الأزمة السياسية في العراق لا تزال تراوح مكانها بخصوص مشاورات الكتل والقوى السياسية لاختيار مرشح مرضيّ عنه لرئاسة الحكومة، رغم تكليف رئيس الجمهورية برهم صالح لعدنان الزرفي الذي يلقى رفضًا شخصيًا وسياسيًا من القوى القريبة من إيران داخل البيت الشيعي لاعتبارات عدة.

الرفض الشخصي للزرفي

يُصنف عدنان الزرفي بأنه شخص ذو ميول علمانية ليبرالية وتوجهات مدنية غير دينية، رغم أنه يقلد مرجعية النجف العراقية من الناحية الدينية، وهذا ما يقلق الأطراف العقائدية ذات التوجهات الدينية المذهبية التي تقلد مرجعية قم سرًا وعلنًا وتأتمر بأوامرها، خاصة مع وجود صراع صامت بين قم والنجف يتمظهر هنا أو هناك بين فترة وأخرى.

من جهة ثانية، يؤمن عدنان الزرفي بالحد الأدنى من الدولة ويؤيد حصر السلاح بيدها، وقد صرح بذلك علنًا في مناسبات عديدة وهو ما يقلق الميليشيات ونفوذ إيران التي تعتمد بشكل كبير على انفلات السلاح الذي يحمي الفساد من المحاسبة.

يحمل عدنان الزرفي شخصيةً قويةً وجريئةً بحسب ما نُقل عن مقربين منه، وهذا يخالف مساعي الأحزاب ذات المصالح التي تبحث عن شخصية ضعيفة تُمرر من خلفه الصفقات دون أن يكون له موقف منها أو يعترض عليها كما كان ولا يزال عادل عبد المهدي الذي تسعى الكتل للإبقاء عليه لأطول فترة ممكنة.

صورة

الرفض السياسي للزرفي

بعد فشل "اللجنة السباعية" الممثلة عن القوى الرئيسية داخل البيت الشيعي في التوصل لنتيجة واختيار شخصية توافقية في الفترة المحددة دستوريًا بـ15 يومًا التي انتهت يوم 17 من مارس من الشهر الحاليّ، كلف رئيس الجمهورية برهم صالح عدنان الزرفي رئيس كتلة النصر داخل مجلس النواب تجنبًا لخرق المدة الدستورية كما حصل في فترة تكليف توفيق علاوي - المكلف السابق الذي فشل - التي حصل فيها خرق للدستور لمدة شهر ونصف!

لم يتفق رئيس الجمهورية مع جميع القوى الشيعية في اختيار وتكليف عدنان الزرفي، لأنهم غير متفقين أساسًا على مرشح معين، لذا نسق مع كتلتي سائرون التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وكتلة النصر التابعة لرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وهو ما أدخل القوى القريبة من إيران في موجة غضب شديدة وردات فعل عنيفة لا تخلو من التهديد والتحذير من الحرب الأهلية والإخلال بالسلم الأهلي، وقد سقطت عدة صواريخ قرب المربع الرئاسي في المنطقة الخضراء بعد التكليف، وكانت أقرب إلى قصر السلام منه إلى السفارة الأمريكية في رسالة تهديد واضحة لا تخلو من رائحة البارود.

العداء لرئيس الجمهورية

استغل برهم صالح صلاحيات رئيس الجمهورية باحترافية وخلق لمنصبه الفخري قيمة سياسية من خلال رفض مرشحي ائتلاف الفتح الذين لا ينسجمون مع مطالب المحتجين كما وصفهم، مما خلق ذلك حالة عداء بينه وبين قوى التحالف، فقد رفعت كتلة "صادقون" المنضوية في الفتح دعوى قضائية ضده بتهمة انتهاك الدستور، في إشارة إلى رفضه لمرشحيهم وعدم رضوخه للشخصيات المقدمة، في محاولة للضغط عليه لتمريرهم مع انتهاء المدة الدستورية، علمًا أنه أوصل رسالة قبل انتهاء المدة بضرورة الإسراع في تقديم مرشح، لكن ذلك لم يحصل حتى بعد تكليف عدنان الزرفي.

