لم يكن غريبًا أو غير متوقع حالة الغضب الشديد التي بدت عليها واشنطن خلال الساعات الماضية، واللجوء إلى سلاحها الباتر وفرض عقوبات مالية مفرطة بمليار دولار على أفغانستان، بعد أن أصبحت أمام احتمالات مؤكدة لإفشال اتفاقها التاريخي للسلام مع حركة طالبان الذي وقعته في الـ10 من الشهر الحاليّ، بعد مشاورات استمرت نحو عام كامل، لإنهاء أطول حرب في التاريخ الأمريكي، وكأنها تحصد ثمار تفخيخها للمجتمع الأفغاني، باتفاقيتها الغامضة مع طالبان التي هدفت لتحصين المصالح الأمريكية وحدها دون أي مراعاة لأي اعتبارات أخرى.

ما الذي حدث؟ 

بعد مفاوضات استمرت نحو 8 ساعات في العاصمة كابول، مع عدد كبير من المسؤولين الأفغان المعنيين بتطبيق اتفاق السلام الذي تم بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، فشل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في حل الخلاف بين الرئيس الأفغاني أشرف غني ومنافسه عبد الله عبد الله الذي عين نفسه أيضًا رئيسًا للبلاد، حدث ذلك في وقت تعيش فيه العلاقات بين طالبان وأمريكا حالة من النضج والتفاهم، ظهرت من خلال اللقاء الذي عقده بومبيو مع كبير المفاوضين في الحركة الملا برادار في قاعدة العديد الجوية بقطر.

كان بومبيو يحاول دفع غني وعبد الله للتوصل لتفاهمات على أسس الاتفاق الأمريكي مع طالبان، وتشكيل حكومة يكون مهمتها مواجهة تحديات السلام والأمن في المقام الأول، وفي الخلفية توفر ـ بقدر الاستطاعة ـ الصحة والرعاية الاجتماعية للمواطنين الأفغان، وفي سبيل ذلك تخلت أمريكا عن كل شيء، بما فيه إقامة نظام ديمقراطي وفق المعايير الأمريكية، وهي اللافتة التي رفعت لواءها حين قررت تغيير أنظمة هذه البلدان بالقوة قبل نحو عقدين، ولم يجد بومبيو حرجًا في كشف أهدافه كاملة، مؤكدًا أن بلاده منفتحة على كل الخيارات، بما في ذلك تشكيل حكومة شمولية استبدادية، المهم في النهاية توفير الأمن وإنجاح صفقة بلاده مع طالبان.

صورة

يمكن القول إن الانتكاسة الحقيقية، وربما الذي لم تتوقعه أمريكا، هو تمرد الحكومة الأفغانية على اتفاقها المنفرد مع حركة طالبان ورفضها الخضوع الكامل لشروطها، بعد تجاهل أخذ رأيها قبل إبرام اتفاق مع طالبان من أجل تنفيذ انسحاب كامل للقوات الأمريكية من أفغانستان في غضون 14 شهرًا على أن تضمن إدارة ترامب في المقابل، إفراج نظام أشرف غني عن ما يصل إلى 5000 سجين من طالبان، مقابل إفراج الحركة عن نحو 1000 عنصر من قوات الأمن الأفغانية التي تحتجزهم لديها. 

ويبدو أن الرئيس الأفغاني لم يجد منفعة له من تمرير الاتفاق الأمريكي مع طالبان، ولهذا تهرب من تنفيذ أحد أهم مراحله، التي كانت ستبدأ منتصف الشهر الحاليّ، بإجراء محادثات مباشرة مع الحركة الجهادية الشهيرة في أوسلو بالنرويج، لتحقيق وقف دائم لإطلاق النار وإطلاق تسوية سياسية من شأنها أن تحدد دورًا لطالبان في مستقبل البلاد، مما يعني أنها ستسترد عرشها وكرسي الحكم، لا سيما أنها الأكثر شعبيةً ونفوذًا في البلاد حتى الآن. 

