تذهب أغلب الدراسات والقراءات التاريخية إلى أن ضم الأقطار العربية إلى السلطنة العثمانية لم يكن نتيجة الغزو أو الاحتلال بالمعني الكلاسيكي للكلمة، بل كان بمثابة تغيير لنمط الحكم والسلطة في تلك المناطق أملته الظروف والمعطيات التاريخية والاقتصادية، إضافة إلى رغبة البلدان العربية في الإصلاح الاجتماعي والسياسي والتخلص من المستعمر، ففي نهاية القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر كانت الدول الإسلامية الكبرى تعيش حالة من التفكك الداخلي العميق، ولم يبق من أمجاد الماضي إلا الصورة التي احتفظ بها الملوك والسلاطين خاصة في شمال إفريقيا (الموحدون وخلفاء الأسرة الحفصية في تونس وقسنطينة وطرابلس الغرب).

ويؤكد المهتمون بالتاريخ أن العثمانيين في تونس دام حكمهم قرابة أربعة قرون لم يفرضوا فيها اللغة التركية ولا المذهب الحنفي ولا "التتريك"، فيما دام الاحتلال الفرنسي أقل من سبعين عامًا دُمرت فيها اللغة العربية وسُلبت الهوية وزُرعت ثقافة التغريب، كما نُصّب عملاء المستعمر لاستنزاف خيراتهم وثرواتهم.

بانتصار الدولة العثمانية على الإسبان، وترك سنان باشا لقوة إنكشارية متمثلة في الفيلق 101 وقوامه 5 آلاف جندي إنكشاري لحماية تونس، وجعل الحكم فيها بين كبارهم، أصبحت السلطة في يد طبقة عسكرية تركية التي عملت على إقامة علاقات متنوعة مع الأهالي ليتشكل على مراحل مسار أدى إلى تطور النظام السياسي في اتجاه التقليص التدريجي للصبغة التركية للحكم مقابل المزيد من الاقتراب من الواقع المحلي، حيث مرّ نمط الحكم من التفويض المباشر إلى حكم الدايات ومنه إلى البايات.

عهد الباشاوات

انطلق منذ 1574 تاريخ الحكم المباشر التركي، حيث حول سنان باشا تونس إلى إيالة خاضعة لمركز الإمبراطورية (الباب العالي) وعادت السلطة العليا إلى الباشا الذي يمثل السلطان ويُعين لمدة 3 سنوات، مع الاستعانة بضباط الجيش الإنكشاري الذين شكلوا مجلس الديوان والقاضي أفندي الحنفي الذي تولى النظر في المسائل القضائية والدينية، وقد طبع هذا النظام بسمة عسكرية طاغية نظرًا لموقع البلاد المجاور للقوى النصرانية الأوروبية التي تبحث عن موضع قدم في شمال إفريقيا وتوسيع نفوذها.

ولم يفرض الباب العالي في هذه الفترة الإتاوات المالية المنتظمة على غرار الإيالات المشرقية، إلا أن إسراف المستفيدين من طريقة الحكم عجّل بتمرد العناصر السفلى من ضباط الوجق الإنكشاري أي الدايات سنة 1591 على كبار الضباط أو البلكباشية وإرساء حكم عسكري جماعي لم يعمر إلا بضع سنوات انفرد على إثره عثمان داي بالسلطة بعد أن تعهد بلعب حلقة الوصل بين الأتراك ومصالح أصحاب البلاد.

الدايات

نجح عثمان داي 1594- 1910 الذي استفاد من ثقة الإنكشارية واتساع ثروته المتأتية من إسهامه في التجهيز للقرصنة في الانفراد بالحكم وسن القوانين وحصن البلاد ونشط الحياة الاقتصادية بالمدن والأرياف، مشجعًا وفود المماليك والمهاجرين الموريسكيين (مهاجرو الأندلس)، وتواصل الاستقرار النسبي مع خلفائه المباشرين طيلة النصف الأول من القرن الـ17 مع يوسف داي (1610-1637) وأسطا مراد (1637- 1640) وأحمد خوجة (1640-1648)، ويعزى ذلك إلى ارتفاع مردود القرصنة البحرية الذي استفاد من الصعوبات التي واجهتها أوروبا خلال حرب الثلاثين من سنة 1618- 1648 كما عاينت هذه المرحلة تباينًا في المصالح بين حكام أوجاق الغرب الثلاث واتصل ذلك بمسألة ضبط الحدود مما ساعد على تشكل المجال الترابي لكل إيالة.

