ترجمة وتحرير فريق نون بوست 

 

من المؤكد أن المشاهد والقصص من محافظة إدلب في سوريا مروعة. في المقابل، يبدو أن غياب ردود الفعل من جانب الحكومات الغربية، أصابنا بالشلل، ولا يجب أن نتقبل أبدًا تجمد الأطفال حتى الموت في درجة حرارة 11 تحت الصفر بعد تعرضهم للقصف من قِبل حكومتهم.

وفي الواقع، يمثل نوع الصراع الذي نشهده في إدلب الوجه الجديد للصراع، حيث يحتاج الدبلوماسيون والعاملون في المجال الإنساني أن يفعلوا شيئا إزاء ذلك.في المقابل، لا يمثل الهجوم على إدلب مجرد تحول آخر للصراع السوري، وإنما مجرد هجوم يُضاف لسلسلة الهجمات.

إذ تشير الإحصاءات إلى أن هذا الهجوم يُعد الأكثر وحشية على الأقل، وذلك بحسب ما يكشفه عدد الضحايا الهاربين، حيث فر 900 ألف شخص منذ كانون الأول/ ديسمبر، في حين هرب أكثر من 100 ألف شخص في الأيام السبعة الماضية وحدها. علاوة على ذلك، يخاطر أكثر من 300 ألف شخص آخرون بالانضمام إليهم.

يمثل هذا النزوح أكبر نزوح مدني منذ بداية النزاع قبل تسع سنوات، ومن بين الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار، يوجد 30 موظفًا لدى لجنة الإنقاذ الدولي في المنطقة، وعلى الرغم من أنهم نازحون بالفعل، إلا أنهم واصلوا عملهم لمساعدة الآخرين في المناطق التي انتقلوا إليها.

لا توفر هذه الخطوة رادعا موثوقا للتصعيد الحالي للعنف، أو الهجمات المستمرة على المدنيين.

في الوقت الراهن، تُجري الأمم المتحدة تحقيقًا حول الهجمات التي استهدفت المنشآت الصحية وغيرها من البنى التحتية المدنية. في المقابل، يقتصر هذا التحقيق على سبع حوادث فقط، كما أنه من غير الواضح ما إذا كانت النتائج ستنشر علنًا وما إذا كان التقرير سيعلن عن أسماء الجناة. لذلك، لا توفر هذه الخطوة رادعًا موثوقًا للتصعيد الحالي للعنف، أو الهجمات المستمرة على المدنيين والمرافق التي يعتمدون عليها من أجل الصمود.

في الأسابيع القليلة الماضية، اضطرت لجنة الإنقاذ الدولي والمنظمات التي تعمل معها إلى تعليق عملياتها في عدد من المرافق الصحية، فضلا عن نقل أسطول كامل من سيارات الإسعاف، ونظرًا إلى الاستهداف المستمر والمتعمد للعاملين في مجال الإغاثة والموظفين الطبيين ومنشآتهم، يعدّ من المشروع أن نخشى عدم تواجد أطباء وممرضات في المستقبل للمساعدة في إنقاذ حياة الناس وأخذ المخاطرة.

تمثل الكارثة في إدلب أحد الدلائل على الفشل التام للدبلوماسية، وتخلي المجتمع الدولي عن المدنيين السوريين، بالإضافة إلى اتخاذ منحى أكثر قتامة نحو عصر الإفلات من العقاب، وهو عصر يتسم بالتجاهل التام لحكم القانون والعجز الشديد بالقدر نفسه في الدبلوماسية الدولية، الذي من شأنه أن يسمح باستمرار معاناة المدنيين بلا هوادة.

يكمن الخطر في أن سوريا لن تصبح مجرد كارثة، بل في أنها ستشكل سابقة لظهور صراع جديد وحشيّ مثير للخلاف ومعدٍ.