تحجج غني بعدم اقتناعه بشرط الإفراج عن السجناء واعتبره وعدًا لا يملك تقديمه للولايات المتحدة، ما يعني أنه يُفشل عمدًا اتفاق السلام الذي وقع عليه الممثل الخاص الأمريكي زلماي خليل زاد ورئيس حركة طالبان الملا عبد الغني بارادار، وحتى يرسخ صورة ذهنية لدى صانع القرار الأمريكي أن التوافق السياسي بين الأضداد الأفغان لا يمكن تسويته إلا بالدماء، وعليهم ترك البلاد وشأنها لمن يملك القدرة على الحسم. 

ماذا يعني اتفاق السلام مع طالبان لأمريكا؟

بالتأكيد يعني الكثير، فهو ينهي حربًا استمرت 18 عامًا، بدأت بغزو تحالف عسكري بقيادة الولايات المتحدة لأفغانستان، انتقامًا من هجمات 11 سبتمبر 2001، وأطاح التحالف بحركة طالبان التي كانت تحكم البلاد قبل خمس سنوات على هذا التاريخ، بسبب تقديمها ملاذًا آمنًا لزعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن، ولكن طوال هذه المدة قلبت طالبان الطاولة على الولايات المتحدة وقتلت أكثر من 2400 أمريكي، وخسرتها ما يقرب من تريليون دولار.

صورة

خسائر الجيش الأمريكي لعام 2018 في أفغانستان

الاتفاق الذي وقعته الإداة الأمريكية مع طالبان، أقر تخفيض القوات الأمريكية إلى 8600 جندي خلال أشهر، على أن تقتصر مهمة هذه القوات على تدريب الأفغان على ملاحقة الجماعات الدينية التي تعارض مصالح الولايات المتحدة ولا يمكن إيجاد صيغة للحوار معها مثل تنظيم الدولة الإسلامية، فالتجربة الأمريكية المريرة أكدت أنه لا حل عسكري للعقدة الأفغانية، ولهذا هدف ترامب لإيجاد حل سياسي لما أسماه الحروب التي لا تنتهي. 

وُقع الاتفاق الأمريكي مع طالبان في العاصمة القطرية الدوحة خلال الشهر الماضي، بعد أن قضى الجانبان عامًا كاملًا في تفصيل تفاصيله، وقدمت أمريكا لإنجاز هذا الاتفاق حزمة من المزايا منها إزالة أعضاء طالبان من قائمة العقوبات، يتبعه انسحاب نهائي للقوات الأمريكية، لكن صيغة الاتفاق صممت بعناية لتكون مشروطة، اعتمادًا على أداء طالبان وعدم دعمها للحركات المعادية لأمريكا، حتى لا تكرر تجربتها مع فيتنام في محادثات السلام بباريس عام 1973، والعزلة والمقاطعة التي فرضت على البلدين بعد الاتفاق، وهو الأمر الذي يرفضه ترامب بعد كل تضحيات بلاده في أفغانستان.

تعقيدات الاتفاق مع طالبان.. ماذا يريد ترامب؟ 

رغم القراءة التفاؤلية لمقاصد أمريكا من عملية الضغوط على أشرف غني لإنجاح الاتفاق مع طالبان والالتزام به، فإن قراءة بنود الاتفاق تجعلك في ريبة من الأهداف الأمريكية الحقيقية، التي تبدو كأن واشنطن قصدت تفخيخ وشل الحياة في أفغانستان بين الفرقاء قبل مغادرتها، ولكنها لم تتوقع اشتعال فتيل النيران بهذه السرعة، قبل مغادرتها بصفقة سياسية لترامب تعينه في الانتخابات الرئاسية القادمة.

