ترجمة وتحرير نون بوست

لقد تغيّر كل شيء. قبل بضعة أسابيع كنا جميعا منشغلين بحياتنا المعتادة، ولكن الآن كل تلك الأمور التي كنا نعتبرها من المسلمات، مثل قضاء أمسية مع الأصدقاء، وركوب وسائل النقل العمومي، والسفر بالطائرة، لم تعد ممكنة. لقد خلقت التقارير اليومية حول تزايد حالات العدوى والوفيات في كافة أنحاء العالم حالة من التوتر، وبالنسبة لمن فقدوا أحباءهم، فقد دخلوا في حالة حزن شديد. هناك حالة من عدم اليقين بشأن الغد، بشأن صحة وسلامة عائلاتنا وأصدقائنا وأحبتنا، وبشأن قدرتنا على العودة إلى الحياة التي نريدها.

يضاف إلى هذه المخاوف الحينية حول التأثير الحقيقي لهذا الوباء على حياة الإنسان، مخاوف أخرى بشأن أزمة اقتصادية خانقة يمكن أن تنجم عن طول أمد المعركة ضد الفيروس. إن العديد من الشركات والمحلات بصدد إغلاق أبوابها، والناس بصدد خسارة وظائفهم. ونحن نعتقد ونأمل أن تكون هناك خيارات أخرى، تختلف عن تلك التي قدمتها صحيفة "وول ستريت جورنال" التي تقول إننا سنواجه عما قريب معضلة تتمثل في حتمية الاختيار بين الإضرار بموارد عيشنا عبر إطالة أمد الحجر الصحي، أو التضحية بأرواح الآلاف أو ربما الملايين حتى ينتشر الفيروس بسرعة وينتهي كل شيء. نحن لا نتفق مع هذا الرأي، لأنه لا أحد يريد أن يقف أمام هذا الاختيار، لذلك نحن نحتاج للقيام بكل ما هو ممكن لإيجاد الحلول.

لماذا يعد هذا الأمر ضرورة ملحة في هذا الوقت؟ استنادًا إلى عديد المصادر، وبناء على تحليلنا الذاتي، فإن الصدمة التي ستتلقاها حياتنا وموارد عيشنا في خضم جهود القضاء على الفيروس سوف تكون الأعنف من نوعها خلال قرن من الزمان. في أوروبا والولايات المتحدة، من المرجح أن يؤدي هذا الحجر الصحي المطلوب من السكان والجهود الأخرى للسيطرة على الفيروس، إلى أكبر تراجع فصلي في النشاط الاقتصادي منذ سنة 1933، إذ أننا لم نشهد في التاريخ الحديث أن طُلب من الناس التوقف عن العمل ليمكث سكان بلدان بأكملها في المنازل، ونبقي على مسافة أمان فيما بيننا. لا يتعلق الأمر هنا بالناتج المحلي الإجمالي أو بالاقتصاد، بل يتعلق بحياتنا وموارد عيشنا.

 ما الذي سيحدث إذا توقفت العديد من المؤسسات عن العمل أو خفّضت نشاطها بشكل كبير؟ كم من الوقت يمكننا الاستمرار في هذا الوضع؟

نحن نشهد اليوم بذل جهود ضخمة للقضاء على الفيروس، فيما يطالب كثيرون باتخاذ إجراءات أسرع وأكثر حزمًا. ونرى أيضا طاقات كبيرة توجّه نحو الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي من خلال قرارات السياسة العامة التي تتخذها الحكومات. ولكن من أجل تجنب حدوث ضرر دائم لموارد عيشنا، نحن نحتاج إلى إيجاد طريقة لتقصير فترة تأثير هذا الحدث: يجب علينا التفكير في كيفية التخلص من الفيروس وتقصير فترة الصدمة الاقتصادية. يجب علينا القيام بالأمرين الآن.

من أجل حل مشكلتي الفيروس والاقتصاد، نحتاج إلى إرساء سلوكيات تحد من انتشار الفيروس، والعمل نحو خلق وضعية تمكن أغلب الناس من العودة إلى مزاولة وظائفهم وتحمل مسؤولياتهم العائلية وحياتهم الاجتماعية. إلى حد الآن، تتمثل الطريقة الوحيدة المثبتة لاحتواء الفيروس، عندما ينتشر بين أفراد المجتمع، في فرض الحجر الصحي العام، والحفاظ على مسافة بين الناس، وإجراء الاختبارات، وتعقب أثر كل الأشخاص المخالطين للشخص المصاب.

