الرئيس المعزول عمر البشير

أعلن وزير الإعلام السوداني فيصل صالح، في الـ17 من فبراير الحاليّ، أنه قد يتم إرسال الرئيس السابق عمر البشير ومشتبه بهم آخرين إلى لاهاي لمحاكمتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية، لكنه أضاف أن أي قرار سيحتاج إلى موافقة من الحكام العسكريين والمدنيين في البلاد.

تأتي تصريحاته تلك بعد أقل من يومين على إعلانه، من عاصمة جنوب السودان جوبا، موافقة الخرطوم على مثول البشير (المتحفظ عليه بدار للإصلاح الاجتماعي لمدة عامين بعد إدانته بالفساد) وثلاثة من المطلوبين الآخرين أمام المحكمة الجنائية الدولية (التي تلاحقه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وكذلك إبادة جماعية خلال النزاع في دارفور بين العامين 2003 و2008)، ضمن خطة شاملة لتحقيق العدالة الانتقالية في إقليم دارفور وإنصاف الضحايا ومداواة الجراح العميقة التي خلفتها الجرائم في المنطقة.

صالح قال إن مجلس السلام الأعلى وافق على مثول المتهمين أمام المحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا والوفد المرافق له في جوبا أن مثول البشير أمام المحكمة يعد مدخلًا لسلام عادل وشامل في البلاد، ويسرع من خطى السلام في البلاد في ظل أجواء التوتر التي تشهدها بسبب تباين وجهات النظر حيال العديد من الملفات من بينها مصير الرئيس المخلوع.

وكانت المحكمة الدولية قد أصدرت قبل نحو 10 سنوات مذكرات توقيف بحق البشير ومسؤولين سودانيين آخرين بينهم وزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الدولة الأسبق في الداخلية أحمد محمد هارون، وزعيم ميليشيا محلية يدعى علي كوشيب، بتهم ارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

تسليم البشير البالغ من العمر (75 عامًا) إلى محكمة لاهاي يعتبر أحد المطالب الرئيسية للمتمردين في الإقليم الذين تسعى السلطات الانتقالية الحاليّة للتوصل إلى سلام معهم، وقد تعهدت حكومة عبد الله حمدوك بإرساء السلام في دارفور الذي أسفرت المواجهات المسلحة التي اندلعت فيه منذ 2003، بين المتمردين والقوات الحكومية، عن تشريد 2.5 مليون شخص، بحسب الأمم المتحدة.

حالة من الجدل يشهدها الشارع السوداني هذه الأيام بشأن مستقبل تلك المحاكمة التي لو تمت وفق ما سُرب فيما يتعلق بتسليمه بصورة رسمية، سيكون البشير أول حاكم عربي يمثل أمام الجنائية الدولية، كما كان أول حاكم يتهم بتلك الجرائم وهو يشغل منصب رئيس بلد عربي.

تضارب في التفسير

أثارت التصريحات التي أدلى بها وفد الحكومة في جوبا ومن بعدها تصريحات وزير الإعلام بشأن الموافقة على مثول البشير أمام المحكمة حالة من التضارب في تفسيرها، حيث انقسم الشارع السوداني، مسؤولون ومواطنون، إلى رأيين بخصوص حقيقة تلك التصريحات.

فريق ذهب إلى أن تلك التصريحات بصيغتها الحاليّة لا تعني بالضرورة تسليم الرئيس المخلوع إلى المحكمة الجنائية، فالمثول ليس شرطًا أن يكون تسليمًا كاملًا، وهو الرأي الذي ذهب إليه المتحدث باسم الجيش السوداني العميد الركن عامر محمد الحسن، في تصريحات له.

الحسن في لقاءات صحفية له قبل فترة أكد وبشكل واضح أن "موضوع تسليم الرئيس السابق عمر البشير للمحكمة الجنائية لا يعني تسليمًا، وإنما مثول فقط، لأنها قضية سياسية بحتة يجري النقاش بشأنها"، وهو الرأي الذي يميل إليه قطاع كبير من السودانيين لا سيما أنصار البشير.

روث عندما التقى البرهان تساءل: "هل تأكيد البرهان التعاون مع المحكمة يعني تسليم البشير إلى لاهاي؟ أم يعني التعاون مع المحكمة بشأن إجراء محاكمات محلية قوية وعادلة؟"

وفي السياق ذاته جاءت تصريحات رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، التي أكد فيها، خلال اجتماع مع مدير منظمة "هيومن رايتس ووتش" كينيث روث، استعداد السودان للتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية بشأن ملف البشير لتضفي مزيدًا من الغموض.

