هل تعرف صفير صاروخ يهوي قريبًا منك قبل أن ينفجر؟

هل تميّز رائحة البارود التي تخرش في المرة الأولى جيوبك الأنفية؟

هل تعلم برودة الجثة حتى وهي تنزّ الدماء ساخنة؟

هل سمعت بإدلب؟!

في 17 من سبتمبر/أيلول 2018 تم توقيع اتفاق "سوتشي" بين روسيا وتركيا وإيران ونص على انتشار نقاط مراقبة للدول الثلاثة رسمَت حدود منطقه إدلب التي تضم محافظة إدلب السورية وأجزاء من ريف حماة الشمالي وجنوبها وأجزاء من ريفي حلب الجنوبي والغربي إلى الشرق والشمال الشرقي منها.

صورة

خريطة منطقة إدلب بعد اتفاق سوتشي (سبتمبر/أيلول 2018)

سريعًا؛ وتحديدًا منذ يناير/كانون الثاني 2019، تبدأ روسيا تصريحاتها التي تتحدث عن عدم التزام تركيا بتنفيذ الاتفاق كاملًا، وتبدأ معها حالة من القلق والترقب انتهت في 9 من مارس/آذار من العام نفسه بأول غارة جوية للروس على بلدات جنوب وغرب إدلب منذ مدة، لتتلاحق بعدها المجازر والغارات على أرياف حماة الشمالية وإدلب الجنوبية بشكل أساسي، متسبّبة بموجة نزوح واسعة من المنطقة، تلاها اجتياح قطعات عسكرية من جيش نظام الأسد الموالية لروسيا واحتلالها.

وعلى مدار الشهور اللاحقة وبعد خرق روسيا لاتفاقَي تهدئة وقعا خلالها، دمر سلاح الجو الروسي مدن وبلدات وقرى ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، قبل أن تجتاحهما واصلة إلى مدينة خان شيخون جنوبي إدلب، بعد معارك شرسة استبسل فيها ثوار المنطقة وخسروا العديد من نخبهم العسكرية وعلى رأسهم صوت الثورة عبد الباسط الساروت، وأعلن منسّقو الاستجابة في سوريا في 30 من أغسطس/آب 2019 أن أعداد النازحين في المنطقة منذ فبراير/شباط وحتى نهاية أغسطس/آب وصل إلى 737 ألف مدني!

صورة

خريطة منطقة إدلب بعد سقوط خان شيخون

لم تتوقّف الغارات الروسية والمدفعية الثقيلة عن دك المناطق المحررة طوال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، وفي نوفمبر/تشرين الثاني أكملت روسيا المرحلة الثانية من عمليتها العسكرية، فبدأت تجتاح قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي، وسط مقاومة شرسة من الثوار ومعارك كر وفر انتهت بسقوط بلدة جرجناز في ريف إدلب الجنوبي على بعد 8 كيلومترات شرقي مدينة معرة النعمان.

أعلن منسّقو الاستجابة أن عدد النازحين الجدد منذ نوفمبر/تشرين الثاني وحتى نهاية عام 2019 وصل إلى 283 ألف مدني، وانتهى العام بسيطرة روسيا وجيش نظام الأسد على كامل ريف حماة الشمالي وأجزاء من ريف إدلب الجنوبي، بعد أن حاصروا نقاط المراقبة التركية المُتفق عليها حسب اتفاق سوتشي.

صورة

خريطة منطقة إدلب نهاية عام 2019

تستمر الحملة الروسية أكثر شراسة ودموية مع دخول عام 2020 بعد انضمام إيران وميليشياتها للمعركة وتوسُّع ساحتها لتشمل إضافة إلى ريف إدلب الجنوبي، جبهات ريفي حلب الجنوبي والغربي، في أكبر حملة عسكرية شهدها الشمال السوري منذ انطلاق الثورة في مارس/آذار عام 2011. 

الأرض المحروقة

يطلق هذا المصطلح على إستراتيجية عسكرية وحشية تهدف إلى تدمير الأرض المعادية، دون التمييز بين مدني أو عسكري، مع التركيز على استهداف كل المرافق الخدمية للمدنيين في المناطق المعادية، دافعة قاطنيها إلى مغادرتها بعد استحالة الحياة فيها، فينشغل المدافعون عنها بمن ورائهم من أهل تشردوا، وتضعف همّتهم عن القتال بعد خلوِّ المناطق خلفهم من أهل يخشون عليهم دخول عدوّهم، دافعةً إياهم للانسحاب مع ما يجدونه من قوة مهولة تدمر الأرض حولهم وتحول بينهم وبين عدو لا يرون منه إلا القذائف والصواريخ المنهمرة عليهم.

