بين أحزاب سياسية غير متوافقة بشأن طبيعة نظام الحكم الذي يجب اعتماده في الدستور القادم، ورئيس يفضل إقامة نظام شبه رئاسي، يرتسم مشهد سياسي "تضادي"، تكشف أولى ملامحه استحالة التقاء الطرفين بشأن الدستور المقبل، وقد تكون بداية لأزمة سياسية مستعصية لسبب واحد يكمن في اختلاف جذري في مواقف كل جهة.

وعشية إٍرسال مسودة الدستور الجديد إلى الرأي العام، يسير المشهد السياسي في البلاد، وفقًا لخطين متناقضين، من الصعب جدًا توافقهما بخصوص مشروع التعديل الشامل للدستور الذي أطلقه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وفقًا لتعهداته السياسية التي أعلنها خلال الحملة الانتخابية التي جرت في 12 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، وقال إن التعديل الدستوري لن يكون على مقاس الرئيس، وسيكون دستورًا للجزائريين يعبر عن الجزائر الجديدة وتطلعات الشعب ومطالب الحراك الشعبي.

خطان متناقضان

حاليًّا أعلن القاضي الأول للبلاد عبد المجيد تبون، خلال لقاء جمعه بممثلي وسائل الإعلام المحلية، أنه يفضل نمط الحكم شبه الرئاسي، لما يجمعه بين النظامين البرلماني والرئاسي في نفس الوقت، على أن يتم أقلمته مع واقع البلاد وهذا باعتماد اللامركزية في التسيير المحلي بمنح قوة أكبر للمنتخبين لكن مع فرض رقابة أكبر ومحاسبتهم أمام الملأ ومحاربة ظاهرة الرشوة، وأوضح أن "الأهم وضع دستور توافقي بين الجزائريين يكرس ديمقراطية حقيقية التي نحن نعيش خطواتها الأولى".

ولطالما أثارت طبيعة النظام السياسي في الجزائر، خلال العقدين الماضيين من الزمن، جدلًا واسعًا بين القانونيين والخبراء والطبقة السياسية في البلاد، بسبب شدة الغموض التي تميز نظام الحكم وعدم قدرتهم على تشخيص حقيقي لسلطة القرار، رغم تداول 7 رؤساء على الحكم.

وتراوحت الآراء والمواقف المتداولة، بين ضرورة الذهاب إلى نظام برلماني أو شبه رئاسي، وهو النظام الذي ينحاز إليه الرئيس عبد المجيد تبون وشخصيات أخرى نافسته على قصر المرادية على غرار الرئيس السابق لحزب طلائع الحريات المعارض علي بن فليس ورئيس حركة البناء الوطني (حزب إسلامي) عبد القادر بن قرينة، بينما يميل قادة أحزاب سياسية إلى النظام البرلماني.

وجنحت حركة مجتمع السلم (أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد)، نحو النظام البرلماني، ويقول القيادي في الحركة أحمد صادوق، في حديث لـ"نون بوست" إن النظام البرلماني الأنسب حاليًّا للانتقال إلى مرحلة جديدة، ويشير إلى أن هذا النظام يعطي صلاحيات أكبر للبرلمان لمراقبة عمل الحكومة بل وإقالتها إذا اقتضى الأمر ذلك بهدف تكريس المحاسبة والشفافية والرقابة.

ويصف أحمد صادوق مرحلة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بـ"الغريبة"، ويشير إلى أن الدستور المعمول به حاليًّا يعطي صلاحيات إمبراطورية للرئيس الجزائري، والغريب في الأمر أن البرنامج الذي تبقيه الحكومة هو برنامج الرئيس لكن هذا الرئيس لا يحاسب في البرلمان بمعنى أنه يحكم ويقرر لكنه لا يحاسب، وهذا أمر خطير وهو الذي جعل النظام السابق ورئيسه يتغولان على كل المؤسسات والهيئات الرسمية في البلاد.

النظام البرلماني يكرس إرادة الشعب

أما رئيس حزب جيل جديد المعارض، سفيان جيلالي، يقترح الإبقاء على النظام شبه الرئاسي إضافة إلى مقترحات أخرى بينها تحديد عدد الفترات الرئاسية واستحداث منصب رئيس الحكومة الذي كان معمولًا به من قبل وكان يحظى بدعم الأغلبية البرلمانية ويخضع لمراقبة البرلمان، وأن تنبثق الحكومة من الأغلبية الفائزة في الانتخابات البرلمانية وأن تحاسب هذه الأخيرة في البرلمان وأن تمنح صلاحيات أكثر لرئيس الحكومة.

