ترجمة وتحرير: نون بوست

إن جائحة فيروس كورونا، التي تسببت في وفاة 75 ألف شخص وأكثر من 1.3 مليون حالة إصابة على مستوى العالم حتى الآن، أضافت بعدًا جديدًا لحالة عدم اليقين والقلق التي يعاني منها عالمنا الهش الذي يفتقر للأمن.

في حين يتفق الكثيرون على أنه لا شيء سيبقى على حاله، فإنه من غير الواضح أي نوع من النظام السياسي العالمي سيبرز في عالم ما بعد الكورونا. من المحتمل أن تقربنا هذه المحنة من بعضنا البعض أو تجعلنا غرباء أكثر في عالم معزول بشكل متزايد. إن اختياراتنا الآن لن تشكل الاقتصاد والنظام الجيوسياسي فحسب، وإنما أيضا حالة إنسانيتنا خلال العقود القادمة.

إن حالة الفوضى والذعر والتكلفة البشرية التي تسبب فيها فيروس كورونا كشفت عن مواطن ضعف المؤسسات الإقليمية والدولية الحالية. من جهتها، ترى منظمة الأمم المتحدة أن "هذه الأزمة تمثل أصعب تحد نواجهه" منذ الحرب العالمية الثانية. لقد فشلت المنظمات الدولية على غرار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة العشرين ومنظمة التعاون الإسلامي، على نطاق واسع، في الاستجابة للجائحة بطرق معقولة وفعالة. تعاني هذه المنظمات بالفعل من أزمة شرعية، ولكن ربما لديها فرصةٌ الآن لإعادة إنشاء نفسها. إن فيروس كوفيد-19 يقتل الأشخاص ويدمر في نفس الوقت الثقة في النظام العالمي الحالي ومؤسساته.

لا يزال السؤال القديم بشأن الموازنة بين الحرية والأمن سؤالا محوريًا مع الديناميات الجديدة. يتساءل الكثيرون بالفعل إلى أي مدى نحن مستعدون للتخلي عن حرياتنا من أجل أمننا. ومن المرجح أن تصبح الأنظمة السياسية الاستبدادية والأنظمة القومية - الشعبوية أكثر انتشارًا في عالم ما بعد الكورونا.

يبدو أن صعود الأنظمة التي تقوم على الأمن أمر لا مفر منه على المدى القصير ولكنها لن تقرر مستقبلنا. وسواء كانت نماذج الإنتاج الرأسمالية ذات الطبيعة القمعية والشركات متعددة الجنسيات أو هياكل الدولة القومية القديمة، يجب علينا أن نكون يقظين تجاه انتهاكات السلطة.

باعتباره مفهومًا شاملًا، فإن الأمن البشري لا يجب أن يكون منفصلًا عن الحرية. ولا يمكن للنظام الاجتماعي السياسي الصحي أن يعمل على أساس الأمن وحده. فالحرية شرط لازم لا غنى عنه للابتكار والتفكير والعلاقات والإنتاج البشري. كما أن الموازنة بين الحرية والأمن ضرورية لمكافحة الكوارث الطبيعية وتلك التي من صنع الإنسان بشكل فعّال.

لا شك أن الأمن الحيوي والأمن السيبراني إلى جانب الأمن الغذائي من القضايا التي ستصبح أكثر إلحاحًا، ولكن لا يمكن اعتبارها مجرد ضخ لمزيد من الهندسة الاجتماعية في المجتمع العالمي. إن المفتاح هو توفير الأمن البشري للجميع. 

تظهر التهديدات العالمية أنه لا أحد منا في مأمن حتى نكون جميعًا آمنين. لم يعد هناك وجود للتسلسل الهرمي الثقافي والحصانة أو الامتياز الاقتصادي لأي منطقة أو أمة أو دولة. لا يمكن لأي دولة الفوز في هذه المعركة بمفردها. قد تبدو التحركات متعددة الأطراف والتضامن من المفاهيم المبتذلة، لكننا في أمس الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى لإنقاذ الأرواح.

تشييد جدران عالية يمكن أن يمنح القوميين والحمائيين بعض النقاط، ولكن لا يمكن أن يضمن الأمن والأمان للجميع

 يجب على منظمة الأمم المتحدة أن تعيد هيكلة نفسها للتعامل مع مثل هذه الجوائح. إن إسداء النصح ليس كافيًا. يجب تمكين منظمة الصحة العالمية لتتخذ إجراءات وقائية. لابد أن تأخذ دول مجموعة العشرين بزمام المبادرة لجمع الأموال لتطوير اللقاحات ومشاركة النتائج مع الدول النامية.

سواء في ووهان أو نيويورك أو مدريد أو وسط مخيم للاجئين، إن حماية المستضعفين أولوية. يجب أن نتذكر ونعتز بإنسانيتنا العميقة عندما نهتمّ بالمسنين والمرضى والمحتاجين والأجانب. هذا ما يحدث في عدد لا يحصى من المستشفيات والمصحات ووحدات العناية المشددة حول العالم، حيث يخاطر الأبطال الحقيقيون لهذه المحنة من أطباء وممرضين والعاملين في القطاع الصحي بحياتهم لإنقاذ الآخرين. إن هذه المشاعر الإنسانية يجب أن تنتشر في كل شارع وحي ومدينة ودولة، فإذا كنا سنهزم الفيروس فلن نهزمه بالعلم والتكنولوجيا فقط وإنما أيضًا بالحكمة والتعاطف والإنسانية. 

إن تشييد جدران عالية يمكن أن يمنح القوميين والحمائيين بعض النقاط، ولكن لا يمكن أن يضمن الأمن والأمان للجميع. ستمضي أيام الكورونا ولكن الزعماء السياسيين والدينيين يجب أن يقودوا الطريق نحو اليقظة من فيروسات كراهية الأجانب ومعاداة السامية والإسلاموفوبيا وأنواع أخرى من العنصرية المنتشرة بيننا.

بينما نقضي المزيد من الوقت في منازلنا وعلى الفضاءات الرقمية، فإن هذا يجب أن يمثل لحظة للتأمل بالنسبة لنا جميعا. الحيلة حسب المثل الطاوي القديم هي محاربة الوحش دون أن تصبح مثله. في الحقيقة، يمثل الحفاظ على إنسانيتك في أيام الكورونا اختبارًا أخلاقيًا لنا جميعًا.

تمثل كل كارثة طبيعية محاولة من الطبيعة لإرساء توازن جديد. إنها استجابةٌ لما نفعله نحن البشر لتناغم النظام الطبيعي. يقتضي ذلك استجابةً طارئة ومناسبة من الجنس البشري. لا يمكن لهذه الاستجابة أن تكون فقط من حيث العدد والإحصاءات والرسوم البيانية، وهو ما نفعله في القرون الأخيرة. يشتمل الفهم المعمّق على تقدير وتحول جذري للطرق التي نتفاعل بها مع العالم.  

يمثل فيروس كوفيد-19 تحذيرًا لنا بأننا لسنا أسياد الكون، وأن هذا العالم ليس ملكيتنا الخاصة. إذا تواصلت سطوة الرأسمالية والاستهلاكية على العالم، ستظهر المزيد من الفيروسات والجوائح والكوارث. يجب أن تُخاض الحرب على فيروس كوفيد-19 بجميع الوسائل الضرورية، العلمية منها والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والدينية. ولكن يجب أن لا نغفل عن حقيقة أن هذا الأمر لا يتعلق بالثراء أو الفقر، أو الدول المتقدمة أو النامية، بل يتعلق أيضًا بالحكمة والرحمة والإنسانية.

المصدر: الجزيرة الإنجليزية