المراديون

حقبة المراديين في تونس بدأت مع المؤسس مراد كورسو الذي امتلكه رمضان باي ( 1598 - 1613 ) وهو أول من تولى قيادة (المحلة) الجهاز الجبائي والعسكري الموروث عن الحفصيين يجمع ضرائب مفروضة على دواخل البلاد، وتمكن كورسو من قيادة المحلة خلال عشرينيات القرن السابع عشر وورثها لابنه الوحيد محمد بن مراد باي المعروف بحمودة مكتفيًا بمنصب الباشا الذي جد في طلبه من الباب العالي وتحصل عليه سنة 1631.

اتخذ المراديون الملكية كنظام حكم وأعادوا الحياة السياسية التقليدية للحفصيين وتوارثوا خطة قيادة المحلة واعتمدوا على مداخيل الجباية وانفتحوا على رؤساء التجمعات الداخلية ومتنوا روابطهم المصلحية بهم وتحالفوا مع عدة قبائل ذات تقاليد عريقة في الخدمة المخزنية، وذلك لإخضاع القبائل الخارجة عن سلطة الدولة وبذلك تراجعت سلطة الدايات لتقوم سلطة البايات المراديين.

وطيلة القرن السابع عشر، سعت الإيالة التونسية في ظل الدولة المرادية إلى توخي سياسة خارجية تقوم على تعزيز الحكم الذاتي وتهدئة العلاقات المتوترة مع الجار الجزائري والتعاطي بندية واستقلالية مع القوى الأوروبية التي كانت تتصارع على النفوذ في المنطقة المتوسطية، إلا أن الفترة المرادية شهدت خلال الربع الأخير من ذات القرن أزمة حادة تضافرت على تعميقها عدة عوامل اقتصادية واجتماعية نذكر من بينها تراجع المبادلات وتدني الإنتاج وظهور المجاعات والأوبئة من (1676 - 1689) واندلاع الصراعات الداخلية التي أججها تنافس العائلة المالكة على الحكم، ما أدى إلى تدخل "أوجاق الغرابة " أي الفيالق العسكرية الخاصة بإيالة الجزائر (الإنكشارية) في ثلاث مناسبات وذلك خلال أقل من عقدين من الزمن في سنوات 1686و1694 و1705 واستفحلت الفوضى نتيجة لسياسة الباي مراد الثالث (1699 - 1702)، لتنتهي فترة حكم المراديين.

الدولة الحسينية

هم بايات حكموا تونس من 1705-1957 عن طريق المؤسس الحسين بن علي تركي (1705 - 1735) الذي ينتسب والده إلى مدينة كنديا بجزيرة كريت اليونانية، الذي استغل اضطراب الأوضاع السياسية في تونس واستولى على الحكم من المراديين بعد مقاومة أتراك الجزائر، حتى أصبحت دولته كيانًا قائمًا بذاته (على حساب الأتراك العثمانيين)، ونجح في توطيد حكم السلالة الجديدة بإحداث توازن سياسي وإداري بين مختلف العناصر الفاعلة في البلاد من كورغليين وأعيان وأتراك الذين أشركهم في الاستفادة من مخزنه في استغلال خيرات البلاد عن طريق اللزم والوكالات والوظائف والمناصب السامية، غير أن تطويره لسياسة الاتجار مع البلدان الأوروبية خلال عقد المعاهدات مع فرنسا (1710 - 1728) وإنجلترا سنة 1716 وإسبانيا سنة 1720 والنمسا سنة 1725 وهولندا سنة 1728، أوجدت معارضة قوية.

