يبدو أن "فيروس كورونا" أو التهاب الرئوي الفيروسي الذي اجتاح الصين والعديد من بلدان العالم، لم يكتف بالتهام أعمار الناس وحصد الأرواح والأنفس، بعدما أصاب الاقتصاد العالمي والصيني على وجه الخصوص في مقتل، وأصبح يهدد مئات الشركات، ما استدعى إطلاق الاستغاثات المباشرة للحكومة، لنجدة أكثر من 300 شركة صينية من الإفلاس، على رأسهم ميتوان ديانبينغ (أكبر شركة توصيل طعام في البلاد) وشركة شاومي لصناعة الهواتف الذكية، وغيرهم من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تواجه ضغوطًا مالية هائلة قد تعرضها لخطر الإغلاق والتدمير. 

تأثيرات كورونا على الاقتصاد الصيني 

ضربت كل توقعات المؤسسات الدولية المعنية، مستقبل النمو الاقتصادي الصيني في ظل تفشي مرض كورونا بالبلاد، فبلومبيرغ إيكونوميكس، خفضت توقعاتها للنمو من 5.9% إلى 4.5%، وكذلك خفض "غولدمان ساكس" توقعاته للنمو من 5.6% إلى 4% بالربع الأول من العام الحاليّ، أما يو بي إس فكان الأكثر تشاؤمًا وخفض توقعات نمو الاقتصاد الصيني من 5.9% إلى 3.8%.

تراجع معدلات النمو الاقتصادي حسب توقعات المؤسسات المراقبة، خلال الربع الأول، تم بناؤها على مجموعة من العوامل، أبرزها الانخفاض المحتمل في الإنفاق الاستهلاكي، لا سيما أن الاقتصاد الصيني كان يعتمد خلال الفترات الماضية على الطلب الداخلي، لكن مع انتشار الفيروس وعمليات العزل، أصبحت مدن بأكملها خارج سياق الحياة.

ورغم جهود الصين في احتواء الكارثة، فإنها لم تستطع السيطرة على الوباء بشكل فعال خلال فترة زمنية قصيرة، ولهذا ضربت الأوامر الصريحة للحكومة بعدم استئناف العمل بعد عيد الربيع، 19 مقاطعة وبلدية في مقتل، بما في ذلك هونان وقوانغدونغ وشانغهاي، الأمر الذي أثر بشكل غير مسبوق على الشركات العاملة في هذه المناطق، وخاصة الطيران والسياحة والترفيه واللوجستيات والنقل، بالإضافة إلى تجارة الجملة والتجزئة، مما كلف البلاد خسائر اقتصادية مباشرة بلغت حتى الآن أكثر من تريليون يوان.

صورة

المثير أن القرار الحكومي بغلق المؤسسات لم تتحملة الحكومة الصينية، بل الشركات التي تكفلت بجميع النفقات الأساسية مثل الإيجار والقروض والفوائد المصرفية ورواتب الموظفين، ومع أن الأزمة طالت الكبير والصغير، إلا أن الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تساهم بأكثر من نصف عائدات الضرائب وثلثي الناتج الاقتصادي للصين و80% من فرص العمل بالمناطق الحضرية، أصبحت تصارع الموت بشكل حرفي، مما يشكل تهديدًا أكبر للاقتصاد المتباطئ.

الشركات الكبيرة أيضًا لم تستطع النجاة وأصبحت مؤسسة عملاقة مثل "شاومي" رابع أكبر مصنع للهواتف الذكية في العالم، في حاجة ماسة لقروض حددتها بـ57.4 مليار يوان، أي ما يعادل 8.2 مليار دولار، خاصة أن تمديد إغلاق مصانعها أدى إلى تباطؤ التصنيع والتأثير بالتبعية على سلاسل الإمداد العالمي، وبينما تأمل شاومي في نجدة حكومتها، لم تجد شركة "آبل" الأمريكية العملاقة للصناعات الإلكترونية مفرًا من إغلاق جميع مقارها في الصين، بسبب تفشي الفيروس. 

تحمل المسؤولية

تصاعدت كلمات الدعم والمؤازة للصين منذ اليوم الأول لظهور المرض، من بلدان العالم كافة، ولكن الدعم الحقيقي والمساعدة بالأموال لم تتحقق حتى الآن، وأكثر ما يثبت ذلك تصريحات ديفيد مالباس رئيس البنك الدولي الذي اكتفى بتقديم مساعدات فنية للصين لدعمها في مكافحة فيروس كورونا ورفض إقراضها أموال جديدة. 

صورة

مالباس حصر دعم البنك في التعامل مع منظمة الصحة العالمية لمساعدة الصين، بما في ذلك تقديم المشورة بشأن أزمات صحية سابقة، لكنه يرى أن الصين لديها موارد وفيرة واحتياطيات دولية كبيرة خاصة بها، مع أنه في الوقت نفسه رفض الإفصاح عن تقديراته والبنك لتأثير الأزمة على الصين وكذلك نمو الاقتصاد العالمي. 

