يكثر الحديث بشدة عن الأخبار المزيفة في العديد من البلدان العربية وخاصة الخليجية منها، ومن ثم البحث عن حلول لها باستخدام الذكاء الاصطناعي، على طريقة تصفية الفيروسات الخطرة، ويبدو لافتًا للغاية أن الدور الأم في هذه القضية يؤديه باحثون من الإمارات، وبوجه خاص من كلية الابتكار التقني في جامعة زايد بأبو ظبي، بمساعدة زملاء لهم من الأردن، تحت شعار تنبيه مستخدمي شبكة الإنترنت في المستقبل إذا كانوا يقرأون موقعًا إلكترونيًا من المحتمل أن يضم معلومات مزيفة أو لا.

بدأ المشروع منذ يناير الماضي، ولكنه يهيمن بشكل كبير على اهتمام الميديا الإمارتية، ويلاحظ ذلك من خلال تكثيف النشر على القضية، واقتران عبارة "الأخبار المزيفة" بالكذب المتعمد بغرض تشجيع "الانقسام الاجتماعي"، والتركيز على أنها تضاعفت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وخاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد الاعتماد على تويتر وفيسبوك كمصدر رئيسي للأخبار.

ما يسعى له القائمون على المشروع، لا يمكن اعتباره أمرًا جديدًا، خاصة إذا علمنا انتشار العديد من الدراسات خلال العامين الماضيين، حتى في البلدان الغربية لتطوير أدوات جديدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، لمساعدة شبكات التواصل الاجتماعي ومؤسسات الأخبار على التخلص من القصص المزيفة، وأشهر الذين توصلوا إلى نتائج حقيقية باحثون في جامعة واترلو بكندا، الذين طوعوا خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد ما إذا كانت المطالبات المقدمة في المنشورات أو القصص مدعومة من منشورات وقصص أخرى عن نفس الموضوع أم لا. 

اختار ابن زايد لإدارة الجامعة التي ستشرف على إدارة هذا المشروع، أفضل الخبراء من جميع أنحاء العالم، وضمهم على الفور إلى مجلس الأمناء وحرص على توازن القوى في تشكيلة اختيارهم

الدراسة التي قدمت في مؤتمر نظم معالجة المعلومات العصبية في كندا، استهدفت تقييم القصص الإخبارية التي يتم تصنيعها لخداع أو تضليل القراء، وعادةً ما تسعى لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، عبر نظام أوتوماتيكي بالكامل، يستخدم تقنية طورتها دراسة جامعة واترلو، كأداة فحص من مدققي الحقائق في وسائل التواصل الاجتماعي والمؤسسات الإخبارية. وهي هنا تخدم النظام الديمقراطي وتخفف من محاولة استخدام وسائل التواصل في إغراق المنافسين بالمعلومات المضللة التي قد تدمر فرصهم في الصعود والترقي. 

نعود للإمارت من جديد، والعاصمة أبو ظبي التي تتبوء المجال في المنطقة حاليًّا، حيث يواكب الإعلان عن محاولة تكبيل الأخبار المزيفة، إعلان آخر قبل أشهر قليلة عن تأسيس "جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي"، وهي أول جامعة للدراسات العليا المتخصصة ببحوث الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، وتحمل بالطبع اسم ولي عهد أبو ظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي يسعى لتوطين أقوى وأحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي وأكثرها تطورًا في العالم ببلاده، فالتكنولوجيا هي القوة الأكثر تعاظمًا الآن في العالم، وامتلاكها يعني الكثير في منطقة تعج بالأزمات والصراعات التي لا تنتهي. 

اختار ابن زايد لإدارة الجامعة التي ستشرف على إدارة هذا المشروع، أفضل الخبراء من جميع أنحاء العالم، وضمهم على الفور إلى مجلس الأمناء وحرص على توازن القوى في تشكيلة اختيارهم حتى لا تكون الغلبة في مثل هذا المجال الحساس لجنسية بعينها، وهي إستراتيجية مجربة لضمان ولاء الجميع للمشروع ودولته الأم، ولهذا تصدر مجلس الأمناء البروفيسور السير مايكل برادي، ويتولى مهمة الرئيس بشكل مؤقت، وهو يشغل حاليًّا منصب أستاذ تصوير الأورام في جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة.

أيضًا هناك البروفيسور أنيل جاين الأستاذ في جامعة ولاية ميشيغان في الولايات المتحدة، والبروفيسور أندرو تشي تشي ياو عميد معهد علوم المعلومات متعددة التخصصات في جامعة تسينغهوا في بكين بالصين، والدكتور كاي فولي أحد أبرز المسؤولين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا بالصين، والبروفيسورة دانييلا روس مديرة مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة، وبينج شياو الرئيس التنفيذي لمجموعة "جروب 42".

مخاوف الديمقراطية في العصر الرقمي

رغم وجