تداعيات خطيرة لكورونا على الاقتصاد العالمي

ألقى فيروس كورونا الجديد (Covid-19) منذ بداية انتشاره في ووهان الصينية ديسمبر الماضي، بظلاله القاتمة على الاقتصاد العالمي، الذي كان على رأس ضحاياه، بعد الآلاف الذين سقطوا بسببه في مختلف دول العالم، وأضعافهم القابعين خلف جدران العزل الصحي، في أعقاب إعلان منظمة الصحة العالمية تحوله إلى وباء يتطلب توحيد الجهود للتصدي له.

وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، سعت بعض الدول لاتخاذ عدد من القرارات التي تهدف إلى دعم اقتصاداتها لتقليل حدة تأثير الأزمة والإبقاء على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي الضامن لاستمرار الحكومات والأنظمة في توجهاتها الاحترازية حتى وضع حل جذري لهذا الوباء، دون أي ارتدادات عكسية تزيد من تفاقم الوضع.

حالة من الهلع أصابت قوى العالم المختلفة جراء تداعيات هذا الوباء الذي انتشر في قرابة 160 دولة، وتجاوز عدد المصابين به فعليًا 168 ألفًا، منهم 6500 شخص لقوا حتفهم، الأمر الذي دفع بعض الدول لاتخاذ إجراءات احترازية قاسية، أحدها وصل إلى درجة إعلان حالة الطوارئ وأخرى عزل دول بأكملها عن جيرانها ومحيطها الجغرافي.

شلل الاقتصاد العالمي

تتزايد المؤشرات المتعلقة بتداعيات الوباء على الاقتصاد العالمي بأنه من المرجح أن يصل إلى مرحلة من الركود لا تقل فداحة عن تلك التي تعرض لها خلال الأزمة المالية العالمية 2008، فالضربة المؤلمة التي تعرضت لها عجلة الإنتاج الصينية وتراجع الطلب بصورة عامة عالميًا، من المرجح أن يقود قاطرة الاقتصاد العالمي إلى حالة من الركود.

الإجراءات التي اتخذتها بعض الدول احترازيًا ضد كورونا تباينت فيما بينها بصورة انعكست بشكل أو بآخر على المناخ الاقتصادي برمته، فبعض الدول أُغلقت بصورة كلية لأجل غير محدد مثل فرنسا والكويت وأوكرانيا، ومؤخرًا الأردن والمغرب، فيما أصيبت حركة الأعمال والتجارة والطيران والسياحة عبر العالم في مقتل.

هذا بخلاف أسواق الطاقة التي من المرجح أن تتفاقم أزمتها مقارنة بغيرها من الموارد الأخرى، حيث هبط سعر برميل النفط إلى ما دون 30 دولارًا، في ضربة لم يتعرض لها منذ سنوات، وهو ما يجعل الدول المنتجة للنفط على مشارف سنوات عجاف، وهو ما يجسده التهاوي الكبير الذي منيت به بورصات العالم المختلفة خلال الأيام الماضية.

التطورات السريعة للفيروس وأرقام الضحايا والإصابات المفزعة دفعت الكثير من تلك الدول وغيرها إلى اتخاذ إجراءات مقيدة واسعة النطاق

معضلة كبيرة تعاني منها الدول منذ تفشي الوباء، تتمحور في مدى تحقيق الموازنة بين ما ينجم عن تفشي الفيروس عادة من آثار إنسانية من جانب، تتعلق بالموت والفقدان والوحدة والمرض الشديد، فتضطر إلى التشدد في الإجراءات الحمائية كي تمنع انتقال الفيروس، ومن جانب آخر، آثار اقتصادية، تتعلق بعجلة الإنتاج والتبادل التجاري وتراجع موارد الدولة.

كثير من الدول سارعت إلى اتخاذ إجراءات جذرية وشاملة، بما في ذلك منع الحركة والسفر والتجمع وعزل مدن أو مجتمعات بأكملها، انتظارًا لنجاح العلماء في التوصل للقاح يقي من المرض، بغضِّ النظر عن الآثار الهائلة على عجلة الإنتاج والاستهلاك والتبادل ومعدلات النمو الاقتصادي والانخفاض في مستوى إيرادات الدولة.

وفي المقابل هناك دول أخرى تضع العامل الإنساني في المقام الثاني فيما يتصدر البُعد الاقتصادي، بمعنى أن تلجأ إلى أدنى مستوى ممكن من الإجراءات الاحترازية لتجنب الخسائر الاقتصادية، حتى لو نجم عن ذلك تفاقم الوضع الإنساني الصحي للمواطنين، وهو ما يعرف في الأوساط الإعلامية باسم مناعة القطيع (herd immunity).

وتقوم هذه الإستراتيجية على إفساح المجال للفيروس للانتشار بين الأشخاص حتى يكتسبوا تلقائيًا مع مرور الوقت مناعة وقائية ضده، لكن هذا يحتاج إلى إصابة 60% من السكان قبل أن يكتسب المجتمع المناعة المطلوبة لانحسار الوباء ورفع مستوى قدر الدولة على السيطرة عليه.

تقديرات عدة تذهب إلى أن الصين وإيطاليا وإيران تبنت تلك الإستراتيحية في الشهرين الأولين من الوباء، وهي ذاتها المقاربة التي حددت طبيعة استجابة حكومة بوريس جونسون في بريطانيا وإدارة ترامب في الولايات المتحدة، لكن التطورات السريعة للفيروس وأرقام الضحايا والإصابات المفزعة دفعت الكثير من تلك الدول وغيرها إلى اتخاذ إجراءات مقيدة واسعة النطاق، ومن هنا كان لا بد من التحرك لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار السريع عبر التدخل لدعمه بأكثر من وسيلة.

هبوط واضح في مؤشرات الاقتصاد العالمي

محفزات الاقتصاد العربي

اتخذت بعض الدول العربية حزمة قرارات لمواجهة تأثير كورونا على الاقتصاد، من بينها الدولة القطرية، حيث وجه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد، بتقديم محفزات مالية واقتصادية بمبلغ 75 مليار ريال قطري تعادل نحو 20.5 مليار دولار للقطاع الخاص، فيما وضع مصرف قطر المركزي الآلية المناسبة لتشجيع البنوك على تأجيل أقساط القروض والتزامات القطاع الخاص، مع فترة سماح لمدة 6 أشهر.

وبشأن المواطنين العاديين، وجه بنك قطر للتنمية بتأجيل الأقساط لجميع المقترضين لمدة 6 أشهر، وإعفاء السلع الغذائية والطبية من الرسوم الجمركية لمدة 6 أشهر، وإعفاء قطاع الضيافة والسياحة وقطاع التجزئة وقطاع الصناعات الصغيرة والمتوسطة والمجمعات من رسوم الكهرباء والماء، كما أعفت مؤسسة قطر جميع مستأجري محلات البيع بالتجزئة التابعة للشركات الصغيرة والمتوسطة، من دفع الإيجار لمدة 6 أشهر لدعمهم في مواجهة التحديات العالمية التي يفرضها فيروس كورونا.

وفي الكويت، وافق مجلس الوزراء على ضخ 500 مليون دينار (1.6 مليار دولار) في ميزانيات الوزارات والإدارات الحكومية، إضافة إلى إنشاء صندوق مؤقت لتلقي المساهمات النقدية من المؤسسات والشركات والأفراد لدعم جهود الحكومة في مواجهة انتشار الفيروس.

سعوديًا.. أعدت مؤسسة النقد العربى السعودي (البنك المركزي) حزمة بقيمة 50 مليار ريال (13 مليار دولار) لإعانة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على مواجهة الآثار الاقتصادية لتفشى فيروس كورونا، فيما أعلن مصرف الإمارات المركزي خطة دعم شاملة بقيمة 100 مليار درهم (27 مليار دولار) لاحتواء تداعيات فيروس كورونا، بجانب تأسيس صندوق صانع سوق لتوفير السيولة المالية، بقيمة مليار درهم تعادل 270 مليون دولار، لإيجاد توازن مستمر بين العرض والطلب على الأسهم.

كما خصصت حكومة أبو ظبي 5 مليارات درهم تعادل 1.36 مليار دولار لدعم الكهرباء والمياه للمواطنين والقطاعات التجارية والصناعية، إضافة إلى دعم رسوم توصيل الكهرباء للشركات الناشئة حتى نهاية العام، وإعفاء جميع الأنشطة التجارية والصناعية من رسوم التسجيل العقاري لهذا العام.