روث عندما التقى البرهان تساءل في تصريح لرويترز: "هل تأكيد البرهان التعاون مع المحكمة يعني تسليم البشير (والمطلوبين الآخرين) إلى لاهاي؟ أم يعني التعاون مع المحكمة بشأن إجراء محاكمات محلية قوية وعادلة؟" دون التوصل إلى إجابة واضحة، الأمر الذي عزز من الانقسام بين التسليم والمثول.

البشير في قفص المحاكمة

3 سيناريوهات

وزير الإعلام السوداني قدم سيناريوهات ثلاث لمحاكمة البشير، الأول، أن تأتي المحكمة الجنائية الدولية إلى الخرطوم ليمثل أمامها الرئيس المخلوع و3 مطلوبين آخرين، وربما كان هذا السيناريو الأقرب بعد التسريبات التي أشارت إلى وصول وفد من المحكمة للعاصمة السودانية لكن سرعان ما ثبت عدم صحة المعلومة وتكذيبها من مصادر عدة.

أما السيناريو الثاني فيتعلق بتأسيس محكمة مختلطة من قضاة سودانيين وآخرين تعينهم المحكمة الجنائية الدولية، وهذا الاقتراح يتماشى بصورة كبيرة مع روح ورقة العدالة الانتقالية التي توافقت عليها الحكومة مع الحركات المسلحة في دارفور، ومن بنودها إنشاء محكمة خاصة بجرائم دارفور.

وفي هذه الحالة يمكن مثول البشير أمام تلك المحكمة على أن لا تتدخل المحكمة الجنائية إلا في حالة عدم قدرة الدولة على محاكمته أو عدم رغبتها بالقيام بهذا الأمر، وهي حالة انتفت بعد سقوط نظام البشير ومجيء الحكومة الحاليّة، ويذهب خبراء إلى أن هذا السيناريو ربما يكون الأكثر واقعية.

فيما يذهب السيناريو الثالث والأخير إلى إنشاء محكمة سودانية خالصة، عبر قضاة سودانيين، تمامًا مثل ما حدث في محاكمته في قضية الثراء الحرام والمشبوه، وهو السيناريو الأضعف نظريًا في ظل عدم وجود فريق مؤيد له حتى كتابة هذه السطور، وهو ما يقلل من فرصه.

يذكر أن صالح وضع شرطًا لتحقيق أي من السيناريوهات الثلاث السابقة، وهي ضرورة موافقة العسكريين والمدنيين، وهو الشرط الذي يعكس حالة عدم التوافق حتى الآن بشأن السيناريو الأقرب للمحاكمة، وينفي في الوقت ذاته تصريحات سابقة لمسؤولين حكوميين قالوا فيها إن قرار مثول البشير أمام المحكمة الجنائية اتخذ بالتوافق بين مجلس الوزراء و"قوى إعلان الحرية والتغيير" ومجلس السيادة.

السيناريو الأنسب للمحاكمة سيعتمد بالأساس على الصفقة التي ستبرمها الحكومة الحاليّة مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" وجهات أخرى

انقسام وتباين

تباينت وجهات النظر بشأن تقييم السيناريوهات السابقة، حيث استبعد المتحدث باسم المحكمة الجنائية الدولية، فادي العبد الله، إجراء محاكمة مختلطة للبشير، وقال إن نظام محكمة لاهاي ليس فيه ما يشير إلى مشاركتها في محاكم مختلطة، وذلك ردًا على ما أثير بشأن حضور المحكمة الدولية إلى الخرطوم.

العبد الله أشار في تصريحات له إلى بيان صدر عن مكتب المدعية العامة فاتو بنسودا، أول أمس الثلاثاء، جاء فيه "يوجد حاليًّا كثير من التكهنات وتقارير إعلامية بشأن ملف السودان في المحكمة الدولية، ويود المكتب أن يوضح أن من الخطأ وجود وفد من المحكمة الدولية في الخرطوم في الوقت الحاليّ".

وذكرت المدعية العامة في كلمتها تلك أن على السودان ضمان محاسبة المشتبه فيهم الخمس عن الجرائم التي ارتكبت في دارفور، والتهم التي وجهتها إليهم المحكمة الدولية، إما في قاعة المحكمة في السودان أو في المحكمة الجنائية الدولية.

فريق آخر ذهب إلى أن قرار تسليم البشير ومن معه مهم وتاريخي، ويحقق تطلعات ذوي الضحايا في دارفور، لافتين إلى أن الأصل في هذا الملف أن تتم محاكمة المتهمين أمام المحكمة الجنائية في مقرها بلاهاي، وهناك استثناء انعقادها في أراضي دولة طرف بالاتفاقية أو غيرها بشروط محددة.

