أمير قطر ورئيس الوزراء الباكستاني

وصل رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إلى العاصمة القطرية الدوحة، اليوم الخميس، في زيارة رسمية يبحث خلالها مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد العلاقات الثنائية بين البلدين وأوجه تعزيزها بجانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء القطرية "قنا".

وتعد تلك الزيارة الثانية لرئيس الوزراء الباكستاني للدوحة، وذلك بعد زيارته الأولى التي أجراها أوائل العام الماضي، أعقبها زيارة أخرى قام بها أمير قطر في يونيو/حزيران 2019، أسفرت عن تعهد قطري باستثمارات قيمتها 3 مليارات دولار في إطار تعزيز التعاون بين البلدين.

تشهد العلاقات بين الدوحة وإسلام أباد تطورًا على الأصعدة كافة، حيث ينظر القطريون لباكستان على أنها دولة محورية مهمة في منطقة آسيا، تتمتع بقدرات عسكرية وموقع جيوسياسي قوي، فيما يعتبر الباكستانيون قطر شريانًا مهمًا لتعزيز التعاون الاقتصادي والإستراتيجي في ظل ما تملكه الأخيرة من موارد وإمكانات ذات تأثير إقليمي ودولي قوي.

يرى الجانبان أن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها في وقت سابق كان لها أبلغ الأثر في الدفع بالعلاقات إلى أرفع المستويات بما يخدم المصالح المشتركة، وينفع الشعبين في عدد من المجالات على رأسها التعليم والبحث العلمي والشباب والرياضة والثقافة، هذا بجانب الاقتصاد، وهو ما يبشر بزيادة منسوب التفاؤل بشأن مستقبل أكثر تعاونًا وتناسقًا بين الجانبين في مختلف القضايا.

توقيت الزيارة

تأتي زيارة خان بعد زيارة قام بها لماليزيا مطلع الشهر الحاليّ، التقى خلالها رئيس الوزراء الماليزي، وناقش أوجه التعاون المشترك، حيث قدم اعتذاره عن عدم حضور قمة كوالالمبور الخماسية الأخيرة لأسباب أرجعتها صحف باكستانية إلى ضغوط سعودية إماراتية، مبديًا عزمه حضور قمة العام المقبل.

وفي منتصف الشهر الحاليّ استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي زار إسلام أباد، حيث ترأس الجانبان (أردوغان وخان) اجتماع مجلس التعاون الإستراتيجي المشترك، وتباحثا رؤيتهما حيال بعض الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك، إقليميًا ودوليًا.

وتخيم على الزيارة أجواء من توتر العلاقات - نسبيًا - بين إسلام آباد والرياض، وذلك على ضوء رفض الجانب السعودي طلبًا باكستانيًا بعقد اجتماع وزاري طارئ لمنظمة التعاون الإسلامي لمناقشة قضية كشمير، على خلفية قرار الهند بإلغاء الوضع الخاص بمنطقة جامو وكشمير.

وقد أفادت وسائل إعلام باكستانية في الـ8 من فبراير/شباط الحاليّ أن الرياض أبدت مرونة لعقد هذا الاجتماع عقب رفض إسلام آباد المشاركة في قمة كوالالمبور الإسلامية الأخيرة، وأوفدت وزير خارجية المملكة لشكر باكستان على موقفها، حيث تحفظت السعودية على القمة، وشنت وسائل إعلام موالية لها حملة إعلامية استهدفتها، وأشادت بالموقف الباكستاني الرافض للمشاركة فيها.

لكن الأمر لم يدم طويلًا، حيث تحولت تلك المرونة الظرفية إلى معارضة قوية لعقد القمة رغم الطلب الباكستاني المتكرر، فيما اقترحت المملكة - أمام رغبة الباكستانيين - اللجوء إلى بدائل أخرى، على غرار عقد منتدى برلماني أو اجتماع لممثلين يبحثون قضيتي فلسطين وكشمير معًا، غير أن باكستان تمسكت بمطلبها.

سياسة بعيدة عن التجاذبات

التغيير الذي منيت به خريطة باكستان السياسية بعد تولي خان، دفع البلاد لأن تكون أكثر براجماتية بعيدًا عن تجاذبات الساسة والعسكر المعتادة في البلاد التي كانت السمة الأبرز خلال الحكومات السابقة، حيث يسعى رئيس الوزراء الحاليّ إلى إعادة تشكيل تحالفاته الإقليمية والدولية بما يضمن لباكستان مزيدًا من الازدهار ولتحييد الملفات الأمنية التي كلفت باكستان كثيرًا.

ورغم الاستثمار السعودي الإماراتي في المشهد السياسي الباكستاني، فإن إسلام آباد لا تبدو متحمسة لمشاريع هذا المحور الإقليمي، ولعل التجاذبات والشواهد الأخيرة التي شهدتها العلاقات بين الطرفين أكبر دليل على مساعي خان وحكومته التزحزح بعيدًا عن الانخراط في تحالفات من شأنها أن تحسبه على طرف دون آخر.

ولعل المشاهد التي رصدتها عدسات الكاميرات خلال مشاركة خان في القمة الإسلامة التي عقدت في مكة رمضان الماضي، جسدت حجم التوتر الذي يشوب العلاقات مع المملكة، هذا الخلاف الذي عززه رفض باكستان المشاركة في حرب اليمن، وعدم اتخاذ موقف واضح وحازم حيال الأزمة الخليجية على غرار بعض الدول الأخرى.