يمكن القول، إنه رغم إعلان الاتفاقية بعد توقيعها من الطرفين، فإن قراءة نصوصها بعناية، تجعلك تتشكك في أن تكون هذه صفقة سلام، فهي لا تعد بوقف إطلاق نار طويل الأمد أو إنهاء الحرب في أفغانستان، فضلًا عن غموض بنود شروط ضمان السلام والأمن وحقوق الإنسان للشعب الأفغاني، والدليل شن أمريكا غارات جوية مكثفة على الحركة في أعقاب إعلان الصفقة معها!

الانتقال من وقف إطلاق النار قصير المدى إلى سلام طويل الأمد أمر صعب بل ولا ترغب به أمريكا

كما تفتقر الاتفاقية إلى آليات استثمار أمريكي حقيقية في بناء السلام والتنمية يكون محورها الإنسان وليس المصالح الأمريكية فقط، كما لم توضح كيفية إعادة بناء المجتمع الأفغاني، لا سيما أن أمريكا تدين لهذا الشعب بدين هائل، بعد كل هذه السنوات من الاحتلال والمعاناة التي تسببت له فيها، ما يلزمها أخلاقيًا بالمساعدة في إعادة بناء بلاده، وهو ما لم يحدث، ولم تتضمن بنود الصفقة مع طالبان، ما يشير إلى وجود إرادة سياسية حقيقية لذلك، ولم تغط إلا كيفيات الانسحاب وتدريب الأفغان على محاربة الجماعات المعادية لها وتمكين طالبان ولو على المدى البعيد، في الوقت الذي تركت فيه القضايا الشائكة دون تغيير، وهو ما فجر الصراع سريعًا بين الجبهات المتصارعة داخل البلاد.

لم تخدم الصفقة إلا مصالح ترامب السياسية، خصوصًا بعد إخفاقات سياسته الخارجية في الملف الإيراني وكوريا الشمالية وفلسطين، وما يؤكد هذه الفرضية، عدم تضمين الحكومة الأفغانية المدعومة أصلًا من الولايات المتحدة في الاتفاق، بل يمكن القول إن أمريكا استثمرت في الصراع بين الرئيس الحاليّ أشرف غني ومنافسه، بعد ادعاء كل منهما أنه الأحق بالفوز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ومنحت الرئيس وخصمه إيحاءت نفسية بدعمه على حساب الآخر، ولهذا رفضت اختيار فريق تفاوضي يعبر عن الشرعية في البلاد، لحضور الاتفاق مع طالبان والتعبير عن مطالبه، وكأنها تعبر عن رضاها بالصراع على الجبهة الحليفة لها بالأساس.  

حجج أمريكا التي ادعتها لتبرير تجاهل تمثيل الحكومة الأفغانية في الاتفاق مع طالبان، بسبب الصراع على الحكم، لا يمكن الوثوق بها بعد أن استبعدت المجتمع الأفغاني نفسه من الاتفاق، ولم تحرص على تمثيل فئاته المختلفة من الشباب والنساء والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، بما يقوض مصداقية الصفقة، في وقت تدعي فيه أنها ضمنت حقوق النساء، على الأقل في المناطق التي لا تخضع لسلطة طالبان. 

هذه المعطيات التي تؤكد تغييب الجهات الفاعلة ـ غير العسكرية ـ عن اتفاق مصيري، يكشف لأي قراءة سياسية أن الانتقال من وقف إطلاق النار قصير المدى إلى سلام طويل الأمد أمر صعب بل ولا ترغب به أمريكا، ولا يمكن التكهن أنها كانت تريد بالفعل بعد انسحابها، ترك البلاد في حالة تفاوضية تسمح لها ببناء سلام دائم وحياة جديدة في البلاد، فمثل هذه البنود الغامضة تزيد من حدة اشتعال الموقف، ولا تخلق فرصًا لحياة جديدة تناسب الواقع وحركة الزمن في المجتمعات وبما يؤدي إلى تغيير حقيقي في حياة الأفغان!