اضطرت العديد من الدول، مع انتشار فيروس كورونا، إلى تعليق الدراسة، منها الدول المغاربية التي سارعت إلى إغلاق مدارسها وإعلان إمكانية التوجه إلى التعليم عن بعد ضمن تدابير عدة اتخذتها السلطات هناك لمنع انتشار الفيروس، لكن السؤال المطروح الآن: هل هذه الدول جاهزة للتعليم عن بُعد؟

تونس.. بنية تحية ضعيفة

بداية تعليق الدروس كانت من تونس، حيث أعلن وزير الصحة التونسي في الـ9 من مارس/آذار الحاليّ تقديم العطلة المدرسية والجامعية وإيقاف الدروس ابتداءً من يوم 12 من نفس الشهر، كإجراء وقائي للحد من انتشار فيروس كورونا، بعد ارتفاع عدد الإصابات في تونس حينها إلى 5 إصابات.

بعد تفاقم الوضع واستحالة الرجوع إلى مقاعد الدراسة في الموعد المحدد، وهو نهاية هذا الشهر، اتخذت وزارة التعليم العالي في تونس قرارًا بتعميم الدراسة عن بعد بالمؤسسات التابعة لها بالاعتماد على وسائل التعليم الافتراضية.

وأوضح وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم شورى في تصريح إذاعي أن الطلبة بإمكانهم تنزيل الدروس التي سيعدها الأساتذة عن بعد، مشيرًا إلى أن تنزيل الدروس سيكون مجانًا وذلك بالتعاون مع مشغلي الهواتف الجوالة الثلاث، فيما سيتم مد الطلبة الذين ليست لهم تغطية أو إنترنت بنسخة ورقية من الدروس.

هذا القرار، رفضته نقابات طلابية على غرار الاتحاد العام التونسي للطلبة الفائز بأغلبية المقاعد في انتخابات المجالس العلمية بالجامعة التونسية، ويرجع أمينه العام حمزة العكايشي هذا الرفض إلى أسباب عدة، تحدث عنها لنون بوست.

يقول العكايشي: "في الوضع الحاليّ لتونس لا يمكن تأمين الدراسة عن بعد لعديد الأسباب، فشبكة الإنترنت مثلًا غير متاحة لعموم الطلبة حتى على مستوى الولايات الساحلية، فالشبكة ضعيفة ولا يمكن لها أن تؤمن الحد الأدنى المطلوب"، مضيفًا "التدريس عن بعد لا يمكن تأمينه لكل الاختصاصات وخاصة مع وجود الأشغال التطبيقية في الكثير من الاختصاصات، أما لوجستيًا فالطلبة غير قادرين على الدراسة عن بعد نظرًا لعدم توافر الهواتف الذكية أو الحواسيب".

وللعكايشي أسباب وجيهة أخرى للرفض أيضًا، حيث يقول في هذا الشأن: "في فترة قصيرة كيف سيتمكن الأساتذة من إيصال المعلومة عبر هذه الآلية التي يرفضها العديد من الأساتذة، فالعديد منهم لا يفقهون كيفية فتح حاسوب أو إرسال رسالة"، ويقترح حمزة العكايشي "تأخير العودة إلى مقاعد الدراسة بالتوازي مع توفير الإمكانات اللازمة والتحضير قدر المستطاع إلى الدراسة عن بعد لأنه إذا طالت الأزمة إلى حدود يوليو أو أغسطس فإن الدراسة عن بعد ستكون البديل الوحيد لما نعيشه".

وترتكز عملية التعليم عن بعد في تونس على جامعة تونس الافتراضية، التي أُنشئت في يناير/كانون الأول 2002، في إطار سياسة عصرنة التعليم العالي وتجديده وانفتاحه أمام كل التونسيين، وتقوم هذه الجامعة بتأمين تكوين اشهادي فعلي في 11 ماجستيرًا و9 إجازات لفائدة ما بين 850 و1000 طالب، كما توفر منصة لبقية الجامعات والطلبة للتكوين في بعض المواد الخاصة لقرابة 45 ألف طالب.

تباين النتائج في المغرب

أما في المغرب، فمع استفحال وباء كورونا "كوفيد 19" في المملكة وتهديده لعموم المغاربة عقب تسجيل مجموعة من الإصابات لمواطنين مغاربة قادمين من دول أوروبية، اتخذت الحكومة المغربية حزمة من الإجراءات الوقائية تتعلق أساسًا بإخلاء معظم الأماكن التي تعرف تجمعات بشرية مكثفة.

من بين الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية لتطويق الوباء وكبح انتشاره، توقيف الدراسة والتكوين في جميع المؤسسات التعليمية والجامعات والمعاهد، وواكبت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب هذا التوقف الاضطراري للدراسة بالقيام بعملية "التعليم عن بعد" لفائدة جميع التلاميذ والطلبة، حيث ترتكز هذه العملية على استعمال وسائل التكنولوجيا.

