تتواصل جائحة فيروس كورونا في الانتشار بأغلب الدول والأقاليم في العالم، مخلفة خسائر بشرية واقتصادية كبيرة. جائحة جعلت الجميع يستنفر للتصدي لها وإيقاف زحفها، فتوقف العمل وأُغلقت الحدود وعُلقت الرحلات الجوية والبحرية وعُطلت الدراسة ومُنعت التجمعات العامة وأُغلقت المساجد والكنائس.

لكن مع كل هذا، هناك بعض الأنظمة السلطوية التي استغلت هذا الوباء العالمي لخدمة مصالحها وبسط نفوذها داخليًا وخارجيًا ومعاقبة معارضيها، فكانت لها كورونا أفضل سند لتنفيذ مخططاتها التي عجزت عن تنفيذها سابقًا.

انتظار الفرصة

المثال الغيني يعطينا فكرة عن كيفية استغلال بعض الأنظمة لفيروس كورونا خدمة لمصالحها الذاتية بعيدًا عن مصلحة الشعوب، ففي هذا البلد الإفريقي كان مقررًا أن تجرى انتخابات تشريعية بالتوازي مع استفتاء على مشروع دستور جديد، تسعى السلطة الحاكمة لإقراره ويهدف إلى السماح للرئيس الحاليّ ألفا كوندي (82 عامًا) بالترشح لولاية ثالثة في الانتخابات المقبلة المقررة سنة 2020، لكن تم تأجيل ذلك لأكثر من مرة نتيجة الاحتجاجات الشعبية الرافضة للأمر.

استجاب الرئيس ألفا كوندي لهذا الضغط في البداية وأجل الانتخابات إلا أنه سارع إلى تنظيمها في ظل انتشار فيروس كورونا

احتجاجات انطلقت منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وراح ضحيتها أكثر من 40 متظاهرًا، غالبيتهم سقطوا برصاص الشرطة وفق "الجبهة الوطنية للدفاع عن الدستور" (تحالف لأحزاب معارضة ونقابات وجمعيات من المجتمع المدني)، فيما تم اعتقال المئات ووضع العشرات من قادة المعارضة تحت الإقامة الجبرية.

رفض الاستفتاء على الدستور لم يكن من الداخل فقط، فالعديد من المنظمات الدولية والإقليمية أعربت عن قلقها بشأنه، داعية الرئيس العجوز ألفا كوندي للتراجع عنه، ذلك أن التدهور الديمقراطي الذي سينتج عن هذا الاستفتاء يمكن أن يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.

تعديل الدستور

استجاب الرئيس ألفا كوندي لهذا الضغط في البداية وأجل الانتخابات، إلا أنه سارع إلى تنظيمها في ظل انتشار فيروس كورونا، مستغلًا خوف الشعب الغيني من الفيروس وعدم قدرته على الخروج إلى الشارع للاحتجاج، وعدم اهتمام القوى الدولية والإقليمية به.

وتم الكشف عن أول حالة إصابة بالفيروس التاجي الجديد في غينيا، في الـ13 من شهر مارس/آذار الماضي، لأحد الموظفين التابعين للاتحاد الأوروبي في غينيا، بموجب ذلك "تم اتخاذ جميع التدابير الوقائية" في هذا البلد الواقع غرب إفريقيا الذي تضرر قبل ست سنوات نتيجة وباء إيبولا.

عدم الاهتمام الدولي بألفا كوندي تبين جليًا بإلغاء المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إكواس) زيارة رفيعة المستوى إلى كوناكري، حيث كان مقررًا أن يرأس وفد غرب إفريقيا ثلاثة من كبار الشخصيات من المنطقة: رئيس الدولة النيجيري والرئيس بالنيابة لإكواس محمدو إيسوفو، ونظيره الإيفواري الحسن واتارا، والنيجيري محمدو بوهاري، لكن الزيارة ألغيت بسبب جائحة الفيروس التاجي.
 

استغل الرئيس الغيني ألفا كوندي أزمة كورونا لتثبيت سلطته في البلاد والقيام بما عجز عنه في الفترة السابقة
 

كما يتبين عدم الاهتمام بما يجري في غينيا أيضًا من خلال عدم إرسال المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا مراقبين لمتابعة الانتخابات التشريعية والاستفتاء على الدستور التي أقيمت نهاية شهر مارس/آذار الماضي.

استغلت السلطات الغينية هذا الوضع وسارعت إلى تنظيم انتخابات أفرزت حصول مشروع الدستور الجديد الذي يريده الرئيس ألفا كوندي، على نسبة تأييد كبيرة بلغت أكثر من 90%، وفق اللجنة الانتخابية الغينية.

