فرانز فانون

واجهت فرنسا طوال فترة استعمارها للجزائر - التي امتدت لأكثر من 130 سنة - مقاومة كبيرة عسكرية وسياسية وثقافية، قادها جزائريون وفرنسيون كذلك. فرنسيون خلعوا فرنسيتهم عن كاهلهم مُختارين، وانتموا للجزائر بالفكر والنضال.

في هذا التقرير الجديد لنون بوست ضمن ملف "جرائم فرنسا في إفريقيا" سنتطرق إلى حياة واحد من الفرنسيين الذين اصطفوا إلى جانب المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وهو المفكر والطبيب البارز فرانز فانون.

بيئة فرنسية

في الـ20 من شهر يوليو/تموز 1925، شهدت إحدى جزر الكاريبي الخاضعة للإدارة الفرنسية (أقاليم ما وراء البحار الفرنسية)، ولادة فرانز عمر فانون لأسرة برجوازية سوداء. كان والد فرانز مفتشًا جمركيًا، وكانت والدته تمتلك متجرًا للأجهزة في وسط مدينة فور دو فرانس، عاصمة مارتينيك.

نشأ فانون بموطنه - جزر المارتينيك - في بيئة مولعة بالتعرف على الثقافة الفرنسية البيضاء واستيعابها، حيث تعلم تاريخ فرنسا كتاريخ خاص به، حتى سنوات دراسته الثانوية أين التقى السياسي الفرنسي والشاعر الشيوعي إيمي سيزار (أحد رواد حركة الزنجية ومناهضي الاستعمار)، حيث بدأ فكره يتغير قليلًا.

سنة 1956، أدرك فانون أنه لا يستطيع الاستمرار في مساعدة الجهود الفرنسية لإخماد المقاومة الجزائرية، وقرر تقديم استقالته من مهامه

ترك فرانز فانون المستعمرة عام 1943، وهو في سن الـ18، ممزقًا بين استيعاب الطبقة الوسطى في المارتينيك والانشغال بالهوية العرقية التي ينتمي إليها، للقتال مع قوات فرنسا الحرة خلال الحرب العالمية الثانية (قوات تكونت في أثناء الحرب العالمية الثانية من مقاتلين فرنسيين اختاروا مواصلة القتال ضد قوات المحور رغم استسلام فرنسا واحتلالها من ألمانيا النازية وتعاون حكومة فيشي مع الألمان).

بعد الحرب العالمية الثانية، مكث فانون في فرنسا لدراسة الطب النفسي والطب في جامعة ليون، هناك واجه عنصرية معادية للون بشرته الأسود، الأمر الذي أثار غضبه لدرجة أنه كان مصدر إلهام له لكتابة مقالات تتحدث عن حرمان السود.

بعد أن أنهى دراسة الطب النفسي، عاد فانون إلى موطنه في جزر الكاريبي، إلا أنه لم يعد يشعر بأنه في منزله وفي المكان الذي يمكن له أن يكمل فيه حياته، لذلك قرر العودة إلى العاصمة الفرنسية باريس.

الالتحاق بجبهة التحرير الجزائرية

سنة 1953، قبل فانون العمل رئيسًا لقسم الطب النفسي في مستشفى البليدة ـ جوانفيل في الجزائر، بعدها بسنة اندلعت حرب التحرير، وارتفع معها عدد الجنود الفرنسيين والمواطنين الجزائريين الوافدين إلى المستشفى للعلاج النفسي، فتعرف فانون أكثر على جرائم الاستعمار في حق سكان البلاد الأصليين.

هناك تعرف فانون على حجم الجرائم البشعة التي يرتكبها جنود المحتل الفرنسي لإخماد الثورة الجزائرية، فقد سمع بأذنيه الجنود يتحدثون ويعترفون بما اقترفت أيديهم في حق مواطنين عزل آمنوا بحق بلادهم في الاستقلال والعيش بعيدًا عن الاستعمار.

أدرك الطبيب المُنظِر أن مصدر المعاناة الإنسانية الأول للشعب الجزائري المحتل، هو الاستعمار الفرنسي وجرائمه البشعة في حقه، لذلك وجب التخلص من الاستعمار لتوفیر الشرط الموضوعي لإمكانیة شفاء المرضى.

سنة 1956، أدرك فانون أنه لا يستطيع الاستمرار في مساعدة الجهود الفرنسية لإخماد المقاومة الجزائرية، وقرر تقديم استقالته من مهامه كطبيب للوزير العسكري روبرت لاكوست المدافع عن سياسة العنف والتعذيب في الجزائر، والانخراط في صفوف جبهة التحرير الوطني الجزائرية.

غادر سرًا إلى تونس، وعمل طبيبًا في مستشفى منوبة أين كان يعالج ثوار الجزائر، كما درب الممرضين للعمل ضمن جبهة التحرير الوطني، كما ترأس أيضًا تحرير جريدة المجاهد في نسختها الفرنسية (اللسان الرسمي لجبهة التحرير الوطني الجزائرية)، وقد ركز على الدفاع والتعبير عن أفكار جبهة التحرير الوطني وإبراز أصالة الشعب الجزائري والعمل على تدويل القضية الجزائرية.