تخلق هذه التغييرات مخاطر أكبر للمدنيين وعمال الإغاثة وتزيد من احتمال أن نتعامل مع تداعياتها لمدة جيل كامل، كما يكمن الخطر في أن سوريا لن تصبح مجرد كارثة، بل في أنها ستشكل سابقة لظهور صراع جديد وحشيّ مثير للخلاف ومعدٍ، وهو ما يُعتبر دليلا على التحول العالمي الذي طرأ على طريقة خوض الحرب وفقا لأربعة طرق أساسية.

يظهر ذلك أولا وقبل كل شيء في المكان الذي يدور فيه النزاع، أي في المناطق الحضرية المزدحمة، عوضًا عن تلال فردان، أو حقول غيتيسبيرغ أو صحاري الكويت. في الواقع، عرّض استهداف الحرب للمناطق الحضرية المزيد من المدنيين للخطر، بسبب الرصاص والشظايا، فضلا عن الغارات الجوية والهجمات المدفعية التي استهدفت المرافق الصحية وشبكات المياه والصرف الصحي والمخابز والمنازل.

في سياق متصل، يعد ذلك السبب الرئيسي وراء تسبب الصراع في سوريا في نزوح أكثر من 11 مليون شخص، وهو ما يمثل تحولا كبيرًا مقارنة بحروب الأجيال السابقة. ومنذ سنة 1945، نزح خمسة أشخاص في المتوسط مقابل كل شخص قُتل. أما في سوريا، يُشرد 25 شخصا مقابل مقتل شخص واحد.

بالنسبة للمدنيين الذين يعيشون في سوريا، يعني ذلك تقلّص عدد المناطق المستقرة في الوقت الذي تتنافس فيه الجماعات وتتنازع على سيطرة الأراضي.

ثانيا، أصبحت ساحة المعركة في سوريا حامية الوطيس على نحو متزايد، حيث تتنافس الجهات الفاعلة غير الحكومية، على غرار مجموعة من جماعات المعارضة المسلحة، والمنظمات المسلحة الخاضعة للعقوبات، وغيرها من القوات المدعومة من القوى الأجنبية، التي يعد بعضها موجودًا حاليا في سوريا. بالإضافة إلى ذلك، ساهم تورّط العديد من المجموعات، أكثر من 100 مجموعة في سوريا وفقًا لمشروع بيانات الأحداث والنزاع المسلّح، في تقسيم أرض المعركة، وذلك بسبب سيطرة العديد من المجموعات المختلفة على مناطق مختلفة فضلا عن عدم وضوح تسلسل الهيكل القيادي داخل كل مجموعة.

بالنسبة للمدنيين الذين يعيشون في سوريا، يعني ذلك تقلّص عدد المناطق المستقرة في الوقت الذي تتنافس فيه الجماعات وتتنازع على سيطرة الأراضي، مما يجعل البيئة أكثر تعقيدًا للتنقّل، فضلا عن التحالفات المتنافسة والمتغيرة باستمرار.

ثالثًا، استمرت الصراعات لفترة طويلة. بعبارة أخرى، أدى التواجد الكبير للجيوش الأجنبية إلى جعل الصراع أكثر فتكا بالمدنيين بسبب الأسلحة النارية التي يستخدمونها بشكل متزايد، ويظهر ذلك من خلال الغارات الجوية الروسية واسعة النطاق على مدن مثل إدلب. في المقابل، جعل تدويل هذه الحرب الصراع يدوم لفترة أطول. 

في الحقيقة، لم يكن هذا الصراع ليستمر لهذه المدة الطويلة لولا الدعم المتنامي الذي يأتي في شكل أسلحة وأموال، وفي بعض الأحيان يكون مباشرًا، من القوى الإقليمية والدولية. ونحن نقترب من السنة العاشرة لهذا الصراع، ما يعني أن العديد من هؤلاء النازحين السوريين البالغ عددهم 11 مليون نسمة كانوا بلا مأوى منذ حوالي عقد من الزمان. ووفقًا لديفيد أرميتاغ في كتابه "الحروب الأهلية"، يشكّل هذا الأمر المعيار الجديد.

