دخلت روسيا بشكل مباشر إلى سوريا في أواخر عام 2015 لإنقاذ نظام الأسد، وذلك بعد عامين على دخول إيران بشكل مباشر عبر قياداتها العسكرية من فيلق القدس والحرس الثوري، وعبر ميليشياتها متعددة الجنسيات، حيث تمكن الثوار رسميًا من هزيمة نظام الأسد عسكريًا في النصف الأول من عام 2013، بعد إخراجهم أكثر من ثلثي مساحة سوريا عن سيطرة النظام، ليأتي الدخول الإيراني إنقاذًا لنظام الأسد، إلا أن إيران لم تتمكن من حسم المعركة عسكريًا لصالح النظام، رغم شنها عددًا من الحملات العسكرية الشرسة التي سيطرت فيها على مساحات واسعة واستعانتها بمليشياتها النخبوية وبترسانة عسكرية ساهمت روسيا إلى حد بعيد في تأمينها.

بل إن الثوار تمكنوا تدريجيًا من استيعاب صدمة دخول الإيرانيين وتحولوا من الدفاع إلى الهجوم، متمكنين من تحرير محافظة إدلب في الشمال السوري وتشكيل غرف عمليات في حلب ودرعا تحضِر لعمليات شبيهة واسعة، ليأتي التدخل الروسي أخيرًا إنقاذًا للهزيمة الإيرانية.

بدأت روسيا عملياتها في سوريا بريف حلب الجنوبي أواخر عام 2015، متمكنة بفضل إستراتيجيتها الوحيدة التي تعرفها "الأرض المحروقة" من السيطرة على أكثره، ثم تتالت حملاتها العسكرية وتتزايد وحشيتها واعتمادها المباشر على تدمير البنى التحتية في المناطق المحررة والاستهداف المباشر للمدنيين، فتمكنت من احتلال المناطق المحررة جنوب ووسط سوريا مُنهِية الوجود الثوري فيهما، إضافة إلى تمكنها من السيطرة على شطر محافظة دير الزور في الشرق التي كان تنظيم داعش يحتلها، لتتمكن بذلك من حصر وجود الثوار في أقصى الشمال السوري بعد احتلالها مدينة حلب، وبات آخر معاقل الثورة السورية في الشمال (إدلب - ريف حلب) تحت المنظار الروسي.

عملت روسيا منذ دخولها إلى سوريا إضافة إلى تحركها العسكري على خط سياسي تلخص في تحييد أمريكا التي اقتصر دورها منذ أواخر عام 2015 على دعم قوات قسد في الشمال الشرقي حليفًا وحيدًا لها، مع بناء التحالف (الروسي التركي الإيراني) كمظلة "وحيدة" للحل في سوريا، وهو التحالف الذي يعرف ثوار سوريا جيدًا ما جره من ويلات عليهم، بسقوط مناطقهم تباعًا، وإجبارهم على المشاركة في مؤتمرات (أستانة - سوتشي) التي تؤسس لإعادة إنتاج شرعية النظام ووجوده في سوريا.

سوتشي

في سبتمبر/أيلول 2018 وقع التحالف الروسي التركي الإيراني على اتفاق سوتشي الذي قضى بالحفاظ على الشمال السوري منطقة خارجة عن سيطرة النظام السوري، تحت حماية ووصاية تركيا، بعد إحاطته بنقاط مراقبة لأطراف التحالف الثلاث، وكان من المفترض أن يُحوِل هذا الاتفاق منطقة إدلب التي تضم محافظة إدلب وأجزاء من ريف حماة الشمالي وأرياف حلب الجنوبية والغربية والشمالية إلى منطقة آمنة للمدنيين، لكن ذلك لم يحصل!

صورة

 خريطة الشمال السوري بعد اتفاق سوتشي

لتبدأ روسيا منذ يناير/كانون الثاني 2019 تصريحاتها التي تتحدث عن عدم التزام تركيا بتنفيذ الاتفاق كاملًا، وتبدأ معها حالة من القلق والترقب انتهت في 9 من مارس/آذار من العام نفسه بأول غارة جوية للروس على بلدات جنوب وغرب إدلب منذ مدة، وتلاحقت بعدها المجازر والغارات على أرياف حماة الشمالية وإدلب الجنوبية بشكل أساسي، متسببة بموجة نزوح واسعة من المنطقة، تلاها اجتياح قطع عسكرية من جيش نظام الأسد الموالية لروسيا واحتلالها.

