جاك فيرجيس

تخلى العديد من الفرنسيين، في أثناء الحقبة الاستعمارية لدولتهم، عن فرنسيتهم، مرتدين عباءة الإنسانية بعد أن عاينوا بأنفسهم بشاعة الجرائم الممارسة بحق الشعوب الأصلية للدول المستعمرة، وتنكر باريس للقيم التي ناضل من أجلها فلاسفة التنوير.

جاك فيرجيس واحد من هؤلاء، كرس لسانه وقلمه للدفاع عن الجزائريين وجبهة التحرير الوطني التي حاربت المحتل الفرنسي الغاصب طيلة سنوات عدة انتهت بانتصارها عليه وإجباره على الخروج من التراب الجزائري.

في هذا التقرير الجديد لنون بوست ضمن ملف "فرنسيون ضد الاستعمار"، سنتطرق معًا لهذا المثقف والمحامي الذي دافع عن ثوار الجزائر وتزوج إحدى أيقونات البلاد جميلة بوحيرد ودافع عنها أمام القضاء الفرنسي.

نشأة في بيئة شيوعية

في الـ15 من شهر أغسطس/آب 2013، توفي المحامي الفرنسي اللامع جاك فيرجيس الذي عرف بتأييده لقضايا عربية ودفاعه عن ثوار جبهة التحرير الجزائرية في نقابة محاميي باريس، عن عمر ناهز 88 سنة، تاركًا وراءه أثرًا كبيرًا عند الجزائريين الأحرار.

يعود ميلاد هذا المحامي الشهير والمثقف الكبير إلى يوم 5 من مارس/آذار 1925، في محافظة وبون راتشاثاني (تايلند) لأب فرنسي (طبيب وقنصل) وأم فيتنامية (معلمة). وفاة ولادته وهو في سن الثالثة، حتمت عليه الذهاب صحبة أخيه التوأم بول للعيش مع أقارب للعائلة في جزيرة "الريونيون" الخاضعة لفرنسا بالمحيط الهندي.

ساهم فيرجيس في تأجيج شعوب العالم ضد فرنسا الاستعمارية خاصة بعد كشفه وتدوينه لشهادات الآلاف من مناضلي ثورة التحرير في السجون والمعتقلات

نشأ في تلك الجزيرة ودرس فيها، قبل أن ينتقل مع عائلته إلى فرنسا تحديدًا إلى العاصمة باريس، حصل على درجة البكالوريا في سن السادسة عشر ثم انضم إلى المقاومة عام 1942، ليذهب بعد ذلك إلى إنجلترا، حيث انضم إلى القوات الفرنسية الحرة، في 22 من يناير 1943، للقتال ضد قوات المحور رغم استسلام فرنسا واحتلالها من ألمانيا النازية وتعاون حكومة فيشي مع الألمان.

سنة 1945، انضم جاك فيرجيس إلى الحزب الشيوعي الفرنسي الذي تأسس في ديسمبر/كانون الأول 1920 من فصيل كبير من القسم الفرنسي الاشتراكي الدولي للعمال، وشارك في الحكومة المؤقتة للتحرير (1944-1947).

بعد ذلك بخمس سنوات تم انتخاب جاك فيرجيس في براغ كعضو في مكتب جمعية طلبة البلدان المستعمرة كممثل لرينيون، وفي سنة 1952 أصبح رئيس الحركة، وبقي في هذا المنصب طيلة سنتين، قبل أن يخصص كامل وقته للمحاماة.

الدفاع عن بوحيرد

أبريل/نيسان 1957، مثل نقطة تحول للمحامي الشاب فيرجيس، فقد تمت دعوته إلى الجزائر ولم تتجاوز خبرته في مجال المحاماة 18 شهرًا فقط، للدفاع عن الناشط الشابة في جبهة التحرير الوطني الجزائرية، جميلة بوحيرد، بعد رفض عدد من المحامين الفرنسيين الدفاع عنها وعن ورفاقها الثلاث بسبب امتناع المحكمة عن إطلاعهم على ملف القضية وعدم السماح لهم بالتحدث مع جميلة.

دُعي جاك فيرجيس للدفاع عن بوحيرد بعد إدانتها بالمشاركة في تفجير أحياء أوروبية بمدينة الجزائر خلال الثورة الجزائرية التي انطلقت سنة 1954 بهدف الإطاحة بالنظام الاستعماري الجاثم على صدور الجزائريين منذ سنة 1830.

دفعته روحه المعادية للاستعمار إلى الانضمام لجبهة التحرير الوطني الجزائرية والدفاع عن المناضلة والمقاومة جميلة بوحيرد التي وقفت في وجه الاستعمار في أواخر القرن العشرين، وساهمت بشكل مباشر في الثورة الجزائرية خلال الاحتلال.

ساهم محامي جميلة بوحيرد، الفرنسي في تدويل قضيتها التي حركت الرأي العام الدولي، بعد إصداره كتاب "من أجل جميلة" الذي تضمن نص محاكمتها وتقارير طبية تشهد على وحشية تعذيبها من جنود الاستعمار الفرنسي، وشنه بحملة مناصرة واسعة غطت أرجاء عدة من المعمورة.

