أثار إعلان "صفقة القرن" كما تطلق عليها بعض وسائل الإعلام أو "خطة ترامب للسلام" كما يطلق عليها البعض الآخر، التي تهدف إلى حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، تباين الآراء والنقاشات والطروحات المختلفة بشأن شرعيتها ومدى إنصافها للطرفين.

وقد حددت معظم البلدان والمؤسسات الدولية موقفها من هذه الصفقة، فمنها من أيد ومنها من اعترض وقدم اقتراحات من أجل مواجهتها كعقد المؤتمرات والوقفات التضامنية وما إلى ذلك، وما زال جميع المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية يحاولون البحث عن السبل التي تمكن من مجابهة "الصفعة".

ومن أبرز الخطط المضادة التي قد لا يعلمها الكثير من الناس هي تلك الخطة التي قدمتها السيدة الإنجليزية والناشطة السياسية ميشيل رينوف، التي اعتبرها البعض الرد المنطقي على صفقة القرن وأنها بالفعل مثيرة للاهتمام، فهي ترى أن هناك حلًا للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي يتمثل في عودة اليهود إلى وطنهم الأول "جمهورية اليهود، بيروبيجان". فما القصة إذًا؟

قصة إقامة الدولة اليهودية

قبل البدأ بالحديث عن "الجمهورية اليهودية الموجودة"، لا بد من الرجوع إلى الرحلة التاريخية - بشكل سريع - التي خاضها اليهود لتأسيس دولتهم، فقد وقف اليهود أمام خيارات متعددة لتأسيس دولتهم، بعض تلك الخيارات كان باقتراح من دول عظمها، وبعضها الآخر من مفكرين وسياسين.

بدأت أول خطوة جادة في المشروع الصهيوني، بعد تأسيس جمعية الطلبة اليهود بمدينة خاركيف الأوكرانية جمعية "بيلو" عام 1882، وكان هدفها الوحيد إقامة تجمعات فلاحية لليهود الشرقيين في فلسطين، لكن الحركة الصهيونية اكتسبت الاهتمام السياسي والإعلامي في أوروبا والعالم مع انعقاد مؤتمرها الأول عام 1897 بمدينة "بازل" السويسرية.

توج المؤتمر أعماله بإعلان قيام الحركة الصهيونية العالمية، ومن ثم تواترت موجات هجرات اليهود الشرقيين إلى فلسطين ولا سيما من روسيا بعد الثورة البلشفية الفاشلة عام 1905، وبحثًا عن سند قوي ذلك الوقت، لجأ ثيودور هيرتزل إلى الدولة العثمانية، وفاوضها على إصدار ميثاق يمنح اليهود الحق في العودة إلى فلسطين، ولكن جميعنا نعلم الموقف العظيم الذي اتخذه السلطان عبد الحميد حينها.

صورة

وبعد أن خاب هيرتزل، قرر التوجه إلى بريطانيا واستطاع الحصول على فرصة عرض إشكال الهجرة (ومنها الهجرة اليهودية)، ودون الدخول في التفاصيل الكثيرة، عُرض أكثر من اقتراح لإقامة الدولة، من بريطانيا أو من الدول الأوروبية الكبرى، إما إقامتها في الأرجنتين أو على أرض سيناء أو في أوغندا أو ليبيا أو مدغشقر أو في جزيرة غراند في نهر نياجارا.

ولكن في نهاية المطاف وقع الاختيار على فلسطين لاعتبارات ومبررات عديدة، وظهر شاييم ويزمان الذي باشر باتصالاته المكثفة مع ملك بريطانيا وأثمر جهده "وعد بلفور" المشؤوم الصادر عام 1917 الذي مهد الطريق لقيام "إسرائيل" بعد ذلك بثلاثة عقود.

حسنًا، هذه التفاصيل غالبًا يعلمها من يقرأ تاريخ قيام الدولة اليهودية، بأحداثها وعواملها ودراسة خياراتها، لكن هناك حقائق تاريخية فعلية جرى طمسها عن عامة الناس، وحتى فئة القراء والمتطلعين، وذلك كونها قد تشكل حجة تاريخية قوية، تدعم الموقف المجابه لدولة "إسرائيل" وصفقة القرن على حد سواء.