الروح الصينية التي تعودت على هذه الكوارث، جعلت الشركات لا تستسلم للوباء، وطلبت قروضًا بمليارات الدولارت، لتخفيف حدة تأثير تفشي الفيروس على أعمالها، خاصة بعدما أعلنت الحكومة رسميًا تمديد عطلة عيد الربيع بسبب تصاعد وتيرة انتشار الفيروس وارتفاع عدد الإصابات خلال الربع الأول من العام الحاليّ. 

كما سارع البنك المركزي الصيني، لإعلان ضخ أموال بقيمة 300 مليار يوان (43 مليار دولار) لمساعدة الشركات التي تسهم بمكافحة فيروس كورونا الذي يفتك بآلاف المواطنين، وبجانب ذلك سيقدم البنك دعمًا للمؤسسات المالية، حتى تتمكن من منح قروض إلى الشركات الرئيسية المشاركة في عملية السيطرة على فيروس كورونا والوقاية منه، كما سيخفض الفائدة على عمليات إعادة الشراء، ووافق في الوقت نفسه على تمديد فترات استحقاق الديون للشركات، كما سمح للأفراد الذين انقطعوا عن عملهم بسبب الفيروس بتأجيل سداد الأقساط المترتبة عليهم.

الحكومة من جانبها لجأت إلى ضخ 242 مليار دولار في النظام المالي لتوفير السيولة، كما خصصت الحكومات المحلية نحو 12 مليارًا و600 مليون دولار للإنفاق على العلاج والمواد الطبية، وتخطط أيضًا لمجموعة من الإجراءات المستقبلية، بداية من زيادة الحد الأقصى لعجز الموازنة وتوسيع الإنفاق وبيع المزيد من السندات الحكومية وضخ أموال جديد في النظام المالي.

المؤسسات العملاقة على شاكلة مجموعة علي بابا العالمية، بدأت هي الأخرى، تساند الدولة في عمليات الإقراض ووعدت بتقديم قروض بقيمة 20 مليار يوان (2.86 مليار دولار) للشركات في الصين، بعد أن سجل معدل التضخم أعلى معدلاته منذ ثماني سنوات خلال الشهر الماضي، لا سيما أن المستهلكين والشركات، لجأوا إلى تخزين احتياجاتهم الأساسية، بل والمبالغة في التخزين توقعًا للمزيد من القيود على حركة النقل ما انعكس على اضطراب سلسلة الإمداد والتموين الداخلية.

إجراءت منتظرة لوقف نزيف الاقتصاد 

يبقى للصين العديد من الإجراءات التي يجب اتخاذها سريعًا لحصار الفيروس والحد من نزيف الاقتصاد، وعلى رأس هذه الإجراءات الموافقة على تدشين مشاريع جديدة لإنتاج المواد اللازمة للوقاية من الأوبئة ومكافحتها، وكذلك تشجيع المؤسسات المعنية على إنتاج مواد مضادة للوباء.

تقترح المؤسسات الفنية المعنية على الصين، تمديد الأجل لرجال الأعمال المتأثرين بالوضع الوبائي الذين يجدون صعوبة في سداد قروضهم عند الاستحقاق

وحسب الاستشارات الفنية التي بدأت الصين في تنفيذها، تحاول بذل كل جهد ممكن لتلبية الاحتياجات المالية للوقاية من الأوبئة ومكافحتها، وتخفيض إيجار وحدات الشركات والحد من أقساط التأمين الاجتماعي أو تأجيلها، والحد من صندوق الادخار، ومساعدة المؤسسات التي تعرضت للانهيار من الفيروس. 

كما سيكون منطقيًا إشراف الدولة على إدارة مجمعات التكنولوجيا والمؤسسات غير الحكومية والمجمعات الصناعية وتشجيع نشاط الشركات التعاونية، بجانب تعطيل رسوم معالجة مياة الصرف الصحي لجميع أنواع المؤسسات المتضررة من الوباء، وإعفاء الشركات المتضررة بشدة من الوباء من ضريبة العقارات وضريبة استخدام الأراضي، لمساعدة الشركات على استقرار التدفق النقدي، خاصة في قطاعي المطاعم والسياحة، المتأثرين بالوباء.

وتقترح المؤسسات الفنية المعنية على الصين، تمديد الأجل لرجال الأعمال المتأثرين بالوضع الوبائي الذين يجدون صعوبة في سداد قروضهم عند الاستحقاق، بجانب زيادة القروض الائتمانية والقروض المتوسطة والطويلة وتوسيع نطاق الاستفادة من مجموعة صناديق تعويض مخاطر القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة، لتشمل أصحاب الأعمال الصغيرة ومتناهية الصغر والأسر الصناعية والتجارية الفردية.

كما تقترح زيادة الدعم للأموال الصناعية وتنفيذ سياسات التوظيف المرنة وزيادة مهارات موظفي المؤسسات وإعانات التدريب من أجل حماية توظيف الموظفين ودعم الأجور والمرتبات التي تدفعها المنشآت خلال الفترة التي يتلقى فيها الموظف العلاج بسبب الوضع الوبائي أو المعزول عن طريق الملاحظة الطبية للمؤسسة بنسبة لا تتجاوز 50% من قاعدة دفع أقساط التأمين التقاعدية الأساسية.