ترجمة وتحرير نون بوست

أصبح بناء تحالفات قوية مهمة معقدة بالنسبة للدبلوماسية الأوروبية. وعند النظر إلى الغرب، تصطدم بروكسل بالمزاج المتغير لدونالد ترامب وكتلة أمريكا اللاتينية المجزأة. في الاتجاه المقابل، يعد الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان مصدرا منتظما للصراع. وفي بقية الجانب الشرقي، لم تتمكن الدول العربية من إيجاد مخرج من الحرب في سوريا، بينما لم يتحقق وعد الهند حتى الآن، في الأثناء تبرز الصين كشريك محدد ولكنها في الوقت نفسه منافس اقتصادي هائل. 

في خضم هذه المتاهة الجيوسياسية، يحول الاتحاد الأوروبي أنظاره إلى الجنوب لتجديد علاقته بأفريقيا، القارة التي لديها كل شيء تفتقر إليه أوروبا تقريبا بما في ذلك القوة الديموغرافية والإمكانات الاقتصادية، في الوقت الذي لا يزال فيه حوالي 560 مليون شخص يعيشون في حالة فقر متعدد الأبعاد.

هناك حل وسط حول الاتفاقية المستقبلية، الذي وقع تقديم المسودة الخاصة به الإثنين المنصرم في بروكسل، والذي يهدف إلى تصميم سياسة مشتركة مع أفريقيا وليس من أجل أفريقيا. في هذا السياق، أكد الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية جوزيب بوريل: "نحن قارتان على قدم المساواة". ويكمن الهدف من ذلك في أن تكون الاتفاقية جاهزة ليتم التوقيع عليها في القمة التي ستجمع بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، والتي ستدور حول خمس نقاط.

الانتقال البيئي 

م

أطفال يتسلقون شجرة جوز هند سقطت بعد إعصار إيداي في بيرا، موزمبيق، في 27 آذار/ مارس 2019. آنذاك، توفي عشرات الآلاف من الضحايا جراء كارثة طبيعية تفاقمت بسبب تغير المناخ. 

تمثل سنة 2050 التاريخ الرئيسي للاتحاد الأوروبي لتحقيق طموحه البيئي. في هذه السنة، يجب أن يكون حياد المناخ حقيقة واقعة في الاتحاد الأوروبي. لقد أصبحت هذه المسألة محور علاقاته التجارية والدبلوماسية، حيث نصت بروكسل في معاهداتها على احترام اتفاق باريس كشرط، ولن يكون مع أفريقيا أي استثناء. وقد أكدت النائبة الأوروبية لحزب مواطنون، سورايا رودريغيز، ورئيسة وفد العلاقات مع برلمان الوحدة الإفريقية أنه "على الرغم من حقيقة أن القارة الإفريقية لا تصدر سوى اثنين بالمئة من إجمالي انبعاثات الطاقة على مستوى العالم، إلا أنها المنطقة الأكثر تضررا من عواقب تغير المناخ. هذا تحد لا يمكن مواجهته إلا سويا".

في الوثيقة التي تعتبر أساسًا للمفاوضات، تحذر بروكسل من الإفراط في المسمكة والتصحر وإزالة الغابات، وتدعو إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة، والبناء على نماذج التحضر الذكية ومكافحة الجرائم ضد البيئة معا. كيف ترى إفريقيا ذلك؟ في أفريقيا، يعد تخفيف الضرر ومحاربة الاحترار العالمي أمرين لهما أولوية قصوى. وفي الوقت نفسه، تنغمس القارة في مشروع التصنيع الطموح الذي ستحتاج فيه إلى المزيد والمزيد من الطاقة. كيف تحل هذه المعادلة؟ يتم ذلك من خلال الولوج إلى مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة؛ وهو ما يحدث بالفعل. 

قبل بضعة أيام، افتتحت السنغال أكبر مزرعة رياح في غرب إفريقيا، وفي المغرب لديها بالفعل محطة نور الضخمة للطاقة الشمسية، وهي واحدة من أقوى المحطات في العالم. ومن جهتها، فإن إثيوبيا على وشك إطلاق سد النهضة العظيم الذي سوف يستفيد من دورة النيل لإنتاج الكهرباء الذي تحتاجه.

