تسدل عائلة المسعف الطبي عمر علي (30 عامًا) الستار عن يوم آخر، من دون معرفة مصيره بعد مرور أكثر من أسبوعين على اختفائه، تجابه قضيته بتجاهل حكومي مريب كحال بقية الناشطين المختطفين، وعلى أمل الكشف عن مصيره، تواصل عائلته رحلة شاقة للبحث عنه في المستشفيات والسجون وحتى مراكز الطب العدلي.

زينة أحمد (27 عامًا) زوجة عمر تحاول أن تتمالك نفسها للحديث عن ظروف اختطاف زوجها، فتقول: "اختطف من سيارة إسعاف، أوهموه بوجود حالة طارئة لأحد المتظاهرين المصابين وأنهم بحاجة إلى مساعدته، لم يتردد عمر بالصعود، ثم أُغلق هاتفه بعد ذلك"، بهذه الطريقة السينمائية اختفى عمر ولا تعلم عائلته عنه شيئًا منذ ليلة الـ18 من الشهر الماضي.

يحاول ذوو عمر العثور عليه منذ الساعات الأولى لاختطافه، من دون جدوى، فلا أحد يمتلك معلومات عنه، وبكلمات ممزوجة بالألم والحسرة تواصل زينة حديثها عن عمر قائلة: "كان يقول دائمًا إن المتظاهرين بحاجة إليه، والوطن كذلك يحتاج إلى وقفة جادة من الجميع، حتى تحقيق المطالب".

لحظات بسيطة تتوقف زوجة عمر عن الحديث بسبب بكائها الشديد، وتكمل قائلة: "ليس لدي أحد في هذه الحياة، نريد معرفة مصيره، وهل هو على قيد الحياة، فهو شخص مسالم ولم يؤذِ أحدًا أبدًا، ونحن نناشد رئيس الوزراء ووزير الداخلية وجميع المعنيين بكشف مصيره وإرجاعه إلى عائلته".

تهديدات سابقة!

منذ أشهر يواصل عمله مسعفًا في ساحة التحرير ببغداد، تاركًا عائلته تكافح وحيدة، كل ذلك من أجل تحقيق مطالب جميع العراقيين، وكذلك توفير حياة كريمة.

كشفت العائلة عن تهديدات مسبقة تلقّاها عمر من دون أن يكشف الجهة التي تقف وراءها، لكنه كان يبعث رسائل تطمين إلى عائلته قائلًا: "تهديد بسيط، الهدف منه إخافتي لردعي عن المشاركة في الاحتجاجات"، هكذا كان يقول من دون أن يعلم ما يحيط به وما يخطط ضده.

صورة

لافتة معلقة في إحدى الخيمات بساحة التحرير وسط بغداد

البيروقراطية.. العائق الآخر 

الزمن يمر طويلًا على العائلة مع استمرار اختفاء عمر، سلسلة إجراءات يواصلها ذووه وهم يكابدون العناء، إذ يكشف عبد الله علي (35 عامًا) شقيق عمر، معاناتهم اليومية إثر الروتين في الدوائر الحكومية قائلًا: "لم نجد أي أثر له في المستشفيات، والمراكز الأمنية تتقاذفنا مثل كرة ثلج، لا أحد يشفي غليلنا بإجابة".

بصوت مجهد، يضيف عبد الله "السلطات العراقية ترفض تسجيل شكوى تفيد بأنّ عمر مختطف، وتصر على عَدِّه مفقودًا حتى اتصال الخاطفين بنا، ثم يمكننا بعد ذلك تسجيله مختطفًا"، رغم أن القضاء يقول عكس ذلك ويؤيد رواية ذوي الضحية.

لا تستطيع عائلة عمر الوصول إلى كاميرات المراقبة، الأهلية منها والحكومية، إلا بإذن من السلطات الأمنية، لكن شريطة أن تكون لديها وثيقة أمنية تؤكد أنه مختطف وليس مفقودًا، وتحت هذا الكم الهائل من الإجراءات البيروقراطية والروتينية، فشلت جميع محاولات العائلة في الرجوع إلى كاميرات المراقبة ومعرفة ملابسات الاختطاف.

أرقام صادمة لعدد الضحايا

قصة عمر واحدة من آلاف القصص المأساوية التي يعيشها المتظاهرون في ساحة التحرير ببغداد، حيث تشير الأرقام التي حصلنا عليها من مفوضية حقوق الإنسان العراقية (جهة رسمية) إلى إصابة نحو 23545 مواطنًا، ومقتل 536 واعتقال 2385، بحسب إحصاءات للفترة من 1/10/2019 وحتى 30/1/2020.

وتؤكد المفوضية أيضًا أن عدد المختطفين من المتظاهرين بلغ 72 شخصًا، والمفرج عنهم 22 فقط، في حين لا يزال مصير 55 آخرين مجهولًا، لكنّ كثيرًا من الناشطين يتحدثون عن أرقام أعلى بكثير من الأرقام الرسمية المعلنة.

صورة

المختطف الـ73

عمر (أو المختطف الـ73) بحسب تسلسل المختطفين والأرقام الرسمية المعلنة من السلطات العراقية، يدفع وعائلته الكلفة باهظةً نتيجة مشاركته في الاحتجاجات الشعبية التي خرجت ضد الطبقة الحاكمة.

تمارس السلطات الحاكمة أو من يدور في فلكها إرهابًا غير مسبوق على كل من يدعم الحراك السلمي، مرة بالخطف والتغييب ومرة بالتهديد والوعيد ومرة بالقتل الذي تتفنّن فيه قوى الأمن، سواء كان بالقنص أم بالقنابل الدخانية أم المسيلة للدماء والدموع معًا، دماء الشباب الضحايا الذين خرجوا مطالبين بحياةٍ كريمة ودموع أمهاتهم وذويهم تشيعهم إلى حيث تنتهي بهم رحلة حياة الكفاح والمطالبة بالحياة الحرة الكريمة.