من المقرر أن تستضيف السعودية قمة المجموعة في نوفمبر القادم

أعلنت الرياض، عقد قمة استثنائية افتراضية لقادة مجموعة العشرين، غدًا الخميس، برئاسة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، لمناقشة "سبل المضي قدمًا في تنسيق الجهود العالمية لمكافحة جائحة كورونا والحد من تأثيرها الإنساني والاقتصادي".

تأتي القمة في وقت يشهد فيه العالم تفشي فيروس كورونا الذي أصاب حتى مساء أمس الثلاثاء، أكثر من 407 آلاف شخص بالعالم، توفي منهم ما يزيد على 18 ألفًا، ما أجبر كذلك معظم الدول على عدد من الإجراءات منها إغلاق حدودها وتعليق الرحلات الجوية وفرض حظر التجول وتعطيل الدراسة وإلغاء فعاليات عديدة ومنع التجمعات العامة وإغلاق المساجد والكنائس.

فيما سجلت السعودية نفسها حتى أمس أول وفاة بفيروس كورونا المستجد و205 إصابات مؤكدة جديدة، وهو أكبر معدل يومي على الإطلاق في المملكة، مما يرفع عدد المصابين فيها إلى أكثر من 750، في حين يبلغ عدد المتماثلين للشفاء 28، وسط إجراءات احترازية مشددة وعقوبات رادعة للمخالفين.

يذكر أن المملكة في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، تسلمت رئاسة مجموعة العشرين لمدة عام، وذلك خلال حفل أقيم في مدينة ناغويا اليابانية، فيما كانت تخطط لعقد العديد من الفعاليات الاستباقية قبيل انعقاد القمة المقرر لها يومي 21 و22 من نوفمبر القادم، غير أن المستجدات الأخيرة على الساحة فيما يتعلق بالوباء العالمي حال دون ذلك.

ورغم دعوات المقاطعة التي قوبلت بها القمة المرتقبة، فإن العديد من علامات الاستفهام فرضت نفسها مع دعوة السلطات السعودية عقد قمة افتراضية في هذا التوقيت بالذات، لا سيما في ظل تصاعد الانتقادات الحقوقية التي تتعرض لها المملكة بسبب سجلها الحقوقي المشين، سواء على المستوى الداخلي الذي وصل إلى أعلى قمة الهرم في التنكيل بالمعارضة، أم على المستوى الخارجي وما تشهده الساحة اليمنية من انتهاكات حولت البلد السعيد إلى أحد أسوأ بقاع العالم إنسانيًا.

مواجهة كورونا

الدافع المعلن وفق ما تناقلته وسائل الإعلام السعودية يتمحور حول مواجهة التداعيات المترتبة على تفشي فيروس كورونا خاصة الذي تسبب في إحداث هزة عنيفة في منظومة الاقتصاد العالمي تتطلب من القوى الاقتصادية المختلفة توحيد جهودها لمواجهته بحسب خبراء سعوديين.

الكاتب السعودي، علي بن حمد الخشيبان، يرى أن جدول أعمال المؤتمر سيوجه وبشكل مباشر ومحدد إلى دراسة تلك الآثار المحتملة لهذا الوباء وكيفية معالجتها وما يمكن أن تفعله الجهات المالية في العالم من أجل تخفيف تلك الآثار الاقتصادية خلف انتشار هذا الوباء.

وأضاف أن المملكة تطمح من خلال هذه القمة إلى بحث كل السبل المتاحة لمواجهة الفيروس ومعالجة تلك الآثار الاقتصادية التي سوف يخلفها هذا الوباء الذي يجتاح العالم ويصعب التكهن بمساره الزمني وحجم تأثيراته الاقتصادية المتوقعة التي سيخلفها، وتابع "المطلوب بحسب التصريحات الرسمية، يتمثل في توحيد الجهود الدولية والعمل مع المنظمات المعنية عالميًا وفي جميع المجالات من أجل تحديد الكيفية التي سوف يتم العمل من خلالها لمواجهة هذا الوباء العالمي".

وكانت الرياض قد دعت قبل أيام لعقد قمة استثنائية لقادة مجموعة العشرين حول الفيروس، حيث أجرت عددًا من الاتصالات المستمرة مع دول المجموعة للمشاركة في هذه القمة، التي أثارت الجدل فيما يتعلق بجدواها الحقيقية في ظل الظرف الاستثنائي الذي تمر به معظم دول المجموعة التي تنكفئ على نفسها هذه الأيام لمواجهة تداعيات الوباء الذي يسير بخطى مقلقة.

ارتفاع معدلات الإصابة بكورونا في السعودية

انتقادات حقوقية

تتزامن دعوة المملكة لقمتها الافتراضية مع دعوات أخرى وجهتها مجموعات حقوقية للدول الأعضاء في مجموعة العشرين للضغط على السلطات السعودية على خلفية تكثيفها لحملتها الأمنية ضد المعارضين التي تم على إثرها سجن عدد من الناشطات والصحافيين والمعارضين السياسيين.

