أطفال سوريون نازحون يقفون إلى جانب الجدار الحدودي التركي في مخيم غير رسمي في قرية كفرلاتة في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا، يوم 21 شباط/ فبراير.

ترجمة وتحرير موقع نون بوست

 

في أحدث معاركها، أسفرت الحرب في سوريا عن أكبر كارثة إنسانية لها حتى الوقت الحالي، ومع ذلك، لا يزال العالم يتغاضى عن هذا الأمر، فقد تسببت العملية العسكرية التي يقودها الرئيس السوري بشار الأسد في إدلب، في شمال غرب البلاد، في كارثة إنسانية دفعت أكثر من 900 ألف مدني إلى النزوح أغلبهم من النساء والأطفال، وذلك وفقًا لأرقام الأمم المتحدة.

لقد عثر هؤلاء النازحون على ملجأ مؤقت بالقرب من الحدود التركية في مخيمات مؤقتة في ظل ظروف شتوية قاسية. يعرض تقرير الأمم المتحدة عدة أمثلة للمدنيين النازحين الذين حرقوا ممتلكاتهم القليلة لمكافحة البرد القارص، وبالفعل، لقي العديد من الأطفال حتفهم. 

إن أزمة إنسانية بهذا المستوى ينبغي أن تكون قد حفزت المجتمع الدولي لشنّ حملة منسقة لوضع حد لهذه المعاناة، ولكن حتى الآن، عرقلت السياسة الإقليمية والعالمية هذه الجهود، وفي غياب أي تدخلات خارجية، من المرجح أن يؤدي النزاع إلى زيادة تفاقم العواقب الإنسانية.

ينظر المجتمع الدولي حتى الآن في الاتجاه الآخر، ما يسمح لنظام الأسد بإحراز تقدم.

من بين هذه الأسباب، الضغط الذي يمارسه النظام السوري بدعم من روسيا لإعادة فرض سيطرته على الأراضي التي تمثل معاقل لقوات المعارضة. وفي هذا الصدد، استخدم نظام الأسد والميليشيات الشيعية المدعومة من قبل إيران أساليب وحشية بهدف تهجير سكان إدلب حتى تتمكن قوات النظام من السيطرة بشكل أكثر فعالية على هذه الأراضي ذات الأغلبية السنية. 

في المقابل، ينظر المجتمع الدولي حتى الآن في الاتجاه الآخر، ما يسمح لنظام الأسد بإحراز تقدم في ظل وجود عدد كبير من الجهاديين في إدلب، بما في ذلك هيئة  تحرير الشام ولواء صقور الشام، حيث أصبحت إدلب، بصورة عرضية، ملاذًا آمنًا للعديد من هذه الجماعات، التي أُجبرت على الانتقال لأنها فقدت أراضيها تدريجيًا في أنحاء أخرى من سوريا على أيدي القوات التابعة للحكومة.

في غياب سياسة واضحة لإعادة هؤلاء المقاتلين الأجانب، تؤيد معظم الدول الغربية التوصل إلى نتيجة تتمثل أساسًا في أن ينتهي المطاف بهؤلاء الجهاديين إلى الموت في سوريا وعدم عودتهم إلى بلدانهم الأصلية أبدًا. في الواقع، هذه هي الحجّة التي تبنتها دمشق وموسكو لتبرير عملية إدلب. 

حسب هذه المعادلة، لا تزال تركيا الدولة الوحيدة التي تتعرض مباشرة للعواقب السلبية لعملية إدلب، فهي تستضيف في الوقت الراهن أكثر من 3.6 مليون لاجئ سوري، وتخشى من ناحية أخرى من موجة أخرى من اللاجئين التي يُمكن أن تجبر صناعة السياسة الأتراك على فتح حدود البلاد أمام مليون لاجئ آخر تحت الضغط.

من المحتمل أن تصل كل من أنقرة ودمشق، بوساطة روسية، إلى هدنة مؤقتة. وهذا ما سيعزز بدوره من نفوذ موسكو على الأرض.

تبعًا لذلك، يعد هذا من أحد الأسباب التي تقف وراء قيام أنقرة بتجميع القوات على الحدود، وتنفيذها العديد من الضربات الانتقامية ضد القوات السورية، ناهيك عن تهديد النظام السوري باتخاذ المزيد من الإجراءات العسكرية في حال استمر في التقدم. كما وجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنذارا لدمشق بموعد أقصاه 29 شباط/ فبراير، سعيًا لإجبار القوات السورية على التخلي عن جزء من الأراضي التي تسيطر عليها في إدلب. لقد طلب أردوغان من قوات النظام العودة إلى شرق الطريق السريع أم 5 الاستراتيجي المهم الذي يربط دمشق بحلب، ومن شأن هذه الخطوة أن تقلل من حجم الضغط المسلط على اللاجئين.