وفي مصر خصصت وزارة المالية حزمة بـ100 مليار جنيه (6.38 مليار دولار) لمواجهة الآثار المحتملة للفيروس، ووجه البنك المركزي بإلغاء الرسوم والعمولات المطبقة على رسوم نقاط البيع والسحب من الصرافات الآلية والمحافظ الإلكترونية لمدة 6 أشهر وزيادة الحدود اليومية للتعامل ببطاقات الخصم والائتمان.

من جانبه دعا العاهل المغربي، محمد السادس، الحكومة إلى الإنشاء الفوري لصندوق خاص لتدبير ومواجهة الوباء، ورصد له نحو 1.1 مليار دولار، ويخصص لتأهيل الآليات والوسائل الصحية، سواء فيما يتعلق بتوفير البنيات التحتية الملائمة أم المعدات والوسائل التي يتعين اقتناؤها بكل استعجال، كذا دعم الاقتصاد الوطني والحفاظ على مناصب الشغل والتخفيف من التداعيات الاجتماعية لهذه الأزمة.

العالم على ذات الخطى

العديد من الدول الأجنبية اتخذت ذات الإجراءات التحفيزية هي الأخرى، منها فرنسا التي أجلت الجولة الثانية من الانتخابات بعد ارتفاع أعداد الإصابات بها، مع تعليق مشروع إصلاح قانون التقاعد الذي يتظاهر الفرنسيون ضد تعديله منذ أشهر طويلة، فيما أعلنت الحكومة عن مساعدات بقيمة 45 مليار يورو (50 مليار دولار تقريبًا) لدعم الشركات والموظفين.

كما خصصت الدولة اعتمادات بـ300 مليار يورو، لحماية الشركات من الإفلاس، إضافة إلى إعفاء الشركات من الضرائب، وإعفاء الشركات الفرنسية الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر من دفع فواتير المياه والكهرباء والغاز والإيجارات.

وفي ألمانيا تم رصد موازنة ضخمة لمواجهة الأزمة، حيث أعلنت حزمة من القروض للشركات للحفاظ على عملها، فيما تم إقرار خطة لتأمين المساعدات الاقتصادية والاجتماعية والصحية بقيمة 550 مليار يورو (614 مليار دولار)، بينما ناشد وزير العمل هوبرتوس هايل رؤساء الشركات ومديري الهيئات العثور مع موظفيهم على حلول غير بيروقراطية ومشتركة بشأن رعاية الأطفال، حتى لا يتعرض الآباء لخسائر في الأجور.

أما في النرويج فلجأت الدولة إلى تقديم مساعدات مباشرة لكل المواطنين المعطلين عن العمل، بجانب 100 مليار كرونة (9 مليارات يورو) للشركات في البلاد لدعم الاقتصاد ومساعدتها على التغلب على الأزمة التي سببها وباء كوفيد- 19، وسيتم إنشاء صندوق ضمان أول لا يقل عن 50 مليار كرونة لصالح الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وصندوق سندات الدولة الثاني بسقف يصل إلى 50 مليار مخصص للمجموعات الأكبر.

أمريكيًا.. وبعد إعلان الرئيس دونالد ترامب حالة الطوارئ، رصدت الدولة 50 مليار دولار لمساعدة الولايات على محاربة الفيروس، فيما تشير بعض المصادر الإعلامية الأمريكية إلى أن إدارة ترامب ستطلب نحو 850 مليار دولار لحماية الاقتصاد من التبعات الاقتصادية لكورونا.

ربما تحافظ تلك الإجراءات على الحد الأدنى من الاستقرار في منظومة الاقتصاد العالمي، لكنها من الصعب أن تضمن هذا الحد إذا استمرت الأوضاع على منوالها الحاليّ

وفي السياق نفسه صوت مجلس النواب الأمريكي بأغلبية ساحقة، على حزمة مساعدات لمواجهة انتشار الوباء، تتضمن إجازة مرضية وأسرية مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين للمتضررين من الفيروس، وستحصل الشركات على تخفيض ضريبي لمساعدتها في تغطية التكاليف.

وفي روسيا، أعلنت الحكومة استخدام 300 مليار روبل (نحو 4 مليارات دولار) من الاحتياطي لتغطية احتياجات الإنفاق ذات الأولوية، وذلك خلال اجتماع حكومي بحث الإجراءات اللازم اتخاذها لمواجهة انتشار فيروس كورونا وتدابير دعم الاقتصاد الوطني.