لقد أظهرت الصين واليابان وسنغفورة وكوريا الجنوبية أن هذه الإجراءات يمكن أن تمنع الفيروس من الانتشار، حتى يتم استئناف النشاط الاقتصادي بشكل جزئي. يتابع الجميع تطورات الأحداث في إيطاليا وعدة بلدان أخرى، لمعرفة ما إذا كانت إجراءات المراقبة هناك فعالة في إبطاء نسق انتشار العدوى والوفيات. وهدفنا المشترك يجب أن يكون تقديم أفضل استجابة ممكنة لإيقاف هذه الأزمة.

 ما هي تبعات ذلك على حياتنا؟ هل سنكون قادرين على تجنب العدوى؟

في نفس الوقت، يفكر القادة المحليون والدوليون في التأثير الاقتصادي لهذه الإجراءات. ما الذي سيحدث إذا توقفت العديد من المؤسسات عن العمل أو خفّضت نشاطها بشكل كبير؟ كم من الوقت يمكننا الاستمرار في هذا الوضع؟ ما هو حجم الصدمة الاقتصادية التي يمكننا تحملها دون التسبب في معاناة إنسانية قد تكون مجتمعاتنا غير مستعدة لها؟  في الأقسام التالية، نقدم مقاربات للتفكير في هذه المسائل الملحة.

التعامل مع الغموض المتعلق بفيروس كوفيد-19:

  • في ظل انتشار فيروس كوفيد-19، ما هو عدد حالات العدوى المحتمل؟ هل سينخفض معدل الوفيات؟ هل سيكون انتشار الفيروس مرتبطا بالفصول؟ هل ستتطور سلالة جديدة من الفيروس؟
  • كيف سيتعامل كل بلد وولاية وبلدية مع هذه الحالة الصحية، هل سيكون هناك قرارات غلق كامل؟ هل سيكون ممكنا الذهاب للعمل؟ هل سيُسمح للمصانع بمواصلة نشاطها؟ هل سنكون مطالبين بالدخول لمركز حجر صحي رسمي عند وصولنا إلى بلد آخر، أم أننا سنقوم بالحجر الصحي الذاتي؟
  • ما هو التأثير على الاقتصاد وعلى موارد عيشنا؟ هل ستعاني الشركات وتشهر إفلاسها؟ هل يمكن المحافظة على التزود بالسلع الأساسية؟ هل ستكون لنا وظيفة؟ كم سيستمر هذا؟
  • ما هي تبعات ذلك على حياتنا؟ هل سنكون قادرين على تجنب العدوى؟ هل أن أحبتنا سيكونون في أمان؟ هل يمكننا رغم ذلك التدرب والتحضير للحدث الرياضي الذي نتطلع إليه؟ هل يمكننا نيل شهادات جامعية الآن وقد أغلقت العديد من الجامعات وألغيت الاختبارات؟

إن هذه الأسئلة والملايين غيرها تدور في أذهاننا في هذا الوقت، وتزيد من التوتر وصعوبة الواقع الذي نعيشه في هذه الفترة التي انتشر فيها فيروس كورونا. ولكن هناك شيئان مؤكدان: إذا لم نتمكن من إيقاف الفيروس، فإن الكثيرين سوف يموتون. وإذا أدت محاولاتنا إيقاف الجائحة إلى إلحاق ضرر بالغ بالاقتصاد، فإنه من الصعب تصور عدد الأشخاص الذين سيعانون بعد ذلك.

 كلما طالت فترة قرارات الغلق، كان التأثير على حياتنا أسوأ

تأثير قرارات الغلق على الاستهلاك والنشاط الاقتصادي

نحن بصدد فهم ما يحدث عند صدور قرار بغلق المدن، مثلما حدث في الصين وإيطاليا ودول أخرى أوروبية وفي الولايات المتحدة: حيث أن النشاط الاقتصادي يتراجع بشكل لم نشهده في السابق. يتوقف الناس عن التبضع، باستثناء شراء السلع الأساسية، كما يتوقفون عن السفر وشراء السيارات.