جمهورية اليهود "بيروبيجان"

ظهرت في الأعوام الأخيرة السيدة الإنجليزية ميشيل رينوف الحاصلة على لقب "lady" الشرفي، كونها ناشطة سياسية وضعت خطتها لحل الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي، متمثلة بعودة اليهود إلى جمهورية اليهود "بيروبيجان" التي أعطاها إياهم الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين.

وهنا تذكر رينوف أنه في عام 1928، تم الإعلان رسميًا عن إنشاء مقاطعة "يفيرسكيا أوبلست" وتعني بالروسية: "المقاطعة اليهودية" لليهود في روسيا بقرار من ستالين لحل المسألة اليهودية من وجهة نظره، التي تتمتع بحكم ذاتي وعاصمتها (بيروبيجان)، وتم استصلاح أراضيها وبعث الحياة فيها، بعد بذل جهود وإمكانات جبارة ودفع الأموال الطائلة.

ذكر المؤرخ دافيد وزيرمان في كتابه (كيف كانت)، "ما يزيد على 41 ألف عائلة يهودية وصلت إلى بيروبيجان بين أعوام 1928 ــ 1938، واستقرت فيها"

أرسل ستالين مبعوثيه إلى الولايات المتحدة وأوروبا وفلسطين، وكان هؤلاء المبعوثون يحملون لليهود ولحكومات الدول التي يعيشون فيها رسالة واضحة ومحددة وهي أن ستالين ولأول مرة في تاريخ دولته يعترف بالوضع الخاص لليهود، وقرر منحهم جمهورية مستقلة ذاتيًا يبنون فيها كيانهم الذاتي وشخصيتهم المستقلة مع السماح لهم بإنشاء مدارسهم الخاصة يتعلمون فيها لغة (البديتش) وهي لغة يهود أوروبا.

ووفقًا لرواية المؤرخ اليهودي ويزرمان، فإن ستالين كان جادًا في دعوته، فكان يوفر للراغبين في الهجرة إلى جمهوريتهم الانتقال المجاني عبر القطارات، مع طعام مجاني طيلة الرحلة، وكان هذا يعني الشيء الكثير حينذاك.

علاوة على أن ستالين أضاف "مكرمة" جديدة وهي منح كل يهودي عند وصوله إلى بيروبيجان للاستقرار فيها مبلغ 600 روبل - وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الزمان - يعينه على بناء حياته الجديدة في جمهوريته الذاتية، ومن هنا فقد شهدت بيروبيجان وصول عائلات يهودية من الأرجنتين والولايات المتحدة وحتى من فلسطين.

وذكر المؤرخ دافيد وزيرمان في كتابه (كيف كانت)، "ما يزيد على 41 ألف عائلة يهودية وصلت إلى بيروبيجان بين أعوام 1928 ــ 1938، واستقرت فيها"، ومرة أخرى هو رقم كبير بمقاييس ذلك الزمان، حيث كانت مجموعات اليهود في أوروبا تعيش في (جيتوات) منعزلة بعضها عن بعض، وكانت العائلات في تلك المعازل لا يزيد عددها على المئات، باستثناء فلسطين.

ويعتبر المؤرخون أن فترة الثلاثينيات شهدت وطنين قوميين لليهود، حيث كان اليهود يتوزعون بين دعوتين لوطن قومي وأرض موعودة، واحدة في فلسطين وتتبنى الصهيونية الدعوة إليها، والثانية في بيروبيجان وتتبنى الشيوعية السوفييتية المساهمة في إقامتها بحماسة كبيرة.

وهنا تؤكد رينوف أن الجمهورية أقيمت بدعمٍ وتشجيع من يهود أمريكا أنفسهم، ممثلين في هيئة كانت تضم في عضويتها عالم الفيزياء اليهودي آينشتاين والكاتب الأمريكي اليهودي المعروف غولدبيرغ، وأن هذه المقاطعة فيها جالية يهودية وليس كل عدد سكانها من اليهود.