العائلة الحسينية الحاكمة بتونس استعملت منذ 1710، وبشكل تدريجي تصاعدي، عناصر تونسية محلية بالمدن وقبائل مخزنية بالأرياف لممارسة السلطة وبسط نفوذها على المستوى المركزي والمحلي وتثبت الوثائق الإدارية والدفاتر المحفوظة بالأرشيف الوطني ذلك، إلا أن الحروب العائلية التي عرفتها دولة الحسينيين في تونس من 1728 إلى 1756 في عهد (ابن أخ المؤسس) علي باشا (1735-1756) إلى غزو البلاد سنة 1756، أدت إلى قيام وصاية على تونس من طرف حكام الجزائر (دايات)، وخلفت الحرب الأهلية عدة نتائج خاصة منها عودة الانقسام وتعدد تدخل الأجانب من أتراك الجزائر سنوات (1705 - 1735 - 1746 - 1756) واتسمت تلك الفترة بفظاعتها الشديدة وارتبط فيها مصير حكام البلاد بمصير محكوميهم.

بعد تلك المرحلة، استعادت الدولة عافيتها في أثناء عهد علي باي بن حسين (1759-1782) ثم حمودة باشا بن حسين بن علي (1782 - 1814)، وسميت بالفترة الذهبية، بإحداثه تغییرات وإصلاحات مست مختلف مظاهر الحیاة الإدارية والاقتصادیة والعسكریة والعمرانیة والثقافیة، مع سعیه للمحافظة على تونسة هذه المظاهر وذلك بتخلصه تدريجيًا من الأتراك على مستوى الجيش والإدارة لصالح أعيان البلاد من أمثال الوزیر یوسف صاحب ورئیس الكتبة محمد بن محمد الأصرم، وقائد الجیش سلیمان الكاهیة، واكتمل استقلال القرار السياسي التونس في 1807 وأصبحت دولة كاملة السيادة، حيث بدأت في نفس الفترة عملية تعريب البلاد، من خلال إحياء الثقافة، كما تم إدخال نظام تعليمي أشرفت عليه الدولة.

استقلال والإصلاحات

نظام الحكم في تونس تحت السلطة العثمانية، نزع منذ مراحله الأولى إلى الاستقلالية التي تحولت تدريجيًا إلى نوع من الحكم الذاتي، وهو أمر بدا واقعًا ومقبولًا ضمنيًا من الإمبراطورية العثمانية التي لم يُعرف لها تدخلًا مباشرًا في هذا المسار رغم تنامي الحضور الأوروبي وسعيه لاحتواء المد التحرري التونسي والتحكم فيه وتوجيهه بما يخدم مصالحه وأغراضه الاستعمارية.

المؤرخون والباحثون أكدوا أن هذا النزوع التونسي نحو الاستقلال عن سلطة الباب العالي، برزت مؤشراته طوال هذه الفترة، وتعمق مع اختيار تونس في فترة حسين باي الثاني (1824-1837) لعلم غير الراية العثمانية، فهو يشبهها ولا يتماهى تمامًا معها، إضافة إلى حرص تونس تحت الحكم التركي على استعمال اللغة العربية والإحجام عن اللغة "العصمانالية"، فالوثائق التونسية التي جمعها وحفظها الوزير الأكبر خير الدين باشا، مؤسس خزينة حفظ مكاتيب الدولة سنة 1874، كتب أغلبها بالعربية.

وفي السياق ذاته، كشف المؤرخ الفرنسي روبارت منتران من خلال جرد الوثائق التركية بأرشيف دار الباي المتعلق بفترة ما قبل 1881، أن عدد الوثائق المكتوبة باللغة التركية لا يتجاوز 1500 وثيقة و100 دفتر من مجموع 400 ألف وثيقة و15 ألف دفتر، فيما أكّد الباحث التونسي زبير خلف الله أنه رغم طول حكم العثمانيين لم يتعلم التونسيون اللغة التركية لأنها ببساطة لم تفرض عليهم، بل تم تطوير اللغة العربية والتدريس بجامع الزيتونة، وظهر علماء وشيوخ كبار طبعوا بكتاباتهم تلك المرحلة.

وثائق التراسل مع الباب العالي باللغة العربية، وتواصل التعامل تونس مع الخارج كدولة مستقلة دون تفويض أو تنسيق مع إسطنبول، إضافة إلى رفض أحمد باي العمل بالإصلاحات التي أقرها الباب العالي سنة 1839، وتعلله "باختلاف الطباع والظروف"، في رسالة رفعها وزيره أحمد بن أبي الضياف، تُدلل على أن الدولة العثمانية لم تُمارس حكمًا مباشرًا على الإيالة التونسية ولم تسلبها قرارها السيادي، بل استمر هذا النزوع للاستقلالية إلى المؤرخون "ذ تأسيس مع اعتبره المؤرخون "الذاتية تونسية".