تشير التقديرات إلى أن 40 إلى 50 بالمئة من إنفاق المستهلكين يمكن أن يتوقف. وفي كل أزمة، يميل الناس إلى الابتعاد عن عمليات الشراء التي يمكن تأجيلها، مثل شراء السيارات والأجهزة المنزلية، ويتجهون نحو ادخار الأموال بشكل احترازي، خوفا من تعمق الأزمة. وما يجعل جائحة فيروس كورونا مختلفة هي أن الناس سوف يتخلون أيضا عن الإنفاق على المطاعم، والسفر، وبقية الخدمات التي ينخفض الإقبال عليها في الأزمات الأخرى ولكنه لا يتوقف تمامًا.

يعني هذا الانخفاض بنسبة 40 إلى 50 بالمئة في الإنفاق، تقريبًا، انخفاضًا بنسبة 10 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي، دون أخذ التأثيرات غير المباشرة بعين الاعتبار. لا يعد هذا السيناريو غير مسبوق في التاريخ الحديث فقط، بل كان من المستحيل تخيله إلى حدود هذا الوقت. لدينا بالفعل بعض الأدلة المؤكدة حول حدوث صدمة اقتصادية بهذا الحجم، مثل التراجع الاقتصادي الذي تشهده الصين بسبب الفيروس، والمؤشرات المبكرة التي ظهرت على الاقتصاد الأمريكي، من خلال إحصاءات الشراء بالبطاقات الائتمانية.

كلما طالت فترة قرارات الغلق، كان التأثير على حياتنا أسوأ. ولكي نتخيل ما يعنيه هذا بالنسبة إلى المناطق التي تم فيها فرض الغلق الكامل، تخيلوا سائقي سيارات التاكسي الذين يُمنع زبائنهم من الخروج للشوارع، والطباخون الذين أجبرت المطاعم التي يعملون فيها على غلق أبوابها، ومضيفات الطيران اللواتي اضطرت طائراتهن إلى البقاء في المدرج، لمدة أشهر. في ظل وجود 25 بالمئة من العائلات الأمريكية التي تعيش على المرتبات الشهرية، و40 بالمئة من الأمريكيين غير قادرين على تغطية أي نفقات مفاجئة تفوق 400 دولار دون الاقتراض، فإن تأثير إطالة فترة الغلق سوف يكون بالنسبة لكثير من الناس كارثيًا.

 التأثير الاقتصادي للنتائج غير المباشرة للإجراءات الصحية، مثل ارتفاع معدل البطالة، وغلق عديد المحلات والشركات

لا يمكن أن تكون الإجابة قبول تفشي هذا الوباء الذي سوف يسلط ضغطًا كبيرًا على نظامنا الصحي، ويودي بحياة الآلاف أو ربما الملايين. ولكن هل يمكن أن تكون الإجابة هي أننا نتسبب في معاناة إنسانية أكبر، من خلال السماح بحدوث ضرر دائم على الاقتصاد؟

تجاوز الغموض حيال هذه الأزمة

تكون أسوأ ردود الفعل الإنسانية عند مواجهة درجة عالية من الشك هي الجمود والقفز نحو إجابة وحيدة، من قبيل "هذا المشكل سوف يختفي بسرعة كما ظهر بسرعة، إنه لا يختلف عن الإنفلونزا الموسمية". لكن فيروس كوفيد-19 يمثل تحديا صعبا في هذا السياق، لأن أغلبية المصابين بالعدوى سوف يشعرون فقط بأعراض خفيفة أو لن يشعروا بها أبدًا. إنه عدو غير مرئي ولكنه قاتل. يجب علينا أن نحاول تجاوز الغموض من خلال استخدام العقل والتفكير في الحلول عندما يكون هناك عدد محدود من السيناريوهات التي يمكن أن تحدث.

فيما يلي توصيف لتأثير فيروس كوفيد-19 على اقتصاد العالم على مستويين، التي سوف تحدد مخرجات هذه الأزمة بالنسبة لنا جميعا:

  • التأثير الاقتصادي لتفشي الفيروس: خصائص الفيروس والمرض الذي يسببه، مثل طرق العدوى ونسب الوفيات، واستجابة النظام الصحي، مثل قرارات الحجر، ومنع السفر، والمباعدة بين الناس، وتعميم الاختبارات وتقفي أثر المخالطين للمريض، والقدرة على تزويد المؤسسات الصحية، وتقديم لقاحات وأساليب علاج أفضل.
  • التأثير الاقتصادي للنتائج غير المباشرة للإجراءات الصحية، مثل ارتفاع معدل البطالة، وغلق عديد المحلات والشركات، وإفلاس بعض المؤسسات والتخلف عن سداد الديون، وانهيار أسعار الأسهم، وتقلب الأسواق، وهشاشة النظام المالي، إلى جانب السياسات العامة المتبعة للتخفيف من هذه النتائج غير المباشرة، مثل السياسات الهادفة لتجنب تعدد حالات الإفلاس، تقديم الدعم المالي للعمال المتضررين، وحماية النظام المالي وديمومة القطاعات الأكثر تضررا.