هذا الفريق يستبعد محاكمة البشير داخل السودان، مبررًا ذلك بأن البلاد لا تملك المقدرة على ضمان المحاكمة داخل أراضيها دون خلل أمني، إضافة لوقوف معظم الدول الإفريقية مع البشير ضد المحكمة، مستثمرة خوفه التاريخي منها لصالح أجندتها، وهو ما يقلل فرص هذا السيناريو.

ووفق تلك الرؤية فإن المحاكمة داخل السودان ستكون خاضعة للتطورات السياسية، فلو استمرت الأوضاع بشكل هادئ من الممكن إتمامها، أما في حالة حدوث أي انهيار في الاتفاق بين الحكومة والجماعات المسلحة أو شعرت السلطات الحاليّة بتهديد كيانها فإن أول قرار سيصدر هو إلغاء المحاكمة وطرد قضاة "الجنائية الدولية" من البلاد.

آخرون ذهبوا إلى أن السيناريو الأنسب للمحاكمة سيعتمد بالأساس على الصفقة التي ستبرمها الحكومة الحاليّة مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" وجهات أخرى، وعلى حجم استجابة الحكومة للضغوط التي تتعرض لها، وكذلك حجم رغبتها في رفع العقوبات وشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وزير الإعلام السوداني فيصل صالح

أما سيناريو "المحكمة الهجينة"، فيراه سياسيون الأنسب والأقرب للتطبيق، كون تشكيل محكمة داخل السودان، غالبية قضاتها أجانب والبقية سودانيين، سيضمن تحقيق البعد الدولي في المحاكمة، وفي الوقت ذاته حفظ سيادة البلاد، وكرامة جيشها الذي كان البشير قائدًا له، لكن معارضين يرون أن قادة دارفور ربما لا يروق لهم مثل هذا المقترح.

وفي الجهة المقابلة يرى عضو هيئة الدفاع عن البشير، محمد الحسن الأمين، أن البرهان يحاول "التوليف" بين تصريح سابق له بعدم تسليم البشير والموقف المتخذ بناءً على التفاوض مع الحركات المسلحة، موضحًا أن "المثول" لا يعني "التسليم"، وقال إن من المحتمل أن يأتي قضاة المحكمة الجنائية الدولية للخرطوم ويمثل البشير أمامهم، "وهذه مشكلة لأن وجود قاض أجنبي يعد طعنًا في السيادة".

عضو هيئة الدفاع عن البشير يعتبر أن وقوف الرئيس المخلوع أو أي من المطلوبين أمام هذه المحكمة التي وصفها بـ"المسيسة" هو تلبية لدوافع انتقامية للحركات المسلحة، لكنه يفتح بابًا لن يغلق، محذرًا من أن تسليم البشير أو مثوله أمام المحكمة الدولية، حتى في الداخل، ستكون له عواقب وخيمة لأنه موضوع فيصلي لن يقبلوا به.

سيناريوهات وزير الإعلام الثلاث بقدر ما كشفت بعض التفاصيل بشأن محاكمة البشير إلا أنها زادتها في الوقت ذاته غموضًا

ويتفق مع الأمين في الرأي مسؤول السياسات بمنظمة كفاية الأمريكية سليمان بلدو، الذي يعتبر هذا المقترح الحل الأمثل لتفادي الحرج السياسي الذي يمكن أن يسببه تسليم البشير، بقوله إن "المثول" لا يعني بالضرورة ترحيل المتهمين من سجن كوبر إلى مقر المحكمة بلاهاي.

بلدو وصف في تصريحات له موافقة الحكومة الانتقالية على مثول المطلوبين أمام المحكمة الجنائية بأنه "خطوة متقدمة"، مشيرًا إلى أن المحاكمات يمكن انعقادها داخليًا وفقًا لميثاق روما المؤسس للمحكمة الدولية، خاصة أن القضاء السوداني في طريق التعافي وتحقيق العدالة في كل الجرائم.

من الواضح أن سيناريوهات وزير الإعلام الثلاث بقدر ما كشفت بعض التفاصيل بشأن محاكمة البشير إلا أنها زادتها في الوقت ذاته غموضًا لتبقى الأيام القادمة وحدها من تملك الإجابة عن أي من تلك السيناريوهات سيكون الأنسب وسط مخاوف من تداعيات هذه الخطوة على المستوى السياسي والأمني.