جاءت الزيارة غير المعلنة لقائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قآني إلى بغداد رفقة عدد من الشخصيات العسكرية الإيرانية، لتؤشر إلى مدى حالة الارتباك التي تعاني منها إيران في العراق، إذ إنها تأتي كثالث زيارة لمسؤول إيراني إلى العراق خلال الشهرين الماضيين، الأولى لرئيس المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي شمخاني، والثانية لسفير إيران السابق في العراق حسن دنائي فر، وجميع هذه الزيارات جاءت على ما يبدو لوضع حد لحالة الفراغ الذي خلفه غياب قاسم سليماني عن المشهد السياسي العراقي بداية العام الحاليّ.

تثير هذه الزيارة الكثير من الأسئلة والاستفسارات التي يمكن أن تطرح عن الإستراتيجيات التي يمكن أن تعتمدها إيران في العراق، لتدارك الضغوط العراقية والأمريكية، فعلى الصعيد العراقي هناك مشكلة التظاهرات الاحتجاجية التي لم تهدأ حتى اللحظة، إلى جانب الخشية من إمكانية نجاح المكلف عدنان الزرفي في تمرير كابينته الوزارية، وعلى الصعيد الأمريكي هناك عقوبات أمريكية مستمرة، فضلًا عن التهديدات التي بدأت تحيط بالأمن القومي الإيراني من التحركات والتنقلات الأمريكية الأخيرة في العراق، وفي ظل هذه الصورة، يمكن القول إن زيارة إسماعيل قآني جاءت لتصحح جزءًا من الخلل إذا أمكن ذلك.

تنظر إيران إلى التطورات الجارية في العراق بالوقت الحاضر بأنها تأتي في سياق لا يخدم المشروع الإيراني مستقبلًا، فهناك الكثير من التوازنات السياسية والعسكرية التي أسستها إيران في العراق، ومن ثم فإن ترك الأمور تأخذ مجراها الحاليّ، يعني أن إيران قد تكون معزولة عن أي تأثير في مجريات السياسة الداخلية العراقية، والأكثر من ذلك، فإن العجز الكبير الذي بدأ يعاني منه البيت السياسي الشيعي اليوم، عن التوصل لمرشح توافقي تجمع عليه الكتل السياسية الشيعية، يشكل تحديًا آخر تواجهه إيران.

فهي تبدو قلقة جدًا من إمكانية انهيار التحالف الشيعي الذي أسسته منذ عام 2006، فحالة التمرد التي أظهرتها العديد من الكتل كالتيار الصدري والحكمة والنصر على المستوى السياسي، وبعض فصائل الحشد الشعبي (فصائل مرجعية النجف) على المستوى العسكري، تعطي صورة واضحة للمستوى الذي وصلت إليه إيران في العراق.

إن الجنرال الشامي كما يطلق على قائد قوة القدس إسماعيل قآني، يواجه هو الآخر تحديًا كبيرًا في ضبط قواعد اللعبة بالعراق، فهو طيلة وجود قاسم سليماني لم يتدخل قط بالشأن العراقي وكان منشغلًا بالملف السوري واللبناني، فضلًا عن عدم معرفته بمجريات السياسة الداخلية العراقية، ومن ثم فإن زيارته للعراق يمكن وصفها بأنها أول اختبار عملي له، وعليه فإن الفشل في إدارة الملف العراق، ستجعل القيادة السياسية والدينية في إيران تفكر ببدائل أخرى أكثر نجاعة في إنقاذ النفوذ الإيراني بالعراق، وقد يكون البديل هو تحويل الملف العراقي من الحرس الثوري إلى وزارة الخارجية أو الاستخبارات الإيرانية.

تراجع الضغط الكبير الذي كانت تمثله التظاهرات الاحتجاجية في العراق دفع إيران بالاتجاه نحو السعي لتأسيس قواعد اللعبة في العراق

شملت زيارة إسماعيل قآني سلسلة من اللقاءات مع قيادات من تحالف الفتح، لبحث سبل إيجاد بديل للمكلف بتشكيل الحكومة عدنان الزرفي، على اعتبار أن إيران تنظر إليه على أنه جزء من مخطط انقلابي تديره الولايات المتحدة في العراق، وعلى الرغم من أن إسماعيل قآني اقترح على القوى الشيعية المعترضة على تكليف عدنان الزرفي بدعم أسماء أخرى كوزير الداخلية السابق قاسم الأعرجي ووزير الرياضة والشباب السابق عبدالحسين عبطان، فإن هذه الأسماء بدورها كانت جزءًا من حكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وسبق أن اعترض عليها ائتلاف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ما يعني أن الخيارات الإيرانية حتى اللحظة، تبدو أنها تأتي في إطار الخيارات التكتيكية التي تخدم مشروعها في العراق لمرحلة انتقالية، وليس البحث عن حلول طويلة الأمد.

ولعل الأسباب التي تدفع صانع القرار الإيراني للذهاب بهذا التوجه، هي طبيعة الظروف السياسية التي تعيشها إيران اليوم، فإلى جانب التداعيات الخطيرة التي أفرزتها جائحة كورونا على الواقع الاقتصادي والاجتماعي في إيران، هناك العقوبات الأمريكية المتصاعدة، فضلًا عن الترتيبات الأمنية التي قامت بها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، ما يعني أن الحلول العاجلة والطارئة، هي الخيار الرئيس الذي جاء من أجله قآني للعراق، وليس شيء آخر.

إن تراجع الضغط الكبير الذي كانت تمثله التظاهرات الاحتجاجية في العراق قبل ظهور جائحة كورونا، فضلًا عن الضغط الكبير الذي تعاني منه الولايات المتحدة في مواجهة تصاعد حدة الإصابات والوفيات بالجائحة، دفعوا إيران بالاتجاه نحو السعي لتأسيس قواعد اللعبة في العراق، وفرض مزيد من الضغوط على إدارة الرئيس دونالد ترامب ودفع الولايات المتحدة لمعركة تريدها إيران في الزمان والمكان المناسبين، فالفوضى الأمنية المدارة هي الخيار الوحيد الذي قد تعول عليه إيران في حالة خروج الأوضاع في العراق عن سيطرتها.

ويمكن القول هنا إن البُعد العسكري يشكل الأولوية التي تتحرك من خلالها إيران في العراق بالوقت الحاضر، فإدخال العديد من الأسلحة والمعدات الثقيلة والمتوسطة قبل أيام، وآخرها إرسال إيران لمنظومة صواريخ 375 روسية الصنع، وذلك من أجل دعم جهود الفصائل ككتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء، للمواجهة المفترضة مع القوات الأمريكية في العراق، تشير إلى أن إيران تولي البُعد العسكري أهميةً كبيرةً، وهو ما دفعها إلى إرسال الجنرال الشامي بنفسه للإطلاع على حقيقة الأمر.