استخدمت روسيا هذه الإستراتيجية في كل معاركها لاحتلال المناطق المحررة في سوريا منذ دخولها إليها رسميًا أواخر عام 2015، مرتكبة مجازر صمت عنها العالم أجمع إلا من تعبير عن قلق أو بيان إدانة! وكلما احتلَّت روسيا منطقة جديدة زادت من عنفها في استخدام الإستراتيجية أكثر مع المنطقة التي تليها، لتبلغ ذروتها في حملتها لاحتلال ريف إدلب الجنوبي وريفي حلب الجنوبي والغربي مطلع هذا العام، وعاشت مدن وبلدات جنوب إدلب ويلات هذه الحملة التي لم يسلم منها منزل أو مشفى أو مقر دفاع مدني أو سوق.

وداع الديار

جُعِلَ النّفي في كثير من الشرائع السماوية وحتى القوانين الأرضية عقوبةً قرينةً بالقتل، فكيف إن كان النفي تهجيرًا يُفرَض على شعب كامل، وكيف إذا كان هذا في قطعة من الأرض تعلّقت بها نفوس أصحابها، فرفضوا مغادرتها لأعوام حتى وهي تدمر فوق رؤوسهم، إلى أن اقتربت منها جحافل العدو تبغي احتلالها، فكان أن سجلت الكاميرات مشاهد وداع الناس لديارهم بالدموع والغضب.. والأمل.

هنا رجل من ريف إدلب يبكي منزله، يعانقه ويودعه قبل النزوح مردّدًا "سلّمتك إلى الله يا دار".

وهنا رجل آخر يحرق منزله حتى لا يجلس فيه جنود النظام بعد نزوحه، مخاطبًا النيران تشتعل في جنباته: "لبّي.. لبّي ولا عيني تشوف خنزير قاعد فيكِ".

وهنا أحد متطوعي الدفاع المدني السوري يُخرِج بعض الملابس من منزله في سراقب لأطفاله الذين نقلهم إلى بلدة أخرى، مُقْسِمًا أنه سيعود للدفاع عنها حتى آخر نفس، وأنّ الثورة لا بد ستنتصر.

أما هذا الشاب من أبناء معرة النعمان، فخرج لالتقاط صورة من مكان مرتفع يودع فيها مقبرة "معرة النعمان" بعد 7 أعوام من الحرية عاشتها المدينة، مقدمة أكثر من 6000 شهيد فاتورة لها.

 

صورة

بينما اضطر هذا الشاب أن يودع ما هو أكثر من مقبرة ومنزل ومدينة، فقد خرج ليؤمن خيمة يأوي بها أهله في نزوحهم، ليجد عند عودته سبعة أفراد من عائلته بينهم أطفاله شهداءً بغارة روسية.. يبكي وهو يخاطب جثث أطفاله: "بدل ما تنزحوا عالمخيمات.. الله أخدكم لعنده".

وفي هذه السيارة أدرك الموت تسعة أفراد من عائلة واحدة فرّوا منه بأيدي جنود نظام الأسد الذين يجتاحون منطقتهم، ليجدوه بصاروخ من طائرة روسية أحالت وسيلة نقلهم قبرًا.

سيارة

أصداء دولية من المحليين

اعتاد السوريون استجابة الدول والمنظمات مع مآسيهم ببيانات الإدانة والتعبير عن الشجب والقلق، لكن وفي أعنف حملات الإبادة التي يتعرض لها السوريون، جاء تفاعل المجتمع الدولي باردًا بشكل ربما يتسق أكثر مع موقفه من كل ما يحدث في سوريا.. اللامبالاة.

أما ردود الفعل الأبرز فجاءت سورية، ودون كلمات كما ينبغي أمام جلال المأساة.

صورة

 بيان منسقي الاستجابة في سوريا عن الأوضاع الإنسانية في إدلب دون كلمات (2 من فبراير/شباط 2020)
 

 احتجاب تليفزيون أورينت عن البث 24 ساعة احتجاجًا على ما يحدث في إدلب (30 من يناير/كانون الثاني 2020)
 

ولعل الخطاب الذي ألقته المخرجة السورية وعد الخطيب في أثناء تسلمها لجائزة "البافتا" عن فيلمها الوثائقي "لأجل سما"، هي الكلمات الوحيدة التي وصلَت إلى العالم عما يحدث في إدلب.

