الاستقرار، كانت باريس ترسل إليه مساعدات عسكرية سرية منذ عدة سنوات.

بالإضافة إلى ذلك، وصل مئات المرتزقة الروس إلى جبهة طرابلس خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي، مما ساعد حفتر على كسر الجمود. في حين أن موسكو ليست متمسكة بقوة بالجنرال، إلا أن إستراتيجيتها تبدو وكأنها تشجعه على الوصول إلى تسوية تنال رضاها. لكن وبشكل غير متوقع، انسحب حفتر من اجتماع وقف إطلاق النار الذي عقدته موسكو خلال الشهر الماضي.

على الجانب الآخر، نجد تركيا التي كانت حكومتها التي يقودها الإسلاميون على خلاف منذ فترة طويلة مع الكتلة التي يقودها الإماراتيون. بعد وقت قصير من هجوم حفتر، أرسلت تركيا طائرات مسيرة إلى حكومة الوفاق الوطني. وفي الأسابيع الأخيرة، أرسلت آلاف المرتزقة السوريين للعمل مع أفراد المخابرات التركية وأنظمة الدفاع الجوي والمدفعيات. في المقابل، كان لهذا الدعم مقابل، حيث  لم يقدم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، هذه الحزمة الجديدة من المساعدات إلا بعد توقيع اتفاق مع حكومة الوفاق الوطني يمكّن تركيا من توسيع منطقتها الاقتصادية الخالصة في شرق البحر الأبيض المتوسط.

تتواصل معاناة الليبيين جراء الخوف المستمر من القصف أو الغارات الجوية وتنامي شعورهم بأن أطراف خارجية هي من تقرر مصيرهم

في وقت سابق من هذا الشهر، عقدت الحكومة الألمانية قمة دولية، لكنها فشلت في إضفاء الطابع الرسمي على اتفاق وقف إطلاق النار، حيث رفض حفتر الدخول في مفاوضات حول ذلك. في الأيام الأخيرة، وبتشجيع من التدفق المتزايد للأسلحة الإماراتية، استأنف حربه بشكل فعال، حيث قصف مطار طرابلس والمناطق المدنية وحاصر موانئ النفط، مما تسبب في انخفاض الإنتاج بشكل كبير وتفاقم بؤس الليبيين. في الواقع، إن ما يحدث جزء من تصعيد زاحف قد يجر العاصمة إلى المزيد من سفك الدماء.

على العموم، يتطلب تجنب هذه الكارثة تدخل قوة واحدة قادرة على كبح جماح حفتر. في هذا السياق، أوضح لي أحد القادة في حكومة الوفاق الوطني أنه "لن يقبل حفتر وقف إطلاق النار ما لم تقم أمريكا بلي ذراعه". من المحتمل أن يكون هذا الأمر صحيحا. تحتاج واشنطن إلى التخلي عن دعمها الضمني والصريح أحيانًا لحفتر، والذي تجسد في المكالمة الهاتفية التي أجراها دونالد ترامب خلال شهر نيسان/أبريل 2019 إلى الجنرال مؤيدًا هجومه على طرابلس.

في المقابل، أضحى هذا الحماس الداعم لحفتر فاترا إلى حد ما، بسبب تحالف حفتر مع الروس، غير أنه ما زال بإمكان الولايات المتحدة القيام بأمور كثيرة، لاسيما في المناطق التي تتمتع فيها واشنطن بنفوذ كبير. وتشمل هذه الجهود منع حفتر من بيع النفط في السوق العالمية بطريقة غير مشروعة، ودفع الإمارات لوقف تسليح قواتها، ودعم قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لوقف إطلاق النار الذي يتضمن تطبيق أحكام صارمة ضد منتهكي الحظر وحقوق الإنسان.

في الأثناء، تتواصل معاناة الليبيين جراء الخوف المستمر من القصف أو الغارات الجوية وصولًا إلى انقطاع التيار الكهربائي لمدة 16 ساعة، وتنامي شعورهم بأن أطراف خارجية هي من تقرر مصيرهم. في هذا الإطار، أخبرني عمدة يفرن، وهي مدينة تقع في الجبال الغربية في ليبيا، خلال الشهر الماضي: "إن ليبيا مثل الكعكة التي يريد الكل أن يتقاسمها".

المصدر: الغارديان