قد يبدو في ظاهر الأمر أن فيروس كورونا يعد تحدياً بيولوجياً يمثل خطراً على صحة الإنسان الجسدية، لكن بالنظر فيما يجب اتباعه من إجراءات لمواجهة حالة تفشي الفيروس التي تشكل التحدي الرئيسي للتغلب عليه بفاعلية حتى ظهور لقاح أو مصل له، سنجد أن جميعها يحتاج صلابة ذهنية على المدى المتوسط والبعيد وقدرات نفسية كبيرة حتى يُهزم الفيروس في أهم جانب من جوانب المعركة وهو جانب الوقاية.

أولا: التباعد الاجتماعي

تحدد الأبحاث الخاصة بفيروس كورونا مسافة تقدر بنحو متر ونصف بين كل فردين يتلقيان أو يتوصلان بشكل مباشر تجنبا لعدوى متحملة. وعلى الرغم من قصر هذه المسافة في أوقات تعطل الأعمال أو في حالة توقف الحياة في الشوارع الرئيسية وقلة الكثافة البشرية في التجمعات العامة حال أُغلقت، إلا أن تحديا آخر ينشأ بشكل جذري يتعلق بشعور نفسي لم يختبره الناس من قبل في حياتهم العامة، إنه شعور الحرمان من الالتصاق بمن يحبون وهم أمامهم أو قريبون منهم، سواء بالعناق أو التقبيل أو التهامس أو غير ذلك.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، ما هو حال الأجداد المتعلقين روحيا بأحفادهم الصغار ويرغبون في عناقهم أو تقبيلهم حال رؤيتهم، وما حال الأم التي تعود من عملها المضطرة له وتتباعد عن ابنها خشية نقل العدوى له وكذلك الحال مع الآباء، ناهيك عن الأصدقاء القريبين أو من يحتاج لدعم نفسي من شخص مقرب منه، وسيزداد هذا الاحتياج تدريجياً مع تزايد الأخبار السلبية المتعلقة بحالات الوفاة من الفيروس والإصابة به، فالهلع والأخبار السلبية مع حالة الغموض حول الفيروس وتضارب الأنباء بشأنه ستدفع الكثيرين للاكتئاب الشديد ومن ثم الاحتياج لهذه الحميمية في المشاعر وإشباع هذا الاحتياج بالتقارب من ذوينا ومن نرغب في الاقتراب منهم. وكنتيجة لذلك فإن الحرمان من هذا سيكون شعور صعب وليس هين نفسيا مع مرور الوقت سيحتاج صلابة نفسية وثبات عصبي قويان.

ثانيا: غسل الأيدي وتجنب لمس الوجه

قد يبدو للولهة الأولى أن سلوك غسل الأيدي وتجنب لمس الوجه سلوكاً سهلاً للغاية ومن ثم فإن تطبيقه يكفل لك عدم انتقال العدوى لك بالمس، إلا أن بالنظر لما يجب فعله حقيقة ستجد أن المسألة تشكل تحديا كبيرا للغاية على المستوى النفسي والعصبي. وللنظر فيما يجب فعله علميا لقتل الفيروس إذا لمس يدك.

 فأن تغسل يدك لمدة 20 ثانية بماء دافئ قبل الأكل وقبل لمس الوجه إن كنت مضطرا وبعد لمس أسطح لمسها غيرك أو حتى ملابسك أو ملابس الغير التي قد تكون حملت الفيروس جراء أي احتكاك لها.

حقيقةً هذا أمر ليس سهل للغاية للغالبية لأن المعتاد لدى الناس أن تغسل يدها في الأوقات الضرورية، فكيف وهم يواجهون فيروس يبقى على الأسطح فترات طويلة بحسب نوع كل سطح، الأمر الذي يدفعهم للتفكير دائما في غسل أيديهم وتنظيف كافة الأسطح ذات الاحتكاك الدوري بدء من مقابض كافة الأبواب والملابس وربما الهواتف المحمولة لدرجة تدفعهم للملل أو الشعور بالإجهاد النفسي من جراء التكرار المستمر.

يضاف إلى ذلك أن الغالبية لم تعتاد على غسل أيديها على الوجه الأمثل، فالمعتاد أن يغسل الناس أيديهم في أقل من 10 ثوان وبماء بارد، لاسيما في أجواء الربيع والصيف فالناس لم تعتاد على الصبر وتكرار مثل هذا الأمر بتلك الكفاءة في التطبيق.

الحساسية اتجاه غسل الأيدي بالصابون بشكل متكرر من شأنه إصابة البعض بالحساسية من الصابون ناهيك أن كثير من النساء والفتيات اللاتي يخشين أن يُصاب جلدهم بالجفاف ربما تتكاسلن في تلك الخطوة مع مرور الوقت حال ما إذا كان استخدام وسائل لترطيب اليد مُكلف للبعض منهن.