كما ساهم أيضًا بمقالات عن حركة التحرير الجزائرية في مجلة "حضور أفريقي" التي أسسها في باريس المثقف السنغالي العضوي أليون ديوب عام 1947، ومجلة "الأزمنة الحديثة" التي تعد إحدى أعرق وأشهر المجلات في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، التي أسسها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر والأديبة سيمون دو بوفوار عام 1945.

سنة 1960 تقلد فانون منصب سفير الحكومة الجزائرية المؤقتة في دولة غانا (حمل اسم إبراهيم عمر فانون)، حيث عمل على التعريف بالقضية الجزائرية دوليًا وكشف بُعدها الإفريقي وحشد الدعم الدولي لها، إلا أن المنية وافته قبل رؤية الجزائر مستقلة، فقد توفي في الـ6 من ديسمبر/كانون الأول 1961، عن عمر يناهز الـ36 ودفن في مقبرة مقاتلي الحرية الجزائريين.

نظرية الكفاح المسلح

كرس فانون الخمس سنوات الأخيرة من عمره لدعم قضية استقلال الجزائر، فقد شارك في الكفاح لتحرير البلاد تحريرًا شاملًا كي يسترجع الجزائريون حياتهم المناسبة في نطاق الشخصية القومية الجزائرية وباعتبار التطور التاريخي في العالم.

تخصص فانون في كتابة المقالات الداعمة للثورة الجزائرية، لذلك فإنه يعد أحد أبرز من كتب عن مناهضة الاستعمار في القرن العشرين، فقد ألهمت كتاباته ومواقفه الكثير من حركات التحرر في أرجاء العالم، خاصة في الدول المحتلة.

انتقل فانون الذي ترعرع في بيئة فرنسية من خدمة المستعمر الفرنسي إلى النضال في صفوف جبهة التحرير الجزائري

آمن الشاب المناضل بأن مقاومة الاستعمار والتخلص النهائي من وجوده تتم حصرًا باستعمال الكفاح الثوري المسلح، فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، فمرضاه لن يُشفوا من أمراضهم النفسية المتمركزة حول تشوه الهوية والإرادة، إلا إذا خرج الاحتلال من بلادهم إلى غير رجعة. 

رأى فانون أن وجود المحتل والمواطن الأصلي في البلد نفسه إنما هو وجود ضدين لا يصح وجودهما بشكل متزامن، وأن حلول الاستعمار يُنشئ بالتبعية عالمًا ثنائيًا لوجودين، فـ"المنطقة التي يسكنها المستعمَرون لا تكمل المنطقة التي يسكنها المستعمِرون. إن هاتين المنطقتين تتعارضان.. إنهما تخضعان لمبدأ التنافي المتبادل، فلا سبيل للمصالحة: إن أحد الطرفين زائد يجب أن يزول".

خلف الطبيب النفساني والمثقف الجذري فرانز فانون أعمالًا فكرية مهمة وقد استهلها بكتابه "بشرة سوداء أقنعة بيضاء"، الذي نشره وهو في السابعة والعشرين من عمره (1952) كـ"رد كتابي" على تلك المرأة الفرنسية البيضاء التي نعتته وبعد أن اصطدم بها سهوًا في زحام أحد شوارع ليوبولد فيل بـ"الأسود والوسخ"، وبعد ذلك كتابه الموسوم بـ"العام الخامس للثورة الجزائرية" (1959)، ثم "المعذبون في الأرض" (1961).

توضح كتابات فانون الفكرة التي كان يتبناها ويدافع عنها، فقد كان يرى أن تلاقي الساسة المنشقين عن الأحزاب الخاضعة التي نصبت أهدافها للحفاظ على النظام القائم، والفلاحين الذين فشل القمع الاستعماري في اجتثاث حب البلاد من قلوبهم سيكون الأمة الثورية، ويتوالى التثقيف الثوري لها، المتزامن مع حرب العصابات ضد المستعمر لإضعافه، فتتكامل الوظائف بين ثائر ومثقف في وجه محتل يجب أن يرحل أو أن يفنى إلى غير رجعة، وفق نظرية "فانون".

رأى فانون أن الفلاحين لهم أن يوقدوا المعركة مع المستعمر، ومن ثم يأتي بعد ذلك دور النقابات العمالية والمنشقين عن الأحزاب السياسية الذين يثقفون الفلاحين ويكونون رأس الحربة منهم ومن المهمشين البسطاء على أطراف المدن، إلا أنت التحدي الاقتصادي للعنف الثوري يحتم على الثوار أن ينتجوا أسلحتهم، مما يعني أنهم بحاجة إلى قوة اقتصادية محلية تخضع لتصرف الثوار.

انتقل فانون الذي ترعرع في بيئة فرنسية من خدمة المستعمر الفرنسي إلى النضال في صفوف جبهة التحرير الجزائري، فرغم قصر حياته، عُرف عن هذا الفيلسوف المناضل مشاركته القوية والمخلصة إلى جانب الشعب الجزائري في كفاحه ضد المستعمر الفرنسي لنيل استقلال بلاده، ما جعل أثره يبقى في قلوب الجزائريين لا يفارقهم.