تعزز باكستان خلال الآونة الأخيرة علاقاتها مع محور ماليزيا وإندونيسيا وقطر وتركيا، فمن ناحية لما تمتلكه تلك الدول من تأثير جيوساسي قوي وحضور فعال في مختلف القضايا الإسلامية، ومن جانب آخر لتطابق الرؤى أو على الأقل عدم تعارضها مع السياسات الخارجية لهذا المحور.

وعليه فإن مبدأ المصلحة المتبادلة والشراكات التي لا تقوم على الابتزاز أو الاصطفاف، بات التوجه العام الذي يحكم العلاقة بين إسلام آباد وحلفائها، وهي ذات السياسة التي تتبناها الدوحة، وبالتالي يمكن فهم ذلك الاهتمام الباكستاني القطري المشترك في هذا الإطار.

علاقات اقتصادية متطورة

تسير العلاقات الاقتصادية بين البلدين في خط متواز مع التفاهمات السياسية، إذ حقق التبادل التجاري بينما نموًا بنحو 63% ليصل إلى نحو 9.5 مليار ريال في العام 2018، مقارنة بـ5.8 مليار ريال عام 2017، بحسب النائب الثاني لرئيس غرفة قطر راشد بن حمد العذبة، لافتًا إلى أن تلك الأرقام جعلت باكستان أحد أهم الشركاء التجاريين لبلاده.

وتتنوع أوجه التعاون الاقتصادي، إذ لم تقتصر على الاتفاقيات التي تبرمها الحكومات وفقط، بل تجاوزت ذلك للقطاع الخاص، الذي وجد أرضًا خصبة للنمو والازدهار، حيث تجاوز عدد الشركات الباكستانية القطرية المشتركة العاملة في قطر 1500 شركة تعمل في مجالات متنوعة.

هذا بخلاف أن باكستان تعتبر وجهة استثمارية جاذبة للاستثمارات القطرية حيث توجد العديد منها في قطاعات مهمة مثل الزراعة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والقطاع المالي والتأمين والعقارات وغيرها من القطاعات الأخرى، وفق النائب الثاني لرئيس غرفة قطر.

يذكر أنه في 2015 أصدر أمير قطر قرارًا بتوظيف 100 ألف باكستاني في بلاده، كما ذكر مساعد رئيس الوزراء الخاص بشؤون المغتربين وتنمية الموارد البشرية، ذو الفقار عباس بخاري، مشيرًا إلى توظيف أكثر من 80 ألفًا في كثير من القطاعات، بخلاف احتمالية توظيف آخرين خلال الفترة المقبلة للمشاركة في المشاريع الكبرى التي تقيمها قطر تحضيرًا للمونديال ولتطوير البنية التحتية.

الإعلام الباكستاني كان هو الآخر حاضرًا بقوة كشاهد على حجم التعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث أشادت الصحف الباكستانية بالاستثمارات القطرية التي تم إقرارها للضخ في السوق الباكستانية التي تبلغ ثلاثة مليارات دولار، فيما أشار مستشار رئيس الوزراء للتجارة والصناعة والاستثمار، عبد الرازق داوود، إلى أنه تم اقتراح نحو 30 مشروعًا للحكومة والمستثمرين القطريين، إلى جانب مناقشات لاستكشاف إمكانات التجارة والاستثمار بين القطاع الخاص في كلا البلدين.

المنتدى المشترك بين باكستان وقطر للتجارة والاستثمار الذي نُظم في الدوحة، يونيو/حزيران الماضي، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية واستعراض الفرص الاستثمارية المتاحة بين البلدين، توقع أن يشهد التعاون آفاقًا جديدة خلال السنوات القادمة، لافتًا إلى أن ملاءمة الوقت الراهن لتدشين أرضية مشتركة طويلة الأمد تعود بالنفع على الاقتصاد القطري والباكستاني على حد سواء.

تعاون اقتصادي بين قطر وباكستان

تفاهمات عسكرية

كان للتفاهمات العسكرية هي الأخرى نصيب في خريطة تعزيز التعاون بين البلدين، ففي أغسطس/آب الماضي بحث رئيس أركان القوات المسلحة القطري غانم بن شاهين الغانم، خلال اجتماعه برئيس لجنة الأركان المشتركة الباكستانية زبير محمود حياة، سبل تعزيز العلاقات العسكرية بين الجانبين وكيفية تطويرها.

وخلال السنوات الأخيرة وقع البلدان عددًا من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم لتعزيز هذا التعاون، تشمل "الاتفاق المتعلق بانتداب أفراد القوات المسلحة الباكستانية إلى قطر عام 1985" و"التعاون الدفاعي عام 2010" و"مذكرة تفاهم لأنشطة البحث والتعاون الأكاديمية عام 2016" والدفاع عن حقول النفط والغاز ومكافحة عمليات القرصنة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2016 صرح رئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف، بأن باكستان وقطر وتركيا لديهم القدرة على إنشاء مشروعات مشتركة، لتصنيع معدات عسكرية دفاعية، وفي العام ذاته تم توقيع اتفاقيات لشراء القوات المسلحة القطرية ثماني طائرات من طراز "سوبر موشاك" من شركة "باكستان إيروناتيكل كامبكليكس - كامرا".

وفي المجمل، فإن الأجواء المحيطة بزيارة خان الثانية للدوحة تحمل العديد من المؤشرات المتعلقة برغبة باكستانية ملحة في تعزيز أفق التعاون مع قطر، استنادًا إلى مبدأ المصلحة المتبادلة التي يتبناها رئيس الوزراء الباكستاني، في الوقت الذي تسعى فيه قطر لتوسعة دائرة علاقاتها وتحالفاتها، وهي الإستراتيجية التي اعتمدتها بصورة ممنهجة منذ الحصار الخليجي المفروض عليها في يونيو 2017.