مهاجرون

لم تفلح المواقف السورية - كما لم تفعل دائمًا - في الحث على رد فعل دولي يمنع المأساة عن منطقة إدلب، وحتى التقارير التي تتحدث عن نزوح أكثر من نصف مليون إنسان لم تدفع باتجاه تحرك دولي، فخرج أهالي إدلب من أريافها ومدينتها أفواجًا ينزحون عنها، حاملين معهم ما استطاعوا من متاع يعينهم في رحلة تهجيرهم.

حتى النفس الأخير

بعد فراغ المدن والبلدات من أهلها، تجمّع ثوارها الذين رفضوا أن يتركوا مدنهم وبلداتهم لقمة سائغة لجموع المحتلين، ورغم انعدام التكافؤ في المواجهة واستحالة رد جحافل العدو عنها منطقيًا، فإن أبناء الأرض دخلوا المعركة غير مبالين بغير نصيبهم من التاريخ ألا يُقَال أنّ شبرًا عاش الحرية سقط دون مقاومة.

فتبايع أبناء جبل الزاوية بين ثناياه على الموت، ألا يدخلها الروس إلا فوق جثثهم.

 

وفي معرة النعمان التي استشهد فيها من استشهد من المدافعين وانسحب منها من تبقى منهم بعد استحالة المواجهة، كَمَن الشيخ أحمد الحصري في أحد منازلها منتظرًا دخول قوات العدو، ولثلاث ساعات متواصلة قاومهم منفردًا، هم بسلاحهم الثقيل وعتادهم ومدفعيتهم وجموعهم، وهو ببندقية وعزيمة، فقتل منهم حصّته ورحل بعد أن قصفوا المنزل ودمروه فوق رأسه بعد أن عجزوا عن اقتحامه.

أما في ريف حلب الغربي وبعد اقتحام الثوار على نقطة "فاميلي هاوس"، فقد ظنت إحدى مجموعات الثوار أنهم فقدوا رفيقهم شهيدًا عندما لم يجدوه بعد انتهاء المعركة وانسحابهم، ليعود الشاب من أبناء بلدة "كِلّي" في ريف إدلب بعدها بأيام، بحصيلة 11 قتيلًا من جيش نظام الأسد، وبغنيمة من سلاحهم يحملها بين يديه.

لكن هذه الدنيا لا تعترف بالحق ولا بالشجاعة في طلبه، بل كل ما يهم في هذه المعارك حقًا هو القوة التي تملك، وإن ضم جيشك شرار الأرض، فقد تمكنت روسيا من دخول مناطق واسعة بجنود جيش نظام آل الأسد الذين لم يجدوا فيها من ينتقمون منه، فتوجهوا إلى قبور الشهداء ينبشونها، ليعلم العالم كله أي نوع من الوحوش نواجه في سوريا منذ عقد من الزمن. 

صورة

ليست النهاية

بعد أن بدا أن الأمور حُسِمَت في إدلب، دخلت أرتال الجيش التركي "الضّامن" لاتفاق سوتشي إلى المنطقة، بآلياتها الثقيلة وسلاحها الصاروخي، وحتى منظومات الدفاع الجوي، فتمركزت في نقاط متفرقة، مترافقة مع تصريحات للحكومة التركية بضرورة عودة روسيا وحلفائها إلى خطوط اتفاق سوتشي.

وبدأت أرتال "الجيش الوطني" تتقاطر من ريف حلب الشمالي إلى المنطقة، فيما أعاد ثوار إدلب وريفي حلب الغربي والجنوبي تجمعهم، لتنطلق مرحلة جديدة من المواجهة انتقل فيها الثوار من الدفاع إلى الهجوم، وبات الحديث عن استعادة المنطقة التي تقدمت عليها روسيا والنظام حتى "معرة النعمان" شائعًا بين السوريين، بل إن البعض بدأ الحديث عن طرد الاحتلال الروسي حتى حدود سبتمبر/أيلول 2018.

خريطة

أما هذا الصديق من إدلب.. فقد بالغ في الأمل على قدر المصيبة، ورسَم خريطة سيطرةٍ جديدة للشمال يستبشر فيها بنصر بعد انكسار. ولعلّه يكون؟!