حتى تجنب لمس الوجه يحتاج إلى يقظة عالية جدا وتوافق عضلي عصبي لتغيير نمط سلوك طبيعي يفعله الناس على مدار الساعة عدة مرات لأسباب مختلفة دون شعور أو انتباه كامل، فأن ترتب حياتك على ذلك فهذا يعني طاقة هائلة تستنزف من المخ لا أعرف مدى صمود العقل أمامها.

أما على المستوى النفس-عصبي فإن الوسواس القهري لن يكون بعيدا عن المشهد، فإحساس أنك محاصر بالفيروس مع كل شيء تلمسه، فإن ذلك يولد بعد فترة إحساس بالقهر النفسي أو العصبي بسبب الشعور باللوم الشديد لعدم الالتزام بتعليمات الوقاية، أو بسبب حالة الملل الرهيب من كثرة تكرار السلوك بشكل دوري. لاسيما حال كان الإنسان يعيش مع عدة أشخاص قد يضطر بعضهم للخروج أو لا يلتزم البعض الآخر بالقواعد الطبية كليةً ويخشى نقل أحدهم للفيروس للمكان لاسيما من خلال مقابض الأبواب والأدوات المنزلية.

ثالثا: البقاء في المنازل والعزل الصحي

قلت سابقاً أن تلك المعركة ضمنيا بين فيروسيين، كورونا والرأسمالية المتوحشة أو الجشعة، فالفيروس يجبر المئات وربما الآلاف لقضاء فترة حجر أو عزل صحي لمدة 14 يوم، وهي فترة انتظار كبيرة جدا تجبر آلاف الأعمال على التوقف والتعطل، يوم فضلا عن ملايين مطلوب منهم البقاء في المنزل طواعية دون وجود شكوك في إصابتهم، ما يضع العالم على محكٍ يعمله الجميع، فبمن نضحي، كبار السن والمرضي المعرضون للوفاة من أصحاب الأمراض المزمنة أم الاقتصاد وسير نمط الحياة الطبيعي؟ سؤال لا إجابة ولا إجماع عليه على المدى البعيد رغم سهولة الإجابة على المدى القصير في ظل تصارع وتضارب مصالح لم يحدث من قبل، وهو سؤال لا إجابة عليه طالما لا يوجد لقاح أو مصل للفيروس.

وبالتالي يصاب الآلاف بالقلق كل يوم جراء التفكير في هذا السؤال بإسقاطه على تفاصيل حياتهم الشخصية أو مستقبلهم الذي دُمر جزئيا لضياع خططهم أو وقعوها في براثن الغموض.

كل ذلك ولّدَ قلقاً انعكس على حمى شراء المستلزمات المنزلية، وشراء الأسلحة في أمريكا وتخزين الطعام والدواء، لكن كل هذا لن يُوقف القلق من أكبر مجهول واجهته البشرية بل هو قمة جبل الثلج، وهو ما يمثل ضغطاً نفسيا وعصبيا متراكم في حجمه ومتعاظم في شدته، لاسيما للفئات الأكثر ضعفاً قد يدفع الكثيرين للكفر بكل أساليب الوقاية وتحويل المعركة بين البشر بعضهم البعض في أكبر صراع مصالح مباشر على مستوى الأفراد وليس القوى الكبرى فقط.

وبالتالي لا سبيل غير صلابة نفسية وثبات انفعالي عالٍ من أجل القدرة على التخطيط والتصرف بحكمة للوصول لحل جماعي قائم على التكافل وإلا فإن الانهيار النفسي والعصبي داخل هذا الصراع سيفترس الناس قبل أن يفترسوا بعضهم البعض.

لكن مسألة البقاء في المنزل لا تقف تحدياتها النفسية والعصبية عند حدود الاقتصاد ونقص الموارد، فحتى مع استمرار عمل بعض الفئات من المنزل دون تهديد اقتصادي، فإن كلفة البقاء في المنزل طويلا دون أنشطة اجتماعية ولو صامتة بالتجول بين الناس قد تقود البعض للجنون، خاصة من يعيشون بمفردهم أو سيضطرون لذلك لفترات طويلة لفترات طويلة.

وفي هذه الأثناء سيكون الأفراد الاجتماعيين عرضة لكل الأمراض الناتجة عن الانطوائية والعزلة، فالإنسان مهما تعود على أنماط الاغتراب والخرس الاجتماعي نتيجة تحكم الآلة والتكنولوجيا إلا أنه لم يواجه أن يحبس أو يعزل انفراديا وهو تحد نفسي وعصبي آخر، إما تفقد جزء من اتزانك العقلي وتقع فريسة للاكتئاب أو تسعى للتكيف وتنجو ولو جزئياً.

ختاماً

لذلك فعدم وجود ذلك الثبات الانفعالي والنفسي وقدرة العقل على التكيف مع كل هذه الأمور السابقة والتي تبدوا كإرشادات رئيسية وبسيطة لمواجهة تلك الجائحة، فستستنزف طاقة الإنسان مما سيجعل مع الوقت مسألة مواجهة تفشي كورونا تحد بالغ الصعوبة احتمالات الفشل فيه أعلى، ليس بسبب استهتار الناس ولكن بسبب عدم قدرتهم على التحمل النفسي والعصبي.