معاناة يومية للعمالة غير المنتظمة في مصر بسبب كورونا

تحت ظل شجرة بأحد الشوارع المتفرعة من شارع التحرير بمنطقة الدقي بالجيزة، كان يجلس عبد الرحمن (45 عامًا) متكئًا برأسه على جدران إحدى البنايات، وأمامه معداته البسيطة الخاصة بعمليات البناء والهدم، (شاكوش - أجنة - مطرقة)، وحين اقتربنا منه فز مسرعًا، مهرولًا نحونا، معتقدًا أننا أرباب عمل في حاجة لعمال، لكن سرعان ما تبخرت خيوط الفرحة من عينيه حين أشرنا له بالتريث.. ليعود إلى قواعده مرة أخرى.

جلسنا بجواره ثم بادرناه بالسؤال: ماذا تفعل هنا في هذه الظروف القلقة التي تمر بها الدولة، ألا تخشى على نفسك من الإصابة بفيروس كورونا؟ في البداية لم يجب لكن نظراته إلينا كانت أبلغ إجابة، نظرات حملت معها معاني السخرية والحسرة في آن واحد، لكن بعد فترة أجاب: "حضرتك تعرف أني بقالي 10 أيام لم أدخل على بيتي بجنيه واحد وأن أبنائي وزوجتي منذ أكثر من خمسة أيام يأكلون الخبز الحاف".

وقبل أن يكمل حديثه قاطعناه: لكن هذه حياتك.. أنت بذلك تعرضها للخطر، الفيروس الفتاك لا يترك أحدًا ولا يعرف التفرقة بين المحتاج وغير المحتاج، لكنه عاملنا بالمثل أيضًا، إذ قاطع حديثنا بقوله: "أنا لو منزلتش أدور على شغل ولادي هيموتوا من الجوع ولو نزلت ربما أنا أموت من الفيروس، في الحالتين أختار أن أموت أنا ويحيا أبنائي".

لم يعطنا عبد الرحمن رفاهية الاختيار في إكمال الحديث معه، فنبرات صوته وما تحمله من حزن وقلق وحسرة كانت كفيلة أن تُنهي معه أي مسارات أخرى للكلام عن الإرشادات والتعليمات وخلافه، إذ من الواضح أن الرجل، ومثله الملايين معه، باتوا بين مطرقة الموت الاحتمالي بالفيروس حال النزول للشارع والبحث عن لقمة العيش، وسندان الموت جوعًا حال البقاء في البيوت والالتزام بتعاليم الدولة وإجراءاتها الاحترازية.

موقف لا يحسدون عليه، هكذا حال العمالة المصرية غير المنتظمة، التي لا تتمتع بمظلة تأمينية أو اجتماعية، والبالغ عددهم نحو 12 مليون شخص، بحسب إحصاء لاتحاد عمال نقابات مصر، ويمثلون قرابة 40% من إجمالي عمال مصر، تعزز هذا الوضع المزري مع تصعيد الدولة من تحركاتها لمواجهة فيروس كورونا.

مخاوف وتحذيرات أبداها البعض بشأن ما يمكن أن يترتب على المشهد المجتمعي المصري حال استمرار الأزمة الحاليّة، الناجمة عن تفشي الوباء، إذ بات من المرجح وفق المؤشرات الراهنة زيادة معدلات البطالة في البلد الذي يرزح نحو ثلث شعبه تحت خطر الفقر، فضلًا عن تعزيز المأساة التي يعاني منها المصريون خلال السنوات الخمسة الأخيرة من تبعات برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي طبقته مصر بداية نوفمبر 2016.

واقع مؤلم

عمال القطاع الخاص والعاملون بـ"اليومية" كانوا الأكثر تأثرًا بالتطورات الأخيرة التي شهدها العالم منذ تفشي وباء كورونا الجديد في الصين، نهاية العام الماضي، ورغم أنهم الأكثر عددًا في خريطة العمالة المصرية، فإن ذلك لم يؤثر على واقعهم الذي يزداد تعقيدًا يومًا تلو الآخر.

الأزمة الراهنة دفعت العديد من رجال الأعمال وأصحاب الشركات والمصانع إلى اتخاذ إجراءات قاسية بحق منظومة العمالة لديهم، فخرجت بعض القرارات الصعبة على غرار منح العاملين إجازات إجبارية غير مدفوعة الأجر أو تقليل عدد العمالة عبر تسريح نسبة منهم، فيما كان الأكثر رحمة ورأفة بظروف العاملين من لجأ إلى تخفيض نسبة من الأجور وصلت للنصف في بعض الجهات.

تمام، موظفة بإحدى شركات السياحة بوسط القاهرة، أشارت إلى إدارة الشركة منحت ثلثي الموظفين إجازة مفتوحة، دون أجر، لافتة إلى أن محاولات عدة قاموا بها مع صاحب الشركة للوصول إلى حل وسط، يحافظ على الحد الأدنى من الأجور، لكنها باءت جميعها بالفشل، حيث أصر الرجل على موقفه.

الموظفة ذات الأعوام الـ35 في حديثها لـ"نون بوست" أشارت إلى أن عندها أعباءً ماليةً كبيرة، وقد استندت في ذلك إلى ما تتلقاه من راتب آخر الشهر، لكن الآن بعد أن فقدت مصدر دخلها الوحيد، ماذا يكون الحال؟ هكذا تساءلت، لافتة إلى أن حالة من الحزن والقلق تخيم على البيت منذ تنفيذ قرار الإجازة.

فيما تساءل حمدي الذي يعمل سائقًا عن حقيقة المنحة المقدمة من الحكومة لمساعدة المتضررين من الإجراءات الاحترازية، مشيرًا في حديثه لـ"نون بوست" أنه فوجئ خلال توجهه لإدارة المرور الخاصة به للاستعلام عن رخصة قيادته المسحوبة، أن موظفي الإدارة جميعهم في إجازة لمدة شهر كامل بسبب فيروس كورونا.

وأشار إلى أنه بات من العاطلين الآن، إذ لا يمكنه قيادة سيارة الأجرة الخاصة به دون رخصة القيادة، وعليه سافر إلى بلدته في إحدى محافظات الدلتا، للمكوث مع أهله هناك حتى يُستأنف العمل بإدارة المرور مرة أخرى، غير أنه تساءل: من أين سأعيش أنا وأولادي طيلة هذا الشهر؟

المأساة ذاتها عانى منها أحمد، مدرس اللغة العربية بإحدى مدارس محافظة الشرقية، الذي أشار إلى أنه كان يعمل مدرسًا بالحصة، وغير مثبت، وبالتالي ليس له راتب شهري ثابت، بينما كان يحصل على مقابل الحصص الدراسية التي يدرسها للطلاب، والآن ومع تعليق الدراسة دخل المعلم الشاب في زمرة العاطلين.

وأضاف مدرس اللغة العربية في حديثه لـ"نون بوست" أن الدروس الخصوصية ودروس تحفيظ القرآن التي كان يلقيها وتساعد في مواجهة أعباء الحياة قد أغلقت هي الأخرى، ليجد نفسه عالة على والده الذي يعمل مزارعًا، وهو ما له أسوأ الأثر النفسي عليه وعلى زوجته وأبنائه الثلاثة على حد قوله.

معاناة للعمالة غير المنتظمة في مصر

الرأسمالية المتوحشة

وبينما كان العمال يئنون من واقعهم المزري وحياتهم التي باتت على المحك، كان أصحاب رؤوس الأموال في مصر على الجهة الأخرى يغردون في واد آخر، حيث سيطرت الرأسمالية المتوحشة على البُعد الإنساني في التعاطي مع الأزمة الحاليّة التي يبدو أنه ستستمر لفترة ليست بالقصيرة.

المشهد برمته يأخذنا إلى 9 سنوات مضت، في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، حين اتهم رجال الأعمال وقتها المصريين بـ"تعطيل عجلة الإنتاج"، ورغم تباين الموقفين، فإن الهدف واحد، وهو حرص أصحاب الأموال على مصالحهم الشخصية بصرف النظر عن تداعيات ذلك على حياة الملايين من المصريين.

رجل الأعمال الشهير نجيب ساويرس، كان على رأس قائمة المطالبين باستمرار العمل ودوام العاملين في مصانعهم وشركاتهم، معترضًا على اتباع قطاع واسع من الشعب المصري في الأيام الأخيرة سياسات العزل الوقائي والبقاء في سكنهم خشية الإصابة بالفيروس الذي حذرت منظمة الصحة العالمية الحكومة من انتشاره بشكل واسع خلال الفترة المقبلة.

ساويرس الذي جمع مليارات الدولارات من جيوب الشعب المصري طيلة السنوات الماضية، في مداخلة تليفزيونية له قال "سنرى دماءً اقتصادية في مصر الأسبوع المقبل حال عدم عودة العمل بشكل طبيعي لتضرر العديد من القطاعات"، وأضاف "القطاع الخاص مضطر لخفض الرواتب والاستغناء عن جزء من العمالة، ولا يمكن أن يتوقف الاقتصاد بصورة كاملة، لأن هناك قطاعات مثل السياحة استغنت عن ملايين العاملين أو مهددة بذلك كما تقوم بعض الشركات بصرف ربع المرتب، واستمرار الوضع مع التزام القطاع الخاص، ستجعله مهددًا بالإفلاس، ولن تستطيع الحكومة مواجهة ذلك، ونحتاج إلى قرار فوري لذلك أيًا كانت التبعات".

واعتبر الاقتصادي الذي يعد من أغنى خمس رجال أعمال في مصر أن هناك دلالات تؤكد عدم خطورة العودة للعمل بالمقارنة بالأضرار على قطاعات الأعمال والانهيار المتوقع حال استمرار الوضع الحاليّ بعد الأسبوعين المقررين للحظر، ومنها أن نسبة الوفيات من المرضى بالفيروس في مصر، لا تتخطى 1% وتكون عادة من كبار السن، كما أن نسبة الإصابات منخفضة، وذلك رغم تحذيرات منظمة الصحة والحكومة المصرية.

الموقف ذاته تبناه رجل الأعمال، علاء عرفة، صاحب صفقة استيراد الغاز من الاحتلال الإسرائيلي، فقد طالب الدولة بوضع خطة إنقاذ للاقتصاد، وأن تعود عجلة الإنتاج إلى الدوران مجددًا، على أن يتم عزل أصحاب الأمراض وضعيفي المناعة وكبار السن في المنازل لفترة طويلة.

قوبلت تلك التصريحات بموجة استنكار كبيرة على منصات السوشيال ميديا، من المصريين الذي يطالبون الدولة بالتدخل لإجبار رجال الأعمال على الالتزام بالإجراءات الاحترازية وتعويض العاملين وضمان حقوقهم المادية والأدبية، هذا في الوقت الذي تظهر فيه البيانات الصادرة عن جهات رسمية انتشارًا كبيرًا للفيروس في بعض المناطق ما أدى إلى الدفع بعزل عدد من القرى بأكلمها في مختلف مناطق البلاد.

جدير بالذكر أنه خلال الساعات القليلة الماضية تم عزل بعض البنايات في مدينة بورسعيد، وإحدى قرى محافظة الغربية، كذلك ما أعلنته وزارة قطاع الأعمال بدء تطبيق عزل ذاتي لنحو 18 ألف عامل في المنازل بمنطقة المحلة الكبرى (شمال) إحدى أكبر مناطق صناعة الغزل والنسيج في مصر.

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

مع تفاقم الأوضاع واتساع رقعة المتضررين سعت الحكومة المصرية إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وذلك عبر عدة خطوات لدعم المتضررين من تلك الإجراءات، فبجانب تأجيل تسديد أقساط البنوك لستة أشهر، ومنح بعض الإعفاءات على بعض الخدمات، قررت صرف منحة قدرها 500 جنيه (33 دولارًا) لكل عامل غير منتظم، غير أن تطبيق هذا الحل - رغم أنه غير كافٍ لمواجهة الأعباء الحياتية - يقابله عدد من المشاكل أبرزها عدم وجود قاعدة بيانات لهؤلاء العمال.

وعليه ناشدت وزارة القوى العاملة العمال لتسجيل أنفسهم في الإدارات المخصصة لذلك، كمرحلة أولية، ثم تأتي مرحلة التثبت من استحقاقهم للدعم الحكومي، وعليه يتم الصرف في المرحلة الثالثة، لكن هذا كله يستغرق وقتًا ليس بالقصير، وهو ما ينعكس بالطبع على الحالة المعيشية للملايين من العمال، الأمر الذي يفاقم من تأزم الوضع.

الوزارة في تصريحات لها قالت: "المنحة ستصرف من مكاتب البريد تيسيرًا على العمال في ضوء الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد"، دون إيضاح المدى الزمني الذي سيستغرقه ذلك، فيما أكد الوزير محمد سعفان، أن نصف مليون عامل غير منتظم سجلوا بياناتهم بالفعل ويجري تدقيق بياناتهم تمهيدًا للنظر في ملفاتهم.

وفي السياق ذاته، أشار وكيل وزارة القوى العاملة، محمد عبد الرحمن، أن المنحة تصرف للعاملين في 4 قطاعات فقط هي الزراعة والمقاولات وعمال البحر والمناجم والمحاجر، مشيرًا إلى أن عدد العاملين يتجاوز 12 مليون عامل، لكن المنحة تصرف للمسجلين فقط في قاعدة بيانات الوزارة، مستنكرًا إقدام آلاف العمال على التسجيل حاليًّا رغم مناشدتهم بالتسجيل طوال الفترة الماضية، بقوله: "هي الناس فاقت دلوقتي وجاية تسجل"، مشيرًا إلى بدء صرف المنحة منذ 28 من مارس المنتهي بإجمالي نحو 120 ألف عامل صرفوا المنحة بقيمة أكثر من 600 ألف جنيه عن طريق مكاتب البريد.

وبالتوازي مع ذلك تعمل عدة منظمات غير حكومية على مبادرات لتوفير دعم نقدي للعمالة المتضررة أيضًا من خلال الحكومة المصرية، من بينها صندوق تحيا مصر ومؤسسة مصر الخير وغيرها، غير أن الأمر مرتبط بالحصر والتدقيق وجمع الأموال اللازمة من المتبرعين والجهات المانحة، بحسب ما قال القائمون على هذه المبادرات.

من ناحية أخرى ربما يزداد الوضع تأزمًا مع عودة المصريين العاملين بالخارج، ولعل واقعة رفض العائدين من الكويت دخول الحجر الصحي أبلغ تجسيدًا لتلك المعاناة، حيث تناقلت منصات السوشيال ميديا أقاويل بشأن عدم امتلاك هؤلاء لكلفة الحجر التي تريد الحكومة أن تكون على نفقة المواطن، التي تبلغ وفق ما تم نشره بين 800-1000 جنيه في الليلة الواحدة للفرد الواحد، وهو مبلغ ربما لا يتحمله الكثيرون، ليبقى السؤال: ماذا لو عاد المصريون في الخارج والمقدر عددهم قرابة 10 ملايين مصري؟

تحركات تبدو جيدة لكنها في الوقت ذاته ليست بالكافية، فنيران الأزمة تلتهم ما تبقى في جيوب المواطنين محدودي الدخل، وإن لم يتم الإسراع في تنفيذ تلك المحاولات التي من المتوقع أن تأخذ وقتًا طويلًا، فإن الأمور ربما تخرج عن السيطرة، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على مدى التزام هؤلاء بما يُفرض من إجراءات، فالموت عندهم بالوباء يتساوى مع البقاء بالمنازل دون دخل يسد أنين الحناجر المتشققة من الجوع.