أما جبهة التحرير الوطني (حزب الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة) فقررت التمسك بالمقترح الذي رفعته في 2014، والمتعلق باعتماد نمط الحكم الشبه الرئاسي، وترى أنه قادر على إعطاء صلاحيات قوية للمنتخبين كما أنه يعتمد على التشاور ويبتعد عن الاستفراد بالحكم.

فيما يميل التجمع الوطني الديمقراطي (ثاني قوة سياسية في البلاد) إلى نظام الحكم البرلماني، وكشف الأمين العام بالنيابة للحزب عز الدين ميهوبي، في تصريح صحفي، إن النظام البرلماني يكرس إرادة الشعب حيث تكون سلطة القرار والنفوذ للمنتخبين على مستوى المجالس المحلية والوطنية المنتخبة في إدارة شؤون البلاد والتأثير على القرار السياسي.

بينما اقترحت جبهة العدالة والتنمية (حزب إسلامي يقوده أحد الوجوه الإسلامية البارزة في الساحة السياسية) نظام حكم شبه برلماني قائم على مبدأ التوازن في توزيع الصلاحيات على السلطات الثلاثة مع تكريس صلاحية تشكيل السلطة التنفيذية من رئيس الجمهورية وبموافقة البرلمان بحسب ما كشفه رئيس مجلس شورى جبهة العدالة والتنمية لخضر بن خلاف لـ"نون بوست".

القطيعة

من جهة أخرى تباينت كذلك رؤى المحللين في الموضوع، حيث يعتقد أستاذ العلوم السياسية بجامعة البليدة، فاروق طيفور، أن النظام البرلماني هو الأنسب حاليًّا لتحقيق التفاعل الديمقراطي كما أنه لا يكرس الحكم الفردي للرئيس، ويقول لـ"نون بوست" إن أي نظام آخر لن يلبي طموحات الجزائريين لأن استمرار طبيعة النظام السياسي الحاليّ الذي ليس له مثيل في العالم، يجعل القاضي الأول في البلاد يحكم دون أن يتحمل مسؤولية الأخطاء التي اقترفها، وبسبب هذا النظام فقدت الانتخابات مصداقيتها ومعناها الحقيقي وأصبح التزوير سيد الموقف في كل محطة انتخابية.

ومن جهته يقترح الأستاذ في القانون الدستوري قزو أمحند آكلي، نظام حكم مختلط يراعي التقسيم المتوازن للمؤسسات، تكون فيه الحكومة مسؤولة أمام البرلمان بغرفتيه والرئيس معًا إضافة إلى تفعيل أدوات الرقابة كلجان التحقيق البرلمانية.

ويشدد قزو أمحند آكلي، في تصريح لـ"نون بوست" على ضرورة استحداث محكمة دستورية مستقلة مع إعادة النظر في المادة 176 من الدستور التي حولت المجلس الدستوري إلى هيئة سياسية، إضافة إلى ذلك يقترح منح صلاحيات أكثر لرئيس الوزراء الجزائري على أن يعين هذا الأخير من الأغلبية البرلمانية ويكون من الكفاءات.

ويقول إن مراجعة الدستور الحاليّ من شأنها بناء جزائر جديدة وتحقيق الانتقال المنشود الذي خرج من أجله الحراك الشعبي يوم 22 من فبراير/شباط 2019 وإحداث القطيعة مع الممارسات السابقة.

وتفجر نقاش واسع بين متتبعين للشأن السياسي في البلاد، على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ إعلان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون فتح ورشة تعديل الدستور، حيث دون البرلماني السابق فاتح قرد على صفحته الخاصة بموقع فيسبوك "من زاوية علمية وبمنهجية المقارنة والاستقراء، فإنّ نظام الحكم شبه الرئاسي الحقيقي هو المناسب للجزائر".

وأرجع ذلك إلى أن الجزائر تعيش ديمقراطية ناشئة، بينما يمر النظام البرلماني بأزمات دورية حتى في الدول الديمقراطية العريقة، ومظهر الأزمة أوضح في تونس والكويت ولبنان، بحسب قوله.

غير أن النائب لخضر رزاق بارة خالفه الرأي وغرد قائلًا: "بحكم تجربتي كنائب، أقترح النظام البرلماني الذي يقوم على التوازن والتنسيق والتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، حيث يكون الوزراء ورئيس الحكومة مسؤولين أمام البرلمان، ناهيك عن أن هذا النظام بإمكانه استيعاب كل التناقضات".