حسب العديد من المراقبين، من المحتمل أن تصل كل من أنقرة ودمشق، بوساطة روسية، إلى هدنة مؤقتة، وهذا ما سيعزز بدوره من نفوذ موسكو على أرض الواقع. في المقابل، لم تُسفر المحادثات عن اتفاق بعد، بينما لا يزال الوضع غير مستقر في ظل غياب نتيجة مضمونة لهذه المفاوضات. بالإضافة إلى ذلك، حتى إذا خضع النظام السوري للضغوط التركية ووافق على تعليق حملته العسكرية الحالية، فيمكن أن يستأنفها بسهولة في الأسابيع والأشهر المقبلة.

بعد الاعتراف بحجم المأساة الإنسانية، حاولت الأمم المتحدة خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر 2019 زيادة بعثات المعونات الإنسانية إلى إدلب، لكن عرقلت روسيا والصين في مجلس الأمن فتح طرق جديدة لإيصال المساعدات، إذ تشعر هذه الدول بالقلق من أن زيادة المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة ستخدم مصالح المعارضة المسلحة والجهادية، وبالتالي، ليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد أن الأمم المتحدة يمكنها، في المستقبل القريب، التغلب على هذه العقبة السياسية وأن تكون لاعبًا فاعلاً على أرض الواقع لمواجهة الكارثة الإنسانية التي تتكشف قريبًا. 

تعتبر إدلب حالة نموذجية لنوع الموقف الذي يكون فيه التدخل الإنساني الدولي مبرراً.

في الأيام الأولى للأزمة السورية، ألغي الحديث عن التدخل الدولي بسبب معارضة روسيا، وكانت نتيجة التقاعس الغربي حربًا دامت عقدًا من الزمن ومعاناة إنسانية لا حصر لها في سوريا، هذا بالإضافة إلى أزمة اللاجئين التي أدت إلى ظهور توتر في تركيا وتسببت في اضطرابات سياسية في جميع أنحاء أوروبا.

في الوقت الراهن، إن باب الفرصة لتغيير النظام في سوريا مغلق. في المقابل، كان بإمكان الغرب أن يتحرك ولا يزال مطالبًا باتخاذ جملة من التدابير لأسباب إنسانية في إدلب رغم المعارضة الروسية.

من جانب آخر، تعتبر إدلب حالة نموذجية لنوع الموقف الذي يكون فيه التدخل الإنساني الدولي مبررا. ويُبين النظام الدولي الذي يعاني من الانقسامات، وهو الأمر الذي يفسر تقاعس الأمم المتحدة، أن الخيار الوحيد المتبقي هو أن تسعى الدول الغربية إلى تأسيس "تحالف من البلدان التي ترغب في التدخل" خارج مظلة الأمم المتحدة.

يتمثل الهدف من ذلك في تقديم مساعدات إنسانية واسعة النطاق لسكان إدلب المشردين. من شأن مهمة إنسانية مشتركة بين الاتحاد الأوروبي والناتو أن تسمح للبعثة المدنية للاتحاد الأوروبي بالاعتماد على حماية الناتو، نتيجة لذلك، يعد الوجود العسكري المدعوم من قبل الناتو ضروريا لحماية المنطقة من العدوان السوري. 

بعد إخفاقه الاستراتيجي في سوريا، على الغرب أن يسعى على الأقل لحماية المدنيين المحاصرين في إدلب، من خلال التخلي عن مصلحتهم السطحية المتعلقة بمصيرهم والاعتماد على تركيا لفتح حدودها. ستتطلب الصيغة المقترحة للعمل الغربي من الحكومة الأمريكية قبول خدمة الناتو لمهمة مدنية في المقام الأول يقودها الاتحاد الأوروبي في شمال غرب سوريا.

الأهم من ذلك، ستختبر هذه الصيغة المقترحة ما إذا كانت أوروبا مستعدة بالفعل لاستخدام خطاب سلطوي كما ادعت قيادتها الجديدة. إن ظهور أزمة إنسانية بالقرب من حدود أوروبا، التي لم يسبق لها مثيل في شدتها منذ الحروب اليوغوسلافية، يجب أن يقنع الدول الغربية بإعادة تقييم مخاطر عدم التدخل في إدلب.

 

المصدر: فورين بوليسي