حيث شهدت الإيالة منذ 1860 إصلاحاتٍ عديدةً، تميزت بتأسيس الوزارة الكبرى ووزارة الحرب والبحر ومجلس لتدقيق الحسابات ووزارة للداخلية، وكذلك ظهور أول برلمان تونسي أطلق عليه "المجلس الأكبر" شفع بإصدار دستور سنة 1861، يفصل بين السلطات الثلاثة، كما تم إنشاء مجلة رسمية تسمى "الرائد التونسي"، كما سبقت تونس الإمبراطورية العثمانية في إلغاء العبودية سنة 1846، في حين تم ذلك في تركيا سنة 1847.

عهد الآمان

مستوحى من التنظيمات العثمانية الخيرية المتمثلة خاصة في مرسومي هاميون وشريف كلخانة، تضمن عهد الآمان الذي أعلنه محمد باشا باي يوم 9 من سبتمبر 1957 جملة من الحقوق والمبادئ السياسية والاجتماعية وردت ضمن 11 مادة من أهم ما جاء بها مبدأ المساواة أمام القانون والجباية وحرية ممارسة الديانات وحرية التجارة وسمح للأجانب امتلاك العقارات بعد أن حرموا من ذلك في عهد حمودة باشا الحسيني، وجاء عهد الأمان في مجمله كإجراء سياسي يوفر الأمن لسائر السكان ويضع حدًا للاستبداد والظلم والتفرقة بين سكان الإيالة أو المملكة التونسية.

دستور 1861

أول دستور في التاريخ العربي الإسلامي تولت لجنة من رجال الدولة وبعض العلماء إعداده وأعلنه محمد الصادق باي يوم 29 من يناير/كانون الثاني 1861 وحدد يوم 26 من أبريل/نيسان من نفس السنة كتاريخ ابتداء العمل به، واحتوى الدستور 114 فصلًا حددوا حقوق وواجبات العائلة المالكة والوزراء والموظفين والرعية، كما أقر مبدأ الفصل بين السلطات الثلاثة ونظم العلاقات بينها، فأعطى السلطة التنفيذية للباي لكن جرده في المقابل من عدة حقوق كالتصرف في أموال الدولة، وأصبح الباي مسؤولًا أمام المجلس الأكبر الذي بوسعه خلعه إذا خالف القانون.

أما السلطة التشريعية فجعلها الدستور مشتركة بين الباي والمجلس الأكبر الذي يتألف من 60 عضوًا، ثلثاه من أعيان البلاد والثلث الآخر من رجال الدولة، وللمجلس الأكبر النظر في ميزانية الدولة وله مراقبة الوزراء ومحاسبتهم، فيما أصبحت السلطة القضائية مستقلة عن الباي وأسندت إلى 10 مجالس جنايات وأحكام عرفية بمثابة المحاكم الابتدائية ومجلس التحقيق بتونس العاصمة بمثابة محكمة استئناف وأسندت مشمولات محكمة التعقيب إلى المجلس الأكبر، وانبثق عن الدستور إحداث مجالس كمجلس التجارة ومجلس الحرب ومجالس الضبطية (الحكم في الجنايات الخفيفة).

بالمحصلة، يمكن القول إن تونس تحت الحكم العثماني لم تكن خاضعة بشكل كلّي إلى سلطة الباب العالي، ومن خلال المعطيات سالفة الذكر، فإن الإيالة التونسية كانت تحظى باستقلالية القرار السياسي من خلال الصلاحات التي قامت بها على مستوى نظام الحكم والإدارة والتسيير أو من خلال الاتفاقيات التي أبرمتها مع الغرب وخاصة فرنسا دون الرجوع إلى إسطنبول، وكانت تُمارس سيادتها على مجالها الجغرافي، لذلك وجب على الباحثين إعادة صياغة فهم جديد للوقائع التاريخية وتبيان ما إذا كان دخول الأتراك لبعض الدول العربية استعمارًا أم وقوفًا في وجه القوى الإسبانية والبرتغالية التي كانت تُحارب باسم الصليب.