فيما يخص انتشار الفيروس والاستجابة للأزمة الصحية، نحن نرى ثلاثة نماذج للتدخل والنتائج:

  1. استجابة قوية لأزمة الصحة العامة تنجح في السيطرة على تفشي المرض في كل بلد في غضون شهرين أو ثلاثة، ويمكن تخطي إجراءات العزل الاجتماعي بشكل سريع (كما هو الحال في الصين وتايوان وكوريا وسنغافورة).
  • الاستجابة لأزمة الصحة العامة تنجح في البداية، إلا أن إجراءات العزل الاجتماعي يجب أن تستمر في بعض المناطق لعدة أشهر إضافية لتجنب تكرار تفشي العدوى.
  • الاستجابة لأزمة الصحة العامة تفشل في السيطرة على الفيروس لفترة إضافية من الزمن، ربما إلى حين تحضير اللقاحات، أو تحقيق مناعة القطيع.

 لا نملك إلى حد الآن سوى معلومات قليلة حول احتمالات تحقق هذه السيناريوهات الكارثية

أما فيما يتعلق النتائج غير المباشرة والاستجابة لأزمة الصحة العامة، نحن نتوقع ثلاثة مستويات مفترضة من الفاعلية:

  • غير فعالة: تكثر مظاهر الكساد الاقتصادي الاختياري لدى الكثيرين، حيث يقررون إشهار الإفلاس أو التخلف عن سداد الديون، وهو ما قد يسبب أزمة بنكية.
  • فاعلية جزئية: سياسات الاستجابة تنجح في موازنة الضرر الاقتصادي إلى حد ما، ويتم تجنب أزمة بنكية إلا أن ارتفاع معدلات البطالة وغلق العديد من الشركات يعطل التعافي الاقتصادي.
  • عالية الفعالية: استجابة سياسية قوية تمنع تعرض البنية الاقتصادية للضرر، وتحدث انتعاشة بعد أن تتم السيطرة على الفيروس، ويعود الاقتصاد إلى مستويات وزخم ما قبل الأزمة.

إذا دمجنا هذه النماذج الثلاثة لتفشي الفيروس مع درجات فعالية السياسة الاقتصادية الثلاثة، نرى تسعة سيناريوهات لعام مقبل أو أكثر.

يتوقع الكثيرون أن يتحقق أحد هذه السيناريوهات الأربعة (أ1: تكرار موجات الفيروس، ونمو اقتصادي بطيء على المدى الطويل، تعثر تعافي الاقتصاد العالمي؛ أ2: تكرار موجات الفيروس، العودة إلى النمو العادي، وانتعاشة قوية للاقتصاد العالمي؛ أ3: احتواء الفيروس وتعافي الاقتصاد ببطء؛ أ4: احتواء الفيروس وتعافي الاقتصاد بسرعة) في كل من هذه الحالات، يتم في نهاية المطاف احتواء فيروس كوفيد-19، وتجنب الضرر الاقتصادي الكارثي. تصف هذه السيناريوهات الوضع الاقتصادي العالمي، وبالتأكيد سوف تختلف الحالة من بلد إلى آخر. لكن هذه السيناريوهات الأربعة تؤدي إلى تعافي إما بطيء أو سريع للاقتصاد.

هنالك سيناريوهات أكثر تطرفا يمكن التفكير فيها، والبعض منها يتم مناقشتها الآن (ب1: احتواء الفيروس ولكن بعد ضرر كبير على الاقتصاد، ونمو ضعيف على المدى الطويل؛ ب2: تكرّر موجات الفيروس ونمو اقتصادي بطيء على المدى الطويل؛ ب3: تصاعد جائحة كورونا، وطول فترة الأزمة دون تعافي الاقتصاد؛ ب4: تصاعد جائحة كورونا، وتقدم بطيء نحو التعافي الاقتصادي؛ ب5: تصاعد جائحة كورونا وتعافي اقتصادي متأخر ولكن كامل).