اليوم يرفض اليهود الحديث عن هذا الأمر باعتبار أنه تم في عهد ستالين "اللاسامي"

كيف يمكن تطبيق خطة رينوف؟

من وجهة نظر خطة رينوف، فإن الأمر يمكن أن يُطبق بكل منطقية في طرحها، بسبب توافر عدة عوامل، أولها الثقافة اليهودية السائدة في بيروبيجان، وثانيها أن مساحتها التي تعادل مساحة سويسرا تسمح بهذا الحل العادل وإنهاء مأساة الفلسطينيين، حيث الكثافة السكانية فيها 14 نسمة/ميل مربع مقابل 945 ميل مربع في "إسرائيل" و1728 ميلًا مربعًا في الأراضي الفلسطينية.

وقد أسست لهذا الغرض منظمة تروج لهذا الحل بقوة، وتحمل اسم جمهورية اليهود ولا تدع السيدة رينوف الفرصة تمر دون أن تحاول نشر الفكرة التي يجري التعتيم الإعلامي عليها، وقد ألقت العديد من المحاضرات والمداخلات عن هذا الحل في محافل عدة كان أحدها داخل البرلمان البريطاني.

بطبيعة الحال، توصف رينوف في الإعلام الإسرائيلي بأنها من منكري الهولوكوست ومعادية السامية، لكنها تقول إن بإمكان الدول الـ191 الأعضاء في الأمم المتحدة أن تختار هذا الحل وتدعمه دون خوف من أي اتهامات بمعاداة السامية، لأن سكان الجمهورية اليهود يعيشون فعلًا في أمان واطمئنان.

مجابهة التكذيب الإسرائيلي

اليوم يرفض اليهود الحديث عن هذا الأمر باعتبار أنه تم في عهد ستالين "اللاسامي"، ولكن رينوف ترفض تلك المزاعم وتؤكد أن ستالين نزع إلى إعطاء كل إثنية من إثنيات الاتحاد السوفييتي جمهورية خاصة بها ولم يقصر الأمر على اليهود فقط الأمر الذي تنتفي معه اتهامات اللاسامية، كما أن الجمهورية شكلت ملاذًا آمنًا لليهود الذين لم يكونوا محل ترحيب من المواطنين الروس إلى جانب يهود من خارج الاتحاد السوفييتي هاجروا إليها ووجدوا فيها الأمن والسلم وكان من الممكن أن تتواصل الهجرة إليها لولا أن ظهرت الصهيونية وفكرة الاستحواذ على أراضي السكان الفلسطينيين.

الكثيرون لا يعرفون شيئًا عن هذه الحقيقة والقليلون الذين تسنح لهم الفرصة لأن يستمعوا إليّ ويعرفوا الحقيقة

تعتبر رينوف أن اليهود كذبوا عندما زعموا إبان الحرب العالمية الثانية أنهم في أمس الحاجة إلى أرض فلسطين كوطن لهم، حيث لم تكن هناك حاجة لتشريد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم، فخيار الانتقال لتلك الجمهورية كان متاحًا أمامهم ولكنهم فضلوا فلسطين لأنهم كانوا يطمعون بالسيطرة على القدس والأراضي المقدسة.

فيما تستهجن رينوف التعتيم الإعلامي المحكم على حقيقة الوطن الأول لليهود، والإصرار على الإشارة إليه على أنه مقاطعة، متسائلة في استنكار: "أي مقاطعة تلك التي يعادل حجمها حجم سويسرا؟!"، وتضيف "الحقيقة أنه مع تفكك الاتحاد السوفييتي أصبحت كل إثنية مؤهلة لأن تعلن جمهوريتها التي تقيم عليها باستثناء بايروبدجان التي كانت تسبب "حساسية" لإسرائيل وتثير هواجسها باحتمال رفع الوعي العام العالمي بوجودها كأول وطن لليهود".

ودائمًا ما تقول رينوف "الكثيرون لا يعرفون شيئًا عن هذه الحقيقة والقليلون الذين تسنح لهم الفرصة لأن يستمعوا إليّ ويعرفوا الحقيقة لا يصدقونني بسهولة، ولكنني مستعدة أن أسخر ما تبقى من حياتي كي يصدقني العالم ويسعى لحل الصراع استنادًا لهذه الحقيقة".