وقال رئيس اللجنة أمادو ساليفو كيبي لصحافيين إن 91.59% صوتوا بـ"نعم"، بينما صوت 8.41% بـ"لا" على المشروع، مشيرًا إلى أن نسبة المشاركة بلغت 61%، رغم المقاطعة الكبيرة لهذا الاستحقاق الانتخابي خاصة من قوى المعارضة.

الالتفاف على إرادة الشعب

تعديل دستوري يسمح لكوندي بالترشح لولاية ثالثة هذا العام، ويحدد دستور المستعمرة الفرنسية السابقة فترة الرئيس بولايتين تمتد كل منهما خمس سنوات، أما الدستور الجديد، فينص على ولايتين تستمر كل منهما ست سنوات.

من شأن تعديل الدستور أن يلغي حساب عدد الولايات الرئاسية السابقة، ما من شأنه أن يسمح لألفا كوندي بالترشح مجددًا عند انقضاء ولايته الثانية هذا العام، وهو احتمال لم تنفه الحكومة، فلطالما شكك الرئيس ألفا كوندي، في أهمية الحد من عدد الولايات الرئاسية في القارة الإفريقية، وينص الدستور الغيني على ولايتين رئاستين فقط.

يعد الرئيس ألفا كوندي المعارض التاريخي السابق، البالغ من العمر 81 سنة، أول رئيس منتخب لهذه المستعمرة الفرنسية السابقة في غرب إفريقيا التي كانت تحكمها في السابق سلطات استبدادية وحتى ديكتاتورية، وكان ذلك سنة 2010.

ألفا كوندي ليس الوحيد الذي استغل هذا الأمر فالعديد من الدول عملت على استغلال جائحة كورونا خدمة لمصالحها وتنفيذًا لأجنداتها

تؤكد المعارضة الغينية نية الرئيس الذي تقلد السلطة سنة 2010، كسر القفل الدستوري والبقاء على رأس البلاد لفترة أخرى، فأعماله وتحركات المحيطين به تدلل على ذلك، رغم عدم إعلان ذلك صراحة، وتنتهي فترة ولاية كوندي الثانية في أكتوبر/تشرين الأول 2020.

وتعود آخر انتخابات رئاسية في غينيا إلى سنة 2015، حينها تمكن ألفا كوندي من الفوز بالرئاسة، وذلك إثر حصوله على نحو 2.3 مليون صوت، أي ما يعادل 57.85% من أصوات الناخبين من الجولة الأولى، بحسب اللجنة المشرفة على الاقتراع، فيما حصد الخصم التاريخي لكوندي، زعيم المعارضة الغينية سالو دالان ديالو، مليون و200 ألف صوت، أي بنسبة 31.44%.

ويتهم زعيم اتحاد القوى الديمقراطية في غينيا، سيلو دالين ديالو، ألفا كوندي باستخدام "ثلاث أدوات لتحقيق غاياته، وهي: العنف والقمع والفساد، حيث تُضخ مبالغ من المال في كل مكان في الداخل لشراء قادة الرأي والقادة المنتخبين حتى يدعموا هذا العمل لفترة ولاية ثالثة"، وفق قوله.

كورونا في خدمة الديكتاتورية

هكذا استغل الرئيس الغيني ألفا كوندي أزمة كورونا لتثبيت سلطته في البلاد والقيام بما عجز عنه في الفترة السابقة، فرغم قتاله لعقود عدة من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في بلاده، وعقابه بالنفي والسجن خلال معركته من أجل غينيا حرة وديمقراطية، فإنه خان المثل العليا التي حارب من أجلها عند أول فرصة سنحت له.

ويمثل الاستفتاء على تعديل الدستور الذي جرى مؤخرًا في غينيا، خطوة جديدة إلى الخلف بالنسبة لديمقراطيات دول غرب إفريقيا، ذلك أنه سيسمح لرئيس البلاد الذي وصل إلى السلطة في 2010 بموجب انتخابات حرة ونزيهة وفاز بولاية ثانية ونهائية يسمح بها الدستور في 2015، بالبقاء في منصبه حتى 2032.

وعرفت غينيا سنوات طويلة من الديكتاتورية والانقلابات العسكرية قبل عودة الديمقراطية لها سنة 2010، إلا أن تعديل الدستور بهذه الطريقة سيكون بداية لعودة حكم الشخص الواحد المستبد الذي يسعى إلى تمديد فترة حكمه بوسائل ملتوية.

ألفا كوندي ليس الوحيد الذي استغل هذا الأمر، فالعديد من الدول عملت على استغلال جائحة كورونا خدمة لمصالحها وتنفيذًا لأجنداتها، ففرض قانون الطوارئ في بعض المناطق دون الاهتمام بحقوق الإنسان يمثل أحد أوجه الاستغلال أيضًا.