مع القليل من الحظ، سوف تشهد الصين تباطؤ حادا ولكن قصير المدى، لتحقق بعد ذلك انتعاشة سريعة نسبيا وعودة لمستويات نشاط ما قبل الأزمة

إن المتابع لهذه الفرضيات لا يمكنه أن يستبعد تماما أكثرها سوداوية وتشاؤما، وهي حدوث ضرر هيكلي بالغ في الاقتصاد سببه انتشار الفيروس لمدة عام كامل إلى حين توفر اللقاح، مع غياب الإجراءات السياسية لتجنب تعدد إعلانات الإفلاس وانتشار البطالة، والأزمة المالية. سوف يؤدي ذلك إلى طول فترة الانكماش الاقتصادي أو تذبذب أدائه. وفي ظل ارتفاع عدد حالات الإصابة بالفيروس بشكل أسي في عديد البلدان الأوروبية وفي الولايات المتحدة، لا يمكننا أن نستبعد هذه السيناريوهات الأكثر خطورة.

لكننا لا نملك إلى حد الآن سوى معلومات قليلة حول احتمالات تحقق هذه السيناريوهات الكارثية، لذلك نركز على الاحتمالات الأربعة الأكثر قربا في الوقت الحالي. خلال الأسبوع المقبل، سنضيف المزيد من العمق والاتساع لهذا الرأي، وسنعمل عن قرب مع مؤسسة "أوكسفورد إيكونوميكس" للتحليل والاستشراف الاقتصادي، لتطوير عدة سيناريوهات اقتصادية خاصة بالعالم وبكل بلد.

كيف ستتطور الأمور على أرض الواقع؟

مع القليل من الحظ، سوف تشهد الصين تباطؤ حادا ولكن قصير المدى، لتحقق بعد ذلك انتعاشة سريعة نسبيا وعودة لمستويات نشاط ما قبل الأزمة. وبينما ينتظر أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بشكل حاد خلال الربع الثاني من العام، فإن مظاهر الحياة العادية بدأت تعود في بكين وشانغهاي وأكبر المدن الصينية خارج مقاطعة هوباي. في هذا السيناريو، إن نمو الناتج المحلي الإجمالي في 2020 سوف تكون محصلته في النهاية صفر. ولكن بحلول سنة 2021 فإن الاقتصاد الصيني سوف يكون في طريقه لاستعادة نسق ما قبل الأزمة، إذا لم يتأثر بتطورات الأحداث في باقي أنحاء العالم.

في هذا السيناريو، ستتمكن أوروبا والولايات المتحدة من احتواء الفيروس بشكل فعال خلال فترة غلق تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر. وستخفف الإجراءات الجبائية والمالية البعض من الضرر الاقتصادي، حتى يتم تحقيق قفزة قوية بعد احتواء الفيروس بنهاية الربع الثاني من العام. هذا الأمر سيضع أوروبا والولايات المتحدة في السيناريو أ3.

من الوارد تمامًا أن لا تنجح الدول في فرض إجراءات فعالة للسيطرة على الفيروس، وتخفيف الضرر الاقتصادي الناجم عن هذه الإجراءات

حتى في ظل هذا السيناريو المتفائل، فإن كل البلدان سوف تعاني من انخفاض حاد في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني من العام، وفي البعض منها سيكون هذا الانخفاض غير مسبوق. يمثل الإنفاق الاستهلاكي في أكثر الاقتصاديات تطورا ثلثي الاقتصاد، ونصفه يذهب نحو سلع غير أساسية. وتشير البيانات الحينية التي ترد علينا إلى أن الإنفاق على الكماليات مثل السيارات في المناطق المتأثرة بقرارات الحجر الصحي العام قد يتراجع بنسبة 50 إلى 70 بالمئة، كما أن الإنفاق على الرحلات الجوية والنقل قد يتراجع بنسبة 70 بالمئة، وسيتراجع الإنفاق على الخدمات مثل المطاعم بنسبة 90 بالمئة في المدن المتأثرة بقرار الحجر الصحي. وبشكل عام، قد ينخفض إنفاق المستهلكين على السلع غير الأساسية بشكل حاد بنسبة 50 بالمئة في المناطق التي تم فيها فرض قرارات الحجر الصحي العام.