كانت جميلة قد انضمت إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية للنضال ضد الاحتلال الفرنسي وهي في العشرين من عمرها، ثم التحقت بصفوف الفدائيين، وكانت أولى المتطوعات لزرع القنابل في طريق الاستعمار الفرنسي، ونظرًا لبطولاتها أصبحت المطاردة رقم 1.

حُكم على موكلته خلال محاكمة صورية بالإعدام عام 1957، تم الاعتراض على الحكم ليعُدل إلى السجن مدى الحياة، وبعد تحرير الجزائر عام 1962، خرجت جميلة بوحيرد من السجن، بطلة قومية يحسب لها ألف حساب.

الزواج من بوحيرد

بعد الإفراج عن المناضلة جميلة بوحيرد، قال المحامي جاك فيرجيس للصحفيين: "لو أعدمت جميلة، كنت سأقتحم مكتب الجنرال ماسو أو بيجار وأقتلهما، لم أكن أتصور موتها، فحياتها هي التي جعلتني اليوم متصالحًا مع نفسي".

عقب خروجها من السجن بسنوات، تزوجت بوحيرد بمحاميها جاك فيرجيس، لينتقل الاثنان إلى الجزائر، وعملا معًا في مجلتي"العالم الثالث" و"الثورة الأفريقية" الصادرتين عن حزب جبهة التحرير الحاكم آنذاك، حتى عام 1970 حيث غادر الجزائر عائدًا إلى فرنسا.

في أثناء انتقاله إلى الجزائر اعتنق الإسلام واكتسب الجنسية الجزائرية وسمى نفسه "منصور"، تم تعيينه لفترة قصيرة مستشارًا للرئيس الجزائري الأول أحمد بن بلة بعد استقلال الجزائر، ليعود بعد ذلك إلى فرنسا ليدافع عن القضايا الدولية مثل الصين الماوية وأنشأ مجلة "ريفولوسيون" (الثورة) ومجلة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

مناهضة الاستعمار

لم يكتف جاك فيرجيس الذي كان يلقب بـ"سفاح المرافعات" و"محامي الشيطان" بالدفاع عن جميلة بوحيرد فقط، بل كان محامي لجبهة التحرير يدافع عن العديد من أعضائها ممن تم القبض عليهم على يد المستعمر الفرنسي.

عاين المحامي الشاب فيرجيس جرائم الاستعمار الفرنسي في حق الجزائريين، فقد كان شاهدًا على عمليات التعذيب والتنكيل وجرائم القتل التي طالت الجزائريين دون ذنب منهم، فذنبهم الوحيد أنهم طالبوا باستقلال أرضهم وخروج المستعمر منها.

في أثناء مرافعته وبعدها، عمل هذا المحامي المتخصص في القانون الجنائي على فضح جرائم فرنسا الاستعمارية بحق الجزائريين، فقد كان يسرد على الجميع وقائع التعذيب والتنكيل التي كانت تطال الجزائريين الأحرار بإشراف جيش الاحتلال خاصة فرقة المظليين.

فرض المحامي الفرنسي جاك فيرجيس، نفسه مدافعًا عن أعضاء في جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي كانت تحارب الفرنسيين لنيل استقلال البلاد

اشتهر هذا المحامي بطريقته الاستفزازية في أثناء المرافعات، فقد كان ينشد النشيد الوطني الجزائري أمام المحكمة، دون أن يخشى أحد، كما حول قاعة المحكمة لمسرح يحاكم فيه الاستعمار الفرنسي ويبين بشاعة جرائم فرنسا في الجزائر.

خلال دفاعه عن الجزائريين، ابتكر جاك فيرجيس طريقة جديدة، فعوض محاولة التقليل من الحقائق والحصول على تساهل القضاة، يأخذ المحامي رأي موكله ويتهم النظام بأنه المسؤول عن التعذيب الذي يتعرض له المقاتلون.

ساهم فيرجيس في تأجيج شعوب العالم ضد فرنسا الاستعمارية خاصة بعد كشفه وتدوينه لشهادات الآلاف من مناضلي ثورة التحرير في السجون والمعتقلات وأماكن التعذيب السرية في مجلة "الأزمنة المعاصرة" التي أسسها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر والأديبة سيمون دو بوفوار عام 1945.

كان معروفًا بمواقفه المناهضة للاستعمار، وكان أحد أبرز الفرنسيين المدافعين عن استقلال الجزائر وحق شعبها في العيش الكريم داخل أرضه وبعيدًا عن المستعمر الذي تفنن لعقود طويلة في إهانته وإذلاله وسرقة خيرات بلاده.

كان يحب الجزائر ويريد لها الحرية الكاملة، لهذا أيد كفاح جبهة التحرير الوطني، خاصة بعد أن قتل جنود الاحتلال تقاليد الحرية الفرنسية ولطخوا بدماء الجزائريين الأحرار شرف بلادهم وعرضوا مستقبلها للخطر.

فرض المحامي الفرنسي جاك فيرجيس، نفسه مدافعًا عن أعضاء في جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي كانت تحارب الفرنسيين لنيل استقلال البلاد، فقد كان يؤمن بضرورة استقلال الجزائر وحق شعبها في تقرير مصيره بعيدًا عن كل وصاية.