وأشار الحقوقيون إلى أن الرياض خلال الآونة الأخيرة صعدت وتيرة انتهاكاتها الجسيمة بحق المدافعين عن حقوق الإنسان على المستوى الداخلي، في مقدمتها اعتقال ثلاثة أكاديميين وكتاب وناشطين على الأقل، في آخر حلقة من سلسلة الحملات الأمنية التي استهدفت المثقّفين خلال العامين الماضيين.

مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية هبة مرايف في بيان لها قالت: "تتولى السعودية رئاسة مجموعة العشرين وسط موجة جديدة من عمليات التوقيف التعسفية التي تستهدف منتقدين مسالمين، بينما يقبع الكثير من المدافعين عن حقوق الإنسان خلف القضبان، وبعد أكثر من عام بقليل على عملية قتل جمال خاشقجي المروعة"،  وأضافت "على قادة العالم ومجموعة العشرين الضغط على الأمير محمد لضمان جميع حقوق الإنسان بما في ذلك حرية التعبير والتجمّع السلمي".

ومن جهتها اعتبرت منظمة "مراسلون بلا حدود" أن إعلان تولي السعودية لرئاسة مجموعة العشرين يتزامن مع تنظيم مؤتمر عن الإعلام السعودي "الهدف منه تسويق صورة دعائية تغطي على الانتهاكات والتعسف على الصحافيين"، بحسب ما جاء في تغريدة للمنظمة المدافعة عن حرية الصحافة، على حسابها في تويتر.

تلميع صورتها عالميًا

كثير من الآراء ذهبت إلى أن القمة الافتراضية لا تعدو كونها وسيلة لتحسين صورة المملكة وتجميل سمعتها الدولية بعد الإدانات والانتقادات الدولية الأخيرة، وهو ما ألمحت إليه منظمة العفو الدولية التي أفادت بمقاطعة 220 من منظمات المجتمع المدني مقاطعة اجتماعات المجموعة.

المنظمات المقاطعة في بيان مشترك لها أشارت إلى أنه "بدلًا من إجراء الإصلاح الحقيقي، تحاول الحكومة السعودية التستر على سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان من خلال إقامة فعاليات دولية كبرى في البلاد"، موضحة: "كمنظمات مجتمع مدني رائدة موجودة في معظم البلدان حول العالم ولكن ليس في السعودية، لا يمكننا المشاركة في عملية تسعى إلى إضفاء الشرعية الدولية على دولة لا توفر فعليًا مساحة للمجتمع المدني، وحيث لا يسمح بوجود صوت مجتمع مدني مستقل".

ووفق البيان فإن المملكة حاولت الترويج لصورتها كدولة حديثة جاذبة للمستثمرين الأجانب، وأنفقت ملايين الدولارات لتلميع صورتها وقمع الانتقادات الموجهة لها من وسائل الإعلام الدولية، مضيفة أنه في غضون ذلك تواصل السعودية اعتقال ومحاكمة المدافعين عن حقوق الإنسان والرقابة على حرية التعبير وتقييد حرية الحركة وتعذيب وإساءة معاملة الصحفيين والنشطاء المحتجزين.

رئيسة منظمة الشفافية الدولية ديليا فيريرا روبيو علقت على القمة الافتراضية بقولها: "لن نشارك في عملية تسعى لتطهير سجل السعودية المروع في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني المستقل"، فيما أوضحت مديرة البحوث وأنشطة كسب التأييد في منظمة العفو الدولية نيتسانيت بيالي: "لقد حان الوقت للسلطات السعودية لاتخاذ خطوات ذات مغزى لوضع حد لعمليات الاحتجاز التعسفي والتعذيب والمحاكمات الجائرة، وإنهاء لجوئها الواسع النطاق إلى عقوبة الإعدام".

وأضافت: "نأمل أن يستمد العشرات من المدافعين عن حقوق الإنسان والناشطات في مجال حقوق المرأة خلف القضبان - مثل وليد أبو الخير ولجين الهذلول ورائف بدوي وسمر بدوي ونسيمة السادة - قوة من هذا التحرك التضامني من العديد من المنظمات في جميع أنحاء العالم التي لا تسمح بالتستر على السجل المروع للمملكة فورًا ودون قيد أو شرط، والأفضل إطلاق سراحهم، وأن يتمكنوا من المشاركة بشكل هادف مع حكومتهم في تطوير قوانين وسياسات تتماشى مع حقوق الإنسان في الداخل والخارج، بما في ذلك فيما يتعلق بمجموعة العشرين".

أما الأمين العام لمنظمة "سيفيكوس" فيرى أن السلطات السعودية جعلت "من المستحيل عمليًا على المدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني مزاولة عملهم، فالسعودية لا تتسامح مع حرية التعبير، والعديد من المدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين رهن السجن أو المنفى"، وعليه أعلن رفضه المشاركة في القمة.

وهكذا تحول السجل الحقوقي المشين للمملكة إلى شبح يطاردها كلما حاولت تجميل صورتها الخارجية، مهما أنفقت لأجل ذلك من مليارات، واستخدمت نفوذها السياسي، هذا بجانب التشكيك في جدوى مثل هذه القمة الافتراضية التي من المرجح ألا تخرج عن إطار التوصيات النظرية في ظل انشغال كل دولة بوضعها الداخلي.