في حين أن زيادة الإنفاق الحكومي ستساعد على تخفيف بعض هذه الآثار الاقتصادية، فإن هذه المساعدة لن تكون بالسرعة والحجم الكافيين. نحن نتوقع أن تشهد الولايات المتحدة تراجعًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 25 إلى 30 بالمئة في الربع الثاني من سنة 2020، وأكبر الاقتصاديات في المنطقة الأوروبية أيضا ستحقق نفس الأرقام بعد انقشاع غمامة هذه الأزمة. وحتى نفهم حجم هذه الأرقام، يجب الإشارة إلى أن أكبر تراجع فصلي في الناتج المحلي الإجمالي حدث في الأزمة المالية لسنة 2008-2009، وكان بنسق 8.4 بالمئة في الربع الأخير من سنة 2008. وهو ما يعني أن الانكماش الاقتصادي في الفترة المقبلة قد يكون الأكثر حدة منذ الحرب العالمية الثانية.

صورة أكثر قتامة للمستقبل

بالطبع، من الوارد تمامًا أن لا تنجح الدول في فرض إجراءات فعالة للسيطرة على الفيروس، وتخفيف الضرر الاقتصادي الناجم عن هذه الإجراءات. وفي هذه الحالة، ستكون النتائج الاقتصادية في سنة 2020 وما بعدها أكثر حدة. حسب هذا السيناريو الأكثر تشاؤمًا، سوف يتعافى الاقتصاد الصيني بشكل أكثر بطئا، لأنها قد تحتاج لفرض إجراءات جديدة في المناطق التي يتكرر فيها تفشي الفيروس. كما أن الاقتصاد سوف يتأثر بانهيار الصادرات نحو باقي بلدان العالم، وسيواجه حالة انكماش غير مسبوقة.

قد تواجه الولايات المتحدة وأوروبا نتائج أكثر خطورة في هذا السيناريو، إذا فشلتا في احتواء الفيروس خلال ربع واحد من العام، وبالتالي قد تضطر لفرض إجراءات العزل الاجتماعي والحجر الصحي على مدى الصيف. قد يؤدي هذا الأمر في النهاية إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسق 35 إلى 40 بالمئة خلال الربع الثاني. قد تفشل السياسات الاقتصادية في منع حدوث طفرة في البطالة وغلق الشركات، وهو ما يعني بطء التعافي حتى بعد نهاية الأزمة. في هذا السيناريو الأكثر قتامة، سوف يستغرق الأمر أكثر من سنتين حتى يستعيد الناتج المحلي الإجمالي نسق ما قبل ظهور الفيروس، ليعيد الولايات المتحدة وأوروبا إلى السيناريو أ1.

أظهرت دول في شرق آسيا أن هذا الأمر قابل للتحقق من خلال فرض قرارات حجر صحي صارمة

قد يكون التأثير الاقتصادي حسب هذه السيناريوهات غير مسبوق بالنسبة للسكان الذين يعيشون اليوم في الاقتصاديات الأكثر تقدمًا. أما بالنسبة للدول النامية التي واجهت بعض الأزمات المالية السابقة، فإن لها خبرة في التعايش مع مثل هذه الأوضاع.

نحن لا نكتب لنتوقع أن هذا الأمر سيحدث، بل نوجه نداء للتحرك من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف انتشار الفيروس، ووقف الضرر الاقتصادي على الإنسان بأسرع ما يمكن. بينما نكتب هذه الأسطر، فإن بعض الدول في أوروبا إلى جانب الولايات المتحدة لم تقرر السياسات العامة المطلوبة لاحتواء الفيروس بشكل فعال. وإذا لم نتحرك لاحتوائه بسرعة، فإن حجم الدمار الاقتصادي سوف تكون له تبعات أكثر حدة على موارد عيش الناس.

إنقاذ حياتنا وموارد عيشنا

من أجل حل معضلة كيفية إنقاذ الأرواح دون تدمير موارد عيش الناس، يجب أن نجد طرقًا لجعل قرارات الحجر الصحي العام فعالة، حتى نوقف سلسلة انتشار الفيروس في أسرع وقت ممكن. ويمكن قياس فعالية هذه الإجراءات من خلال قدرتها على السيطرة على تفشي الفيروس.

أظهرت دول في شرق آسيا أن هذا الأمر قابل للتحقق من خلال فرض قرارات حجر صحي صارمة، والقيام بالمراقبة ومتابعة تحركات الناس. وبينما نحن نكتب هذه الأسطر، فإن الإجراءات في الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية لا تزال أقل شمولية وحزما وهي ليست فعالة. حتى نكون واثقين وننجح في كسر سلسلة انتقال الفيروس يجب التحرك بشكل حاسم في الدول الغربية.