الرقمنة

ن

امرأتان تستخدمان أجهزة الصراف الآلي في بنك نيدبانك في كيب تاون، جنوب أفريقيا، في 15 آذار/ مارس 2016.

تشير إحدى الحقائق إلى قناعة الاتحاد الأوروبي بأن أفريقيا يجب أن تحقق الرقمنة في جميع قطاعات اقتصادها. مقابل كل زيادة بنسبة 10 بالمئة في التغطية الرقمية، يرتفع الناتج المحلي الإجمالي الأفريقي بنسبة واحد بالمئة. وتعتقد بروكسل أن هناك مجالا كبيرا لتطبيق التقنيات في قطاعات مثل الزراعة والتجارة الإلكترونية والخدمات المالية والتعليم أو الإدارة العامة. وجاء في النص أنه: "يجب على الاتحاد الأوروبي أن يعمق تعاونه في هذا المجال، بما في ذلك الإجراءات الوقائية ضد استخدام الإنترنت لأغراض إرهابية أو متطرفة".

كيف ترى أفريقيا ذلك؟ تعد أجندة 2063 التي يروج لها الاتحاد الأفريقي المفتاح الحقيقي لسقف النمو القاري. تقترح هذه الوثيقة، التي وقع الموافقة عليها في سنة 2013، بالفعل "ثورة معرفية" في الأمور التكنولوجية التي يمكن أن تساهم فيها أوروبا. في المقابل، يحذر المدون والناشط الإلكتروني شيخ فال من مخاطر معينة، مبينا أن "التعاون جيد، ولكن يجب على الدول الأفريقية أن تكون متيقظة للغاية في الحفاظ على استقلالها الرقمي. ويجب أن نجهز أنفسنا بالقوانين والبروتوكولات التي تسمح لنا بالحفاظ على سيادتنا في مكان جديد مثل هذا". إن أحد التحديات الكبرى التي تواجه قارة يقل عمر نصف سكانها عن 20 سنة هو أنه لم يتخلف أحد عن الركب في المستقبل. يجب أن يخترق العالم الرقمي المدارس. ويضيف فال: "يمكن لأوروبا أن تستثمر هنا وتنضم إلينا".

النمو المستدام والتوظيف 

ن

يقوم رعاة الجماعة العرقية الهاوسا-فولاني بنقل مواشيهم حول بعض المزارع في صكتو، شمال نيجيريا. ويقودهم الفقر إلى الهجرة شمالا حيث توجد فرص عمل أكثر.

يعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر مستثمر أجنبي في أفريقيا بقيمة 222 مليار يورو، ليتجاوز بذلك الولايات المتحدة (42.000) والصين (38.000). ويكمن الهدف من ذلك في تعزيز هذا الموقف وإعادة توجيه تدفق الأموال نحو المشاريع التي تجعل القارة أكثر مقاومة لتحديات تغير المناخ. علاوة على ذلك، ترحب بروكسل باتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، سارية المفعول منذ أيار/ مايو الماضي، والتي تعتبر الخطوة الأولى نحو إنشاء واحدة من أكبر مناطق التبادل الاقتصادي في العالم، كما عبرت عن استعدادها لتقاسم معرفتها حول كيفية عمل السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي. ولزيادة رأس المال الأجنبي الموجود في المنطقة، يعتقد الاتحاد الأوروبي أن أفريقيا يجب أن تجري إصلاحات تخلق بيئة صديقة للأعمال وتقوم بتصفية الممارسات السيئة مثل الفساد وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

مع إمكانية دخول 375 مليون شاب إلى سوق العمل في السنوات الـ 15 المقبلة، يعد تدريب هؤلاء الموظفين المستقبليين أحد الشواغل الرئيسية للقارة التي تضم ست من أصل أسرع عشر اقتصادات، وتعتبر الأكثر نموا في سنة 2018. وكما ورد في الاتفاقية فإن الاتحاد الأوروبي يعمل على تسهيل حركة الطلاب والمعلمين والمدربين والباحثين، بالإضافة إلى أنه يسعى إلى حماية الحقوق الاجتماعية، وعلى وجه الخصوص، يطمح إلى القضاء على ظاهرة عمل الأطفال.