 في حال ظل مجلس الأمن عاجزًا، أو وقع إقصاء الأمم المتحدة من عملية صنع السلام، فيتعيّن على الأمين العام للأمم المتحدة أن يذهب بنفسه للقاء شعب إدلب.

رابعًا، جعل الطابع الممتدّ للنزاع في سوريا، إلى جانب انتشار الجماعات المسلحة التي لا تتقيّد بقوانين الحرب وتورّط العديد من الجيوش الأجنبية الذين لم يُعيروا أية اهتمام لجرائم الحرب أو الخسائر في صفوف المدنيين، من النزاع صورة رمزية لعصر الإفلات من العقاب. وعمومًا، أصبح يُنظر إلى المدنيين في هذه الحقبة على أنهم هدف للمقاتلين المسلحين، ويُنظر إلى العاملين في المجال الإنساني على أنهم بمثابة عائق أمام التكتيكات العسكرية. كما تعتبر التحقيقات في جرائم الحرب والمساءلة عنها خيارًا إضافيًا بالنسبة للدولة والجهات الفاعلة غير الحكومية. 

في هذا الصدد، استوعبت العديد من الجيوش والميليشيات والمرتزقة المشاركين في الصراع القائم في سوريا درسًا خطيرًا مفاده أن "القواعد وُضعت للأغبياء". في هذا الصدد، يكمن الخطر في حقيقة عدم سوريا لن تتحوّل إلى كارثة إنسانية فحسب، وإنما ستشكل سابقة لا مثيل لها من خلال إضفاء طابع جديد من الصراع الوحشي.

في حال ظل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عاجزًا، أو وقع إقصاء الأمم المتحدة من عملية صنع السلام الجارية من قبل مجموعة أستانا في روسيا وتركيا وإيران، فيتعيّن على الأمين العام للأمم المتحدة أن يذهب بنفسه للقاء شعب إدلب، والانطلاق من أنقرة إلى موسكو والعودة إلى نيويورك، وحث رئاسة مجلس الأمن (الذي تترأسه بلجيكا حاليًا) على استدعاء وزراء الخارجية إلى نيويورك لإجراء محادثات جادة. ولا يعدّ الوضع طبيعيًا، حتى على أرض الميدان.

لابد أن تشمل الأولويات الملحة وقف إطلاق النار، وتعزيز وصول المساعدات الإنسانية، وتحقيق المساءلة في الجرائم المرتكبة

خلال هذا الأسبوع، يجتمع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لأول مرة في سنة 2020، ويعتبر حضور وزراء الخارجية رفيعي المستوى فرصة بالغة الأهمية لعقد اجتماع طارئ حول الوضع في إدلب. مع ذلك، من غير الواضح ما إذا كان سيتم مناقشة هذا الوضع المأساوي، ناهيك عن القرار الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار الذي تبنّته عديد الجهات.

وفي الواقع، لابد أن تشمل الأولويات الملحة وقف إطلاق النار، وتعزيز وصول المساعدات الإنسانية، وتحقيق المساءلة في الجرائم المرتكبة والمعاناة التي لا داعي لها للمدنيين. 

بالإضافة إلى حالة الطوارئ العاجلة، ينبغي التأكيد على المساءلة عوض الإفلات من العقاب، باعتباره شعار هذا العصر، ويمكن للمنظمات غير الحكومية والمؤسسات التجارية أن تساعد في ذلك، مثلما أصدرت المنظمة غير الحكومية الألمانية، المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان لوائح اتهام بموجب مبدأ الاختصاص العالمي لجرائم حقوق الإنسان في سوريا. أما بالنسبة للكثيرين، فقد فات الأوان على تحسّن الأوضاع في سوريا. ويتلخّص أقل ما يمكننا فعله لتكريم ذكراهم في إنشاء نظام جديد للتدارك والمساءلة الذي من شأنه أن يجعل عبارة "لن يتكرر هذا الأمر أبدا" أكثر من مجرّد شعار أجوف.

المصدر: نيوز ويك