إن استجابة العالم لهذه المعضلة يجب أن تكون قوية، سواء تعلقت بالسيطرة على انتشار الفيروس والتوقي من تكرار ظهوره في انتظار توفر اللقاحات والأدوية، أو كنا غير قادرين على احتواء الفيروس ونحتاج إلى اتخاذ إجراءات للتدخل بشكل متواصل. في كلتا الحالتين، يجب إيجاد حلول لحماية الأرواح وموارد العيش.

نحن نقترح التحرك بشكل أسرع لفرض بروتوكولات سلوكية شاملة وواضحة للسماح للسلطات برفع إجراءات الحجر الصحي العام التي تخنق الناس اليوم. لن ينجح هذا الأمر إلا إذا وجدنا آليات مقبولة لفرض هذه البروتوكولات، حتى لا نقع في فخ مطالبة الناس بالقيام بأشياء غير مقبولة اجتماعيا.

 عمل أخصائيو الرعاية الصحية الشجعان في المستشفيات التي ينتشر فيها الفيروس، ويتقيدون بقواعد صارمة في إنجازهم لمهامهم وتحركاتهم وسلوكهم من أجل الحفاظ على سلامتهم وسلامة المرضى

البروتوكولات السلوكية

تمثل هذه البروتوكولات قواعد تتعلق بكيفية إدارة المحلات والشركات وتقديم الخدمات الحكومية في ظل ظروف الوباء. لقد شرعت بعض البلدان في تنفيذ بعض هذه البروتوكولات بالفعل:

  • يعمل أخصائيو الرعاية الصحية الشجعان في المستشفيات التي ينتشر فيها الفيروس، ويتقيدون بقواعد صارمة في إنجازهم لمهامهم وتحركاتهم وسلوكهم من أجل الحفاظ على سلامتهم وسلامة المرضى. هل سيكون النشاط في السوق آمنا مع وجود هذه القواعد؟
  • في مصانع التكنولوجيا المتطورة في الصين اليوم، كل شخص يجب أن يكون قد اجتاز فحص فيروس كورونا دون استثناء. كيف سيكون شعورك إذا كنت اليوم على متن طائرة وأنت تعرف أن كل مسافر إلى جانب طاقم الطائرة وعمال الصيانة، وكل من له علاقة بالطائرة، قد خضعوا لفحص فيروس كورونا وكانت النتيجة سلبية؟
  • انتقلت بعض المطاعم فعلا لخدمة التوصيل إلى المنازل، وغيرت نموذج عملها وبروتوكولاتها للتأقلم مع الفيروس.
  • هل يمكنك إدارة مشروعك الخدماتي بشكل آمن من خلال اعتماد بروتوكولات جديدة؟

لا يمكن لهذه البروتوكولات أن تكون جامدة. يتم تنفيذ قرارات الغلق اليوم بشكل موحد على جميع الناس والأماكن بقطع النظر عن احتمالات انتقال العدوى الخاصة بكل مكان. تخيل عالما يوجد فيه فهم عميق لمخاطر العدوى، ويتم فيه وضع بروتوكولات متنوعة مصممة لمختلف مستويات الحذر اللازم، التي يجب فرضها في كل مدينة وحي وضاحية. إن هذه البروتوكولات المرنة ممكنة من الناحية التقنية، ويمكن للتكنولوجيات الحديثة وتحليل البيانات أن يساعدنا على تتبع أثر العدوى وتوقعها في الشرائح والمناطق الأكثر هشاشة، وبالتالي يمكن تعديل الإجراءات الصحية بشكل مرن لتوفير الحماية كلما اقتضت الحاجة.

مع هذه البروتوكولات، يمكن تخفيف إجراءات الغلق بشكل أسهل للمزيد من الناس والأماكن، مع الحفاظ في نفس الوقت على فعالية الإجراءات الهادفة لاحتواء الفيروس. لكن توفر معدات الحماية الشخصية وأجهزة اختبار الفيروس يبقى أمرا أساسيا.