في خضم أزمة الفيروس التاجي، يرى السبعة والعشرون بلدا أوروبيا ضرورة زيادة دعمهم للأنظمة الصحية في البلدان الأفريقية، خاصة مع وجود كثير من الحالات غير المستقرة. وتجدر الإشارة إلى أن جوزيف بوريل لمح من خلال ممارسة واقعية للشأن الإفريقي إلى أن "المشاكل الصحية في الدول الأفريقية كانت موجودة قبل الفيروس وستستمر في الظهور بعد ذلك".

كيف ترى أفريقيا ذلك؟ تهدف كل هذه الأحداث وتلك الجهود إلى مكافحة النفوذ الصيني المتزايد في أفريقيا، والتزام الاتحاد الأوروبي بالرد لتغيير خطابه، كما جاء على لسان الاقتصادي السنغالي ديمبا موسى ديمبيلي. إن الرياح الجديدة لا تأتي فقط من بكين، حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا أيضا قد دخلت صلب القارة بكل قوة. 

يمكن لاتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية تغيير كل شيء. في تموز/ يوليو المقبل، ستتخذ اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية خطواتها الفعالة، مما سيتيح لها إنشاء سوق واحدة ضخمة تصل الموارد البشرية فيها إلى 1.2 مليار شخص. وأضاف الخبير "ستكون هذه المبادرة منطقية إذا كانت تفضل التصنيع في القارة، فضلا عن تمكننا من تحويل موادنا الخام والتفاوض بصوت واحد في الاتفاقيات التجارية". وإذا استمر اتجاه التكامل هذا، دون عقبات، فستكون الاتفاقات التجارية الثنائية بين الدول الأفريقية والاتحاد الأوروبي شيئًا من الماضي خلال عقد من الزمن، وذلك على حد تعبير الاقتصادي الأوروغواي كارلوس لوبيز. ومن هنا أفريقيا ستنتصر.

السلام والحوكمة

يشير التواصل بشأن الاستراتيجية الأوروبية إلى أن "ضمان السلام والأمن الدائمين في أفريقيا يمثل أبرز مشاغل إفريقيا تماما مثلما هو الحال بالنسبة للاتحاد الأوروبي". وعلى إثر هذا التواصل الاستراتيجي، يجب على الدول الأوروبية محاولة حل الأزمات في منطقة الساحل ومنطقة البحيرات الكبرى أو القرن الأفريقي باستخدام الدبلوماسية وحوار القمة على أعلى مستوى. بالنسبة للقادة الأفارقة، إنه سبيلهم الوحيد لإخراج دولهم من الحلقة المفرغة للفقر والعنف: تعتبر الأوضاع الاقتصادية والتعليم والمساواة والخدمات الاجتماعية والعدالة وإعادة توزيع الموارد محرك المجتمعات وطريقا لخلق فرص العمل والنمو وجذب المستثمرين.

كيف ترى أفريقيا ذلك؟ لم تعد الحروب في أفريقيا كما كانت في السابق، خاصة أن التهديد الكبير اليوم يتمثل في تفشي ظاهرة الإرهاب في المنطقة. وتواجه دول مثل الصومال ونيجيريا ومالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى وموزمبيق والنيجر ظهور عدو متعدد الوجوه يتغذى على الظلم والفقر. 

وفقًا للخبير بكاري سامبي، مدير معهد تمبكتو، "يجب أن تدرك أوروبا الوضع الجديد الذي أوجده التهديد الإرهابي. لكي تكون المبادرات الأوروبية فعالة، يحتاج التدخل الأوروبي إلى الحد الأدنى من التنسيق، فمن الشاذ أن هناك اليوم أكثر من 18 استراتيجية قائمة على الوجود العسكري المكثف في منطقة الساحل، في حين يشعر السكان المحليون بعدم الأمان أكثر من أي وقت مضى".