كذلك كشف رئيس الحكومة عن تأسيس صندوق لدعم الشركات والمواطنين المتضررين من الأزمة الحاليّة، مشيرًا إلى أن الحكومة ستسهل إجراءات الإقراض للشركات، حيث ستقدم قروضًا بشروط ميسرة، بجانب تأجيل موعد سداد الضرائب المستحقة بقطاعي الطيران والسياحة.

علاوة على الوضع المتأزم في إيطاليًا صحيًا، وما تبعه من تداعيات اقتصادية كارثية، فقد أقرت الحكومة مساعدات مالية قدرها 25 مليار يورو، لدعم اقتصاد البلاد في مواجهة تداعيات انتشار الوباء، وقال رئيس الوزراء جوزيبي كونتي، إن الهدف من دعم الاقتصاد حماية العائلات والعمال والمستثمرين، فيما ذكرت وسائل إعلام محلية، أن 3.5 مليار يورو، ستُخصص للاحتياجات العاجلة في قطاع الصحة و10 ملايين يورو لدعم الأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة، وما يتبقى سيخصص لدعم قطاع الصحة والشركات الطبية والمستشفيات الخاصة في منطقة "لومبارديا" (شمال)، الأكثر تضررًا من الفيروس.

الأمر لم يختلف كثيرًا في الدول الأخرى، ففي نيوزيلندا تم الكشف عن حزمة مساعدات بقيمة 12.1 مليار دولار نيوزيلندي (7 مليارات دولار) بما يُعادل نحو 4% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، لدعم الاقتصاد، وفي الدنمارك بقيمة 100 مليار كرونة دنماركية (13 مليار يورو) لإبقاء الشركات الدنماركية واقفة على قدميها.

كما خصصت أيرلندا 3 مليارات يورو في محاولة لحماية اقتصاد البلاد، بينها بنحو 2.4 مليار يورو، لدعم دخل الذين يقومون بالعزلة الذاتية أو الذين تم تشخيصهم، فيما تم تخصيص 435 مليون يورو للخدمة الصحية، وفي السويد تم الإعلان عن خطة بقيمة 28 مليار يورو، وقالت وزيرة المالية ماغدالينا أندرسن خلال مؤتمر صحافي في ستوكهولم: "بموجب الخطة ستتولّى الدولة دفع حصة أكبر من أجور الأشخاص الذين يتم تسريحهم مؤقتًا بسبب تراجع أعمال أرباب عملهم. كذلك يمكن للشركات، بموجب الخطة، أن ترجئ دفع ضرائبها".

هذا بجانب تدشين المفوضية الأوروبية صندوق استثماري للاتحاد بقيمة 25 مليار يورو (28 مليار دولار) للتغلب على الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الفيروس، بينما تستعد بريطانيا لإدخال تعديلات جوهرية على خطة الإنفاق العام بما يستجيب لاحتياجات مكافحة الوباء، والحكومة تعلن حالة الطوارئ الاقتصادية إلى جانب الطوارئ الصحية.

فقد كشف وزير الخزانة البريطانية ريشي سوناك، حزمة بقيمة 30 مليار جنيه إسترليني (نحو 37 مليار دولار) لتعزيز اقتصاد بلاده وحمايته من تداعيات الوباء، محددًا حزمة إنفاق عام وتخفيضات ضريبية بقيمة 12 مليار جنيه إسترليني (14.8 مليار دولار أمريكي) للتخفيف من تأثير الفيروس، هذا بجانب إجراءات مالية أخرى من المتوقع إعلانها خلال الفترة المقبلة.

ربما تحافظ تلك الإجراءات على الحد الأدنى من الاستقرار في منظومة الاقتصاد العالمي، لكنها من الصعب أن تضمن هذا الحد إذا استمرت الأوضاع على منوالها الحاليّ، فالقفزات السريعة التي يحققها كورونا سواء فيما يتعلق بمدى الانتشار أم عدد الوفيات، تنذر بأن القادم ربما يحمل الكثير من التحديات وهو ما يضع الجميع في موقف حرج، ليبقى الجميع في انتظار الكشف عن علاج فعّال لهذا الوباء يقي العالم مغبة الولوج في مستنقع الركود التام.