سوف نحتاج لتطوير وفرض بروتوكولات تسمح لنا بعد ذلك بتخفيف إجراءات الوقاية في الأماكن التي يمكن فيها ذلك

آليات فرض القواعد المقبولة

 هذا هو الجزء الأصعب من المهمة: كيف يمكننا إقناع الجميع بقبول تبعات وضع بروتوكولات سلوكية مماثلة؟ إن هذا الموضوع حساس بالنسبة للكثيرين، لأنه يتعلق بالحريات الشخصية والحق في حماية الخصوصية، والمساواة في الحصول على الخدمات. ولا توجد أجوبة جاهزة لهذه المسائل. كما يختلف مستوى الوعي والحساسية من بلد إلى آخر، وهناك اختلافات كبيرة في ما يعتبر مقبولا اجتماعيا لدى كل إنسان. في كل بلد، سوف يتوجب على الناس العمل معا لإيجاد طرق لفرض بروتوكولات سلوكية تناسب الوضع عندهم، ولكن بكل تأكيد إن نقطة الإنطلاق في الوقت الحالي يجب أن تكون فرض الحجر الصحي العام في بلدان بأكملها، قبل وضع المعايير الاجتماعية المتعلقة بالتعامل مع فيروس كوفيد-19.

قررت الحكومة في هونغ كونغ فرض اختبارات فيروس كورونا على كل المسافرين الوافدين، وهذا سوف يمكن المصابين بالفيروس دون أن تظهر عليهم أعراض المرض من الخضوع للحجر الصحي الذاتي في المنزل. ولكن بسبب المخاطر العالية لانتشار العدوى، فإن هونغ كونغ تفرض على هؤلاء ارتداء سوار في المعصم لمعرفة أماكن وجودهم إذا خرجوا من المنزل. وهكذا يتم فرض التقيد بالإجراءات من خلال التهديد بعقوبات سجنية طويلة المدى للمخالفين.

سوف نحتاج لتطوير وفرض بروتوكولات تسمح لنا بعد ذلك بتخفيف إجراءات الوقاية في الأماكن التي يمكن فيها ذلك. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فإن كل حكومة سوف تحتاج لإيجاد طرق فعالة ومقبولة اجتماعيا لفرض هذه الإجراءات والبروتوكولات الجديدة.

نحن نحتاج إلى خطة لتحقيق الضرورتين الآن

سوف نواصل تحديث سيناريوهاتنا، ونأمل أن يكون لدينا في الأسابيع المقبلة فهم أفضل للسيناريو الأكثر ترجيحًا. ولكن بعض الأشياء واضحة منذ الآن:

  • الواقع الحالي قد يكون أكبر صدمة للاقتصاد العالمي في التاريخ الحديث.
  • هناك خطر حقيقي على حياتنا وموارد عيشنا وقد نعاني من ضرر لا يمكن إصلاحه بعد هذه الأزمة.
  • بينما نحتاج لاتخاذ قرارات للسيطرة على انتشار الفيروس وإنقاذ الأرواح، يجب أيضا اتخاذ قرارات لحماية موارد عيش الناس.
  • البروتوكولات السلوكية والإجراءات المرنة قد تساعدنا على رفع الحظر الصحي العام بشكل مبكر وإعادة الناس للعمل وعودة الحياة بشكل طبيعي.

 هل يمكن للعالم أن يتحرك بالسرعة الكافية لتطبيق البروتوكولات؟ وهل يمكننا الحصول على الموافقة المجتمعية عليها؟

خلال الأسبوع الماضي، قالت أنجيلا ميركل في دعوتها للشعب الألماني، إن قدرتنا على الخروج من هذه الأزمة سوف ترتبط بشكل أساسي بسلوك كل واحد منا. إن قرارات الحجر الصحي العام الفورية ضرورية لوقف انتشار الفيروس وإنقاذ الأرواح. نحن نعتقد أنه من خلال وضع البروتوكولات في مكانها وتقيد الناس بها، يمكن تخفيف الحجر الصحي العام تدريجيًا بشكل مبكر.

والسؤال المطروح الآن هو: هل يمكن للعالم أن يتحرك بالسرعة الكافية لتطبيق البروتوكولات؟ وهل يمكننا الحصول على الموافقة المجتمعية عليها؟ وإذا كان الحال كذلك، يجب أن تكون لنا القدرة على السيطرة على الفيروس، وتخفيف الأزمة الاقتصادية الحتمية من أجل جعلها في مستويات مقبولة، لإنقاذ أرواح الناس وموارد عيشهم. هذه هي ضرورة هذا الوقت.

المصدر: مؤسسة ماكنزي للاستشارات