ترجمة وتحرير نون بوست

كم خبرًا صحفيًا يمكنك أن تتابع في نفس الوقت؟ الحرب في أوكرانيا، داعش في العراق؟ الحرب في غزة؟ الصور التي سُربت للمثلة جنيفر لورنس؟ إذا كنت تتابع المواقع الإخبارية والتليفزيون وحتى الصحف فربما لن تكون هناك الكثير من الأحداث لتتابعها، المراقب العادي لن يستطيع أن يتابع أكثر من حدثين أو ثلاثة في اليوم، فرغم مشاكل العالم، إلا أن لديك مشاكلك الخاصة، عملك وأسرتك وأشياء أخرى!

ذات مرة، قرر الاقتصاديون تمثيل قرارات الإنسان بشكل شديد العقلانية، على افتراض أن الناس يستخدمون جميع المعلومات المتاحة لاتخاذ خيارات أفضل في كل الأوقات، لاحقًا، أدرك الاقتصاديون، ببعض المساعدة من علماء النفس، أن هناك حدودًا لما يمكن أن يفكر فيه الناس في كل قرار.

اليوم، هذه الحدود تسمى "العقلانية المؤطرة"، وهي أكثر أهمية من أي وقت مضى، فلدينا الآن خيارات لانهائية لأشياء مثل الاستثمار والملابس والموسيقى والكتب وحتى الألعاب، كل ذلك متاح لنا، لكننا لا نزن كل خيار قبل أن نشتري، نحن نختصر، ولا نأخذ الخيارات الأفضل، لكننا نقبل الاختيارات التي نعتبرها جيدة بما فيه الكفاية.

كيف يكون هذا متعلقًا بالأخبار؟ سيكون من المستحيل تتبع كل خبر في العالم، حتى أفضل المؤسسات الإخبارية لا يمكنها فعل ذلك، لأن مواردهم محدودة، لكن بقيتنا لا يمكن أن نقوم بهذا الأمر لأن لدينا أشياء أخرى يجب علينا القيام بها، بدلاً من ذلك، نحن نفوض وسائل الإعلام لاتخاذ ذلك القرار عنا، وهو ما نهتم به لنمنحه جزءًا صغيرًا من يومنا.
 
لا يوجد سوى عدد قليل من وسائل الإعلام العالمية، وجميعهم يميلون لإعطاء الأولوية لبعض القصص على الأخرى، القصص التي تجتذب المزيد من المشاهدين والقراء، تجذب أيضًا المعلنين، أي أنها تجلب الأموال، وعندما يفقد الجمهور الاهتمام بالأخبار، تظهر أخبار أخرى يهتم بها الجمهور والمعلنون ووسائل الإعلام.

هذا يعني أنه من المرجح ألا يحتل خبر واحد الشاشة لفترة طويلة بغض النظر عن مدى أهميته!
 
عدد الوفيات في سوريا تجاوز حاجز الـ 100 ألف قتيل، ومئات آخرين يُقتلون كل يوم، لكن لم يعد الأمر مهما بالنسبة لوسائل الإعلام لتغطيته، فهناك أخبار جديدة تجذب انتباه وسائل الإعلام والجمهور؛ ونتيجة لذلك، فإن بشار الأسد ورفاقه قد حصلوا على رخصه للقتل دون الكثير من الخوف من الغضب العالمي أو التدخل الدولي، فلحظة الغضب قد ولت وانقضى زمانها.

بنظرة سريعة على هذا العام يمكنك أن ترى تقلب اهتمامات الجمهور، بعض الأخبار وصلت إلى ذروة المتابعة الإخبارية، لكن لم يكن هناك اهتمام متساو بخبرين رئيسيين في نفس الوقت، بالنظر إلى الرسوم البيانية التالية من خدمة Google Trends، والتي تقيس عدد مرات بحث الناس عن كلمات بعينها، بما في ذلك المتعلقة بالأحداث الكبرى، في جميع أنحاء العالم.
 
هذا رسم من العام الماضي:

في مارس، جذب الصراع في أوكرانيا انتباه العالم، لكنه تم نسيانه بشكل سريع عندما اختفت الطائرة الماليزية MH17. لم يكن الوضع الأوكراني أقل أهمية، لكن ببساطة، تحول الناس ووكالات الأنباء وبالتالي اهتمام المعلنين إلى قصة أخري، ولا يمكن لقصتين رئيسيتين أن تحصلا على نفس الاهتمام في ذات الوقت.

ثم في يوليو، تصاعدت أحداث القتال في غزة، وكذلك تصاعدت أعداد المتابعين لأخبار القطاع، لكن في نفس اليوم الذي شنت فيه إسرائيل غزوها البري لقطاع غزة، تم إسقاط الطائرة الماليزية الثانية في أوكرانيا، يمكنك ملاحظة الرسم التالي:

وبعد أيام استعر فيروس الإيبولا فاشتعل الاهتمام به

في أغسطس، كان هناك تغيير آخر، هبط الاهتمام بإيبولا مقابل أحداث مقاطعة فيرغسون بولاية ميزوري الأمريكية، وكذلك تقدم داعش في سوريا والعراق وارتكابها جرائم مروعة، وبالتالي انسحب المتابعون بعيدًا.

بطبيعة الحال، جدة الخبر يمثل ميزة في حد ذاته في المساحة التي يشغلها من الذهن، وفي التغطية الإعلامية على حد سواء، حتى أشد الجرائم بشاعة مثل مجازر بشار الأسد بحق المدنيين في سوريا، لم تعد تظهر على رادار الأخبار، الأشرار العمليون يمكنهم أن يحرفوا بوصلة الاهتمام العالمي، أو أن ينتظروا ببساطة لحدوث شيء أكبر يلفت انتباه العالم عن جرائمهم.

هذا تحديدًا ما فعله بشار الأسد، وربما يكون حكيمًا فيما فعل، فأكثر الفترات دموية في قمع النظام السوري للسوريين كانت عام 2012 في أشد الأشهر ازدحامًا بالأخبار في موسم الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، ومباشرة بعد الانتخابات، انخفض معدل القتل في سوريا لعدة أسابيع، ربما يكون ذلك محض صدفة، لكنه يبدو أكثر خبثًا من أن يكون مجرد صدفة.

ومنذ ذلك الحين، خف الاهتمام بسوريا بشكل كبير، ولم يكن في سوريا خبر جديد.

عادت الأضواء إلى سوريا في صيف 2013 مع مجزرة الكيماوي، لكن هذا الاهتمام بجريمة مذهلة لم يدم طويلاً، فقد كانت هناك المزيد من المآسي التي تنافس على اهتمام الناس، أو حتى ربما كان الجميع يلعب لعبة GTA التي جذبت الأنظار في الغرب!

 

وفي كل الحالات، لا يمكن أن تعتقد أن الانتباه بأي شيء سيدوم لبضعة أيام حتى لو كانت قضية مثل مقتل مئات الأطفال بهجمات كيميائية.

هل يجب أن يُلام الناس؟ لقد قصّر الإنترنت انتباه الناس بشكل كبير حتى أنهم صاروا مثل طائر الطنان، يتنقل من زهرة إلى زهرة بشكل سريع للغاية، وفي ذات الوقت، فإن عولمة وسائل الإعلام وتقريبها الناس للأخبار من كل العالم أثرت تمامًا في ذلك، ببساطة، هناك ما لا يكفي من الوقت لمتابعة كل شيء، أو حتى التركيز على قضيتين بنفس المستوى!

المصدر: فورين بوليسي