صورة

فوضى التفسيرات الدستورية

لكي يتجاوز رئيس الجمهورية برهم صالح الكتل القريبة على إيران التي لم تتفق على مرشح، وليتجنب خرق الدستور في اختيار وتكليف شخص آخر قبل انتهاء المدة الدستورية حسب المادة 76 خامسا، قدم طلبًا للمحكمة الاتحادية لتفسير تلك المادة بعد حديث متناقض من محللين قانونيين عن صلاحياته في التكليف والاختيار، فكان الجواب أن منحت المحكمة الاتحادية رئيس الجمهورية صلاحيات الاختيار والتكليف بعد أن أخفقت الكتل الشيعية في الاختيار لمرتين في الدورة البرلمانية الحاليّة (عادل عبد المهدي وتوفيق علاوي) كما جرى العرف السياسي بعد 2005 بجميع مسارات وتشكيلات الحكومات العراقية المتعاقبة من أن تكون مهمته التكليف فقط بعد ترشيحهم لشخص يتوافقون عليه داخل البيت الشيعي.

القوى الرافضة للزرفي حاولت التشكيك بدستورية التكليف والاختيار الذي قام به رئيس الجمهورية دون الرجوع إليها، رغم أن المحكمة الاتحادية مهمتها تفسير النصوص الدستورية وتكون قراراتها باتة وملزمة لجميع السلطات ولا تخضع إلا للقانون، كما أن تفسيراتها تضاهي مواد الدستور، لكن ما فعلوه أن دفعوا مجلس القضاء الأعلى لتقييم ونشر ما أسموه (وجهة نظر) بشأن تفسير المحكمة الاتحادية ووصف المجلس تفسير المحكمة الاتحادية بالخاطئ، علمًا بأن مجلس القضاء خاضع للمحكمة، ولا يمتلك لا الصفة ولا الصلاحية في التفسير، في محاولة للشوشرة والتهريج الإعلامي ووضع العراقيل أمام المرشح الذي كلفه رئيس الجمهورية غير المرضي عنه من حلفائهم.

المحكمة الاتحادية كانت دائمًا أداةً سياسيةً بيد الطرف الأقوى في العراق، وقد فسرت تفسيرات متناقضة في مسيرتها واستخدمت كأداة سياسية، لكن أن يدخل مجلس القضاء الأعلى على خط منافسة المحكمة في سلطاتها يُعد أمرًا فوضويًا وتسييسًا مفضوحًا لمؤسسة قضائية تتنافس وربما تتصارع على صلاحيات السلطة القضائية التي لم ينظمها ويحددها مجلس النواب، لعدم تشريعه قانون السلطة القضائية إلى هذا اليوم لأنه يتعارض مع مصالح الأحزاب الفاسدة ويعيق عملها. 

صورة

واشنطن وطهران

رفض مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر اعتبار عدنان الزرفي أمريكي الولاء، لكنه لم يرفضه ولمح بأن هناك توافقًا في الأهداف والمساعي بين رؤية واشنطن والزرفي، كما تحدث وزير الخارجية الأمريكي بومبيو عن دعم مشروط للزرفي، إذا حافظ على حقوق الإنسان والسيادة وكانت حكومته خالية الفساد. يصنف الزرفي على أنه أمريكي الهوى ويحمل الجنسية الأمريكية ولديه رؤى وآراء تخدم سياسة الولايات المتحدة، كحصر السلاح بيد الدولة وعدم مولاة إيران واستقلال السياسة العراقية عن إيران لذلك فهو مقبول أمريكيًا. 

لكن طهران لم تبد أي موقف معلن بخصوص عدنان الرزفي، على عكس موقفها الواضح والمعلن من تكليف سابقه توفيق علاوي، عندما وصفه مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي "بالمؤمن والمقاوم"، لكن موقفها يبدو واضحًا من خلال حلفائها الأقربين برفضه رفضًا قاطعًا، كما صدر تصريح من محمد الحيدري ممثل علي خامنئي في بغداد يعبر عن موقف واضح من الزرفي عندما قال إنه يشم منه رائحة الدم وتوليه سيقود البلد إلى الدمار، مما يعني أنه مرفوض إيرانيًا بشدة لأنه ليس مواليًا لها ولا يتبنى مصالحها كما جرت العادة.

أخيرًا، إن الخلافات السياسية الكبيرة والعميقة والانسداد السياسي الحاصل، سيقود بالضرورة إلى كسر الإرادات ولي الأذرع في المرحلة المقبلة، إذا لم يتم الاتفاق على شخصية معينة، فالحالة السياسية تفرض الدفع باتجاه إحداث نقلات غير متوقعة ومفاجئة للوصول لحل يضعف أحد الأطراف ويجعلها ترضخ للطرف الآخر، وهذه الحالة لن تمر دون دماء ولن تكون سلمية.