أنقذت القمة الأخيرة للاتحاد الأفريقي التحدي المتمثل في "إخماد الأسلحة"، الذي فشل في السنوات الأخيرة، خاصة مع استمرارية الحروب القديمة الموجودة في جمهورية الكونغو الديمقراطية والصراعات الجديدة المتمركزة في مالي، والتي تتفاقم أو حتى تزداد سوءًا. يرى سامبي أن "التوجهات العسكرية، التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي تحاول علاج الأعراض السطحية لشر أعمق. وفي الوقت الذي تعزز فيه الجماعات الجهادية روابطها وتعاونها، فإن جهود المجتمع الدولي اليوم تعتبر مشتتة".

الهجرة

ء

صورة التقطت بتاريخ 29 فبراير/ شباط 2020 تصوّر امرأة مهاجرة من أصل أفريقي تبكي عند وصولها إلى ساحل ليسبوس في اليونان، بعد رحلة خطيرة على متن قارب من تركيا. 

في الواقع، يظهر قسم الهجرة في آخر التقرير على الرغم من أنه عادة ما يكون الملف الأكثر إثارة للقلق في أوروبا. وقد قدم الاتحاد الأوروبي مساعدة للمغرب لحماية حدوده. وعلى الرغم من أن أكبر تدفقات المهاجرين في السنوات الأخيرة لم تأت من إفريقيا ولكن من الهاربين من الحرب في سوريا، إلا أن هذه التدفقات تركت ندوبًا في السياسة المجتمعية حيث استغلت الحركات الشعبوية موجة الهجرة في الحملة الانتخابية.

من جانبه، أصرّ جوزيب بوريل يوم الإثنين الماضي على أن إفريقيا "كانت وستظل وستكون مصدرا للهجرة إلى الدول الأوروبية"، لكنه يعتقد أن قضية الهجرة لا يجب أن تحتكر النقاش حول إفريقيا. في هذا الصدد، أظهرت منظمات مثل أوكسفام وكاريتاس الدولية نفس الخوف من أن الهجرة ستطغى على بقية الأجندة. تظهر بروكسل اهتمامها بتفضيل الهجرة القانونية مؤكدة أنها ستواصل الاتصال بدول المنشأ والعبور والمقصد.

 كيف ترى أفريقيا ذلك؟ على عكس البيئة والرقمنة والسلام والنمو الاقتصادي، فإن الهجرة ليست جزءًا من جدول الأعمال العام الأفريقي. ويُفسّر ذلك بأنه إذا كانت الهجرة تمثّل "مشكلة" لأوروبا، فهي بالأحرى بالنسبة لأفريقيا تعد حلا لأن الهجرة صمام هروب اجتماعي وأداة سياسية للضغط على أوروبا ينتج عنها مشاريع تنموية مثل مشروعات الصندوق الاستئماني التي تمت الموافقة عليها في قمة فاليتا حول الهجرة وإرسال التحويلات. هكذا تتعامل بعض الدول والقادة الأفارقة مع ملف الهجرة.

من الضروري أن نحدد أبعاد هذا الملف حيث تحدث 85 بالمئة من الهجرة الأفريقية داخل القارة. من جهته، يقول الدكتور بكاري سامبي إن "أوروبا مهووسة بالهجرة، وبدلاً من ذلك يجب أن تفتح آفاق لعلاقة أكثر استدامة مبنية بشكل مشترك في إطار اتفاقية استراتيجية جديدة". إن الإدارة غير المجدية للتدفقات من قبل الاتحاد الأوروبي، التي تقتصر على المقامرة القمعية للطرق السرية بينما تمنع جميع الخيارات القانونية، تتعرض للانتقادات على نطاق واسع في أفريقيا. ويضيف الزعيم السياسي الإفريقي عثمان سونكو "إذا نهبت ممتلكات الناس، فإن هؤلاء الأشخاص سيتبعون نفس المسار: الهجرة".

المصدر: البايس