وعلى مدار الشهور اللاحقة وبعد خرق روسيا لاتفاقي تهدئة وُقِعا خلالها، دمر سلاح الجو الروسي مدنًا وبلدات وقرى ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، قبل أن تجتاحهما واصلة إلى مدينة خان شيخون جنوبي إدلب، بعد معارك شرسة استبسل فيها ثوار المنطقة وخسروا فيها العديد من نخبهم العسكرية وعلى رأسهم صوت الثورة عبد الباسط الساروت، لتنتهي المرحلة الأولى من الحملة في 30 من شهر أغسطس/آب.

الحملة الأخيرة

استكملت روسيا المرحلة الثانية من حملتها الوحشية الأكثر دموية في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، مجتاحة ريف إدلب الجنوبي بجبهة واسعة شملت رأسي حربة يقودان محوري عمل، انطلق الأول منهما باتجاه بلدة سراقب من الجنوب الشرقي، بينما انطلق المحور الثاني باتجاه مدينة معرة النعمان من طرفها الشرقي، كما انضمت إلى الحملة الميليشيات الإيرانية التي بدأت تتحرك في محور ثالث على الجبهات غربي مدينة حلب، فيما يُعرف باسم بوابات حلب الغربية في الراشدين وخان العسل والبحوث العلمية.

صورة

محاور الحملة الروسية جنوبي إدلب وغربي حلب

التحرك التركي وفشل الدفاع في المدن

كان واضحًا منذ بدء المرحلة الثانية للحملة الروسية أن تركيا لم تكن موافقة على تحركات حليفها الروسي، حيث زجت بأعداد كبيرة من قواتها العسكرية عبر الحدود باتجاه منطقة إدلب، حتى وصلت أعدادهم إلى 20 ألف جندي تقريبًا، دخلوا بشكل أرتال متلاحقة أخذت تُنشِئ تباعًا نقاط مراقبة تتمركز فيها قواتها على محاور التقدم الروسي في محاولة لإيقاف عملياتها، لكن الحملة الروسية استمرت دون مبالاة بالتحركات التركية أو تصريحات قيادتها شديدة اللهجة، وأخذت قواتها تواصل تقدمها محاصرة النقاط التركية في طريقها، دون التعرض لها بشكل مباشر، وإنْ حدثت بعض حالات الاستهداف للنقاط التركية من القوات المهاجمة، التي كانت الأخيرة ترد عليها بمدفعيتها الثقيلة دون حدوث اشتباكات.

أما الثوار فقد حاولوا التحصن في المدن الكبيرة التي نزح منها أهلها، للاستفادة من أبنيتها في محاولة لجر القوات الروسية إلى حرب شوارع تُحيِد نسبيًا القدرة النارية لسلاح الطيران الروسي الذي جعل المواجهة في الأرياف والمناطق المكشوفة شبه مستحيلة، وكانت مدينة معرة النعمان جنوبي إدلب هي المدينة التي تأملوا إيقاف الزحف الروسي فيها.

إلا أن القوات الروسية تجنبت المواجهة المباشرة في مدينة معرة النعمان، وتحرك محورها الثاني ملتفًا حول المدينة من شمالها وجنوبها، مجبرًا الثوار على الانسحاب منها غربًا خشية حصارهم داخلها دون إمداد، ليدخل جيش الاحتلال الروسي المدينة في 29 من يناير/كانون الثاني من العام الحالي، وتفشل إستراتيجية الثوار في تحويل المدن والبلدات إلى جهات استنزاف لقوات العدو.

صورة

التفاف جيش الاحتلال الروسي على مدينة معرة النعمان لتطويقها

هنا، دُفعت القوات التركية إلى إنشاء 4 نقاط مراقبة في محيط مدينة سراقب التي تحصن فيها الثوار أيضًا إلى الشمال الشرقي من المعرة، وبدا أن النقاط التركية ستوسع محيط المدينة الدفاعي، بحيث يصعب على القوات الروسية الالتفاف في محيطها القريب، بما يدعم جهود الثوار في الدفاع عنها والصمود فيها، إلا أن القوات المعادية تحركت في محورين التفا في محيط المدينة والنقاط التركية معًا، إضافة إلى تقدم مجموعات منها بين النقاط التركية، لينسحب الثوار من المدينة بعد معارك شرسة تكبدت فيها القوات المعادية خسائر كبيرة، لكنها تمكنت من دخول سراقب في 8 من فبراير/شباط من العام الحالي.

صورة

التفاف جيش الاحتلال الروسي في محيط سراقب والنقاط التركية

كانت روسيا قد حشدت في كل من المحورين الأول والثاني مجموعات نخبوية من شركات أمنية خاصة روسية تضم مقاتلين روس سابقين، مع مجموعات من جيش نظام الأسد أشرفت روسيا بشكل مباشر على إنشائها وقيادة عملياتها، إضافة إلى استخدام واسع للدبابات من نوع T92 مع عدد من المدرعات الأخرى، ورغم استخدام الثوار لمضادات الدروع من نوع "تاو" الذي رفع خسائر القوات المعادية على محوري التقدم السابقين، فإن اعتماد الروس الواسع على الطيران لتقييد حركة الثوار، إضافة إلى تحولها إلى التحرك ليلًا مستفيدة من ضعف تجهيزات الثوار النوعية، ساهم إلى حد بعيد في تسريع تقدمها وسيطرتها على مساحات واسعة إلى الجنوب والجنوب الشرقي من إدلب، حتى وصلت القوات الروسية في المحور الأول إلى بلدة "النيرب" على بعد 20 كيلومترًا عن مدينة إدلب.

بوابات حلب الغربية

كانت المواجهات على المحور الثالث الذي قادته ميدانيًا ميليشيات إيران في محيط مدينة حلب هي الأشرس، خاصة بعد الاتفاق بين هيئة تحرير الشام ومقاتلي الجيش الحر الذين خرجوا من مناطقهم في ريف حلب الغربي بعد سيطرة الهيئة عليها على دفعات كان آخرها مطلع عام 2019، حيث نص الاتفاق على عودة مقاتلي ريف حلب الغربي إلى جبهاتهم، وهو ما ساهم إلى حدٍ بعيد في تثبيت خطوط الجبهات في الراشدين والصحفيين وغيرها إلى حين. 

لتوسع القوات المهاجمة ساحة المعركة لتشمل إضافة إلى الأطراف الغربية لمدينة حلب، أطرافها الجنوبية في خان طومان، مجبرة الثوار على توزيع قوتهم لتغطية الجبهة الطويلة.

صورة

 محور الحملة الثالث "الإيراني" غربي مدينة حلب

ورغم الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها القوات المهاجمة، فإنهم تمكنوا أخيرًا من كسر الخط الدفاعي للثوار، بعد تكثيف الطيران والمدفعية الروسية قصفها على المنطقة، لتتوجه أنظار الثوار وقوات إيران إلى كتلة ريف حلب الشمالي الملاصقة للمدينة، التي حصنها الثوار على مدار سنين بحيث تكون جاهزة لمعركة استنزاف طويلة.

لكن قوات إيران تحركت بنفس الطريقة التي اعتمدها الروس في مواجهة المدن الكبرى التي تحصن فيها الثوار، فعمدت إلى تجنب المواجهة المباشرة وتحريك قواتها شمالًا باتجاه بلدة "عنجارة" لإطباق الحصار على الثوار في كتلة ريف حلب الشمالي (عندان - حيان - حريتان)، وساعدها في ذلك تحرك "قوات قسد" من الكتلة المتبقية تحت سيطرتها في ريف حلب الشمالي في محور مقابلٍ للمحور الإيراني، لينسحب الثوار من كتلة ريف حلب الشمالي، ويعلن نظام الأسد "تأمين مدينة حلب" وسيطرته على كامل أحيائها في 16 من فبراير/شباط من العام الحالي، بعد سبعة أعوام ونصف على أول دخول للثوار إلى عاصمة الشمال.

صورة

خط عمليات المحور الثالث شمالي وغربي مدينة حلب لتأمينها

بعد تأمين القوات الإيرانية لمحيط مدينة حلب، أكملوا تمددهم للسيطرة على ريف حلب الغربي باتجاه بلدة دارة عزة التي باتوا على بعد 6 كيلومترات منها، وباتجاه مدينة الأتارب التي تمكنوا من احتلال الفوج 46 قريبًا جدًا منها، لتقوم قطع الجيش التركي - لأول مرة - بالدخول مباشرة إلى المدن والبلدات التي تحاول القوات المهاجمة اجتياحها، فتمركزت في مدينة الأتارب وعلى مشارف بلدة دارة عزة، إضافة إلى عدد من النقاط الأخرى بينهما، لتتوقف عمليات المحور الثالث "الإيراني"، ويتم تثبيت خط جبهة جديد قسم ريف حلب إلى منطقتي سيطرة.

صورة

 توقف عمليات المحور الثالث للحملة على مشارف الأتارب في ريف حلب الغربي

ولعل توقف عمليات المحور الثالث يرجع بشكل أساسي إلى تبعية قواته لإيران بشكل مباشر، التي لا تريد على ما يبدو الدخول في مواجهة مباشرة مع القوات التركية، على خلاف المحورين الأول والثاني الذين تقودهما روسيا بشكل مباشر، حيث تزامن توقف المحور الثالث الإيراني مع استكمال المحور الثاني لعملياته بعد السيطرة على مدينة معرة النعمان غربًا باتجاه قرى وبلدات جبل الزاوية، متمكنًا من احتلال عدد من مدنه وبلداته ومنها مدينة كفرنبل التي دخلها في 25 من فبراير/شباط الماضي.

أما المحور الأول فقد دخل ضد الثوار معركة كسر عظمٍ في بلدة النيرب، هي الأعنف منذ انطلاق الحملة الروسية لاحتلال الشمال السوري المحرر، حيث بدأت مجموعات الثوار بغطاء ناري من المدفعية التركية معارك مواجهة في البلدة منذ 6 من فبراير/شباط الماضي، وبعد خمس محاولات فاشلة شنها الثوار للسيطرة على البلدة تمكنوا أخيرًا في السادسة من تحريرها في 24 من فبراير/شباط، بعد معارك ملحمية دمروا فيها رأس حربة محور الحملة الروسية الثاني، الذي فرت نخبه من المواجهة بعد خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، ونشر "الجيش الوطني السوري" إصدارًا للمعركة يوضح شراستها.

شكل تحرير بلدة النيرب وتدمير القوة المتمركزة فيه نقطة تحول في المواجهة ككل، حيث تمكن الثوار بعدها من التحرك بسهولة نسبية لاستعادة عدد من البلدات قريبًا منها، حتى تمكنوا من تحرير مدينة سراقب في 27 من فبراير/شباط الماضي بعد أقل من 20 يومًا على احتلالها، وبدا واضحًا أن الحملة الروسية اعتمدت في كل محور من محاور العملية على رأس حربة صلب يضم مقاتلين نخبويين وعتادًا قويًا، فيما تتشكل باقي القوات من عناصر أقل خبرة وتسليحًا، وهو ما سمح للثوار بالتحرك بسرعة وسهولة بعد كسر رأس حربة المحور الثاني في النيرب.

صورة

اجتياح المحور الثاني لجبل الزاوية وتحرير الثوار لسراقب

جاء رد الفعل الروسي على تحرير سراقب وتحرك الثوار في محيطها قاسيًا وغير متوقع، حيث استهدف طيرانهم بشكل مباشر نقطة تجمع لمقاتلين من الجيش التركي، قاتلين 39 جنديًا بحسب التصريحات الرسمية التركية، فيما تشير مصادر محلية إلى كون العدد أكبر.

هنا، دخلت تركيا المعركة بأكثر من مدفعيتها الثقيلة وإمدادها الثوار بالسلاح النوعي، فانطلقت طائراتها المسيرة من نوع (بيرقدار TB2) إلى سماء إدلب، مستهدفة بشكل مباشر مواقع لقوات تابعة لنظام الأسد وعدد من الميليشيات الإيرانية المشاركة في المعركة، مسببة خسائر كبيرة في العتاد والأرواح.

إضافة إلى بدئها التغطية للثوار في جبل الزاوية، الذين بدأوا يتحركون لكسر رأس حربة المحور الثاني، في معارك شرسة تمكنوا فيها حتى الآن من استعادة السيطرة على عدد من البلدات والقرى، أهمها "كفر عويد" و"حزارين" على مشارف كفرنبل، إضافة إلى "تل زجرم" و"العنكاوي" في ريف حماة الغربي، التي تشكل نقطة انطلاق باتجاه استعادة الثوار لسهل الغاب.

صورة

استعادة الثوار لعدد من البلدات والقرى في جبل الزاوية وريف حماة الغربي

وفيما تحس روسيا أن التحركات التركية الأخيرة إهانة لها، عاودت ترميم رأس حربة محورها الثاني، محاولين إعادة احتلال بلدة سراقب التي تجري المعارك على مشارفها في هذه الأثناء، تتحدث الأوساط الثورية السورية عن عمليات واسعة قادمة تتحرك في المحاور الثلاثة التي تقدم منها الروس والإيرانيون، لاستعادة السيطرة على كامل المنطقة التي احتُلت، وعودة توزع مناطق السيطرة إلى ما كانت عليه بحسب اتفاق سوتشي في سبتمبر/أيلول 2018.

بينما يتفاءل آخرون بأن العمليات القادمة لن تقتصر على حدود اتفاق سوتشي، وأن الطلاق الروسي التركي قد حصل فعلًا، مما سيدفع باتجاه دعم أكبر للثوار في معركة التحرير.