ووفقًا للأستاذ والباحث بمركز الدكتوراه للتخطيط الجهوي والتنمية الترابية، عبد الوهاب السحيمي، فقد أعدت الوزارة موقعًا توضع فيه دروس مصورة لجميع المستويات مع التركيز على المستويات الإشهادية، كما تم تجنيد القناة التلفزية الثقافية الرابعة لبث دروس مصورة لأساتذة يتم متابعتها من طرف المتعلمين بناءً على برنامج يُنشر سلفًا، وذلك لكي يتسنى لكل مستوى معرفة توقيت بث دروسه على القناة.

يضيف السحيمي لنون بوست "خلال اليومين الأخيرين أعلنت كل من قناة الأمازيغية وقناة العيون الجهوية انخراطهما في هذه العملية، وذلك من أجل بث الدروس لجميع المستويات وليس فقط المستويات الإشهادية، حرصًا على مصلحة المتعلم في التحصيل الدراسي، بالإضافة إلى القنوات التلفزية والموقع الذي أعدته الوزارة، يعد عموم الأساتذة يوميًا دروسًا مصورة في منازلهم ويتم بعثها لمتعلميهم في مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي (واتساب أو فيسبوك)، كما تستخدم تقنية الأقسام الافتراضية بالاعتماد على تطبيق "تيمز Teams".

ويوضح الحسيمي "في المناطق الحضرية وشبه الحضرية والمتاخمة للمدن، حيث معظم الآباء لهم مستوى تعليمي محترم والظروف الاجتماعية للأسر متوسطة وأكثر، تعرف عملية التعليم عن بعد نجاحًا ملحوظًا، أما في المناطق النائية حيث ضعف تدفق الإنترنت وأمية الآباء والفقر، عرفت العملية فشلًا ذريعًا".

وأضاف "يمكن أن تكون هناك مؤاخذات عن العملية، لكن في ظل الظروف الراهنة وطول مدة توقف الدراسة الذي يمكن أن يتجاوز 45 يومًا، يبقى التعليم عن بعد وسيلة لضمان تعلم التلاميذ ولو في الحدود الدنيا، مع العمل على تطويرها وتجويدها مستقبلًا".

وبعد أكثر من أسبوع من تنزيل هذا العملية وبدء العمل بها، يرى عبد الوهاب الحسيمي أن مستوى نجاحها يبقى متباينًا من منطقة إلى أخرى ومن أسرة إلى أخرى.

استحالة المرور إلى التعليم عن بعد

وفي الجزائر، فقد أمر رئيس البلاد عبد المجيد تبون، بعد استشارة الوزراء المعنيين، بإغلاق مدارس التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، ابتداءً من يوم 12 من مارس/آذار 2020، وحتى انتهاء العطلة الربيعية في الـ5 من شهر أبريل/نيسان القادم.

ورغم عدم وجود بوادر لعودة العمل في المدارس والجامعات في الفترة القريبة، نتيجة عدم التوصل إلى لقاح أو دواء للحد من انتشار فيروس كورونا، لم تتحدث السلطات الجزائرية بعد عن إمكانية اعتماد التعليم عن بعد إلى حد الآن.

ونظرًا للعديد من المعطيات، فإنه من الصعب على الجزائر انتهاج هذا التوجه، وفقًا للأستاذة في الجامعة الجزائرية سلمى ربيعي، وتؤكد هذه الأخيرة في حديث لنون بوست أن بلادها لا تملك الخبرة الكافية في هذا المجال، وتضيف "تم تجريب فكرة التعليم عن بعد من خلال دراسة الماجستير لاختصاص الحقوق فقط وهذه التجربة لم تعمم، لذلك فإنه من المستحيل أن تلجأ الجزائر لهذا الخيار"، مؤكدة "الوزارة لم تتصل بهم كأساتذة ولم يطرح هذا الخيار أصلًا".

وأضافت "هذا الخيار يعتبر غير صائب بالنسبة لنا، فحتى الأساتذة سيلاقون العديد من الإشكالات في هذا الأمر، فبحكم خبرتي وتدريسي في الجامعة أرى أنه لو اختارت الوزارة التعليم عن بعد كحل سنعيش فوضى كبيرة لأننا غير متحكمين في هذا الأمر والإمكانات محدودة".

وتشير الأستاذة الجزائرية في حديثها إلى أن الرؤية في بلادها غير واضحة، فبعد 5 من أبريل ستكون هناك معطيات أخرى إما استئناف الدراسة أو تقليل السداسي الثاني واستئناف الدراسة في أغسطس أو سبتمبر المقبل.

بالمحصلة، فرضت جائحة كورونا تحديات مهولة على مختلف دول العالم بما فيها بلدان المغرب العربي، وأمام حكومات المنطقة الكثير من العمل لإثبات جدارتهم في المواجهة الصعبة مع الوباء، لا كمرض وحسب، وإنما أيضًا كتبعات خلفتها مواجهته بفعل العزل والتباعد الاجتماعي، وعليها أن تستفيد من دروسه لتطوير بنيتها التحية في هذا المجال الحيوي، شأنه شأن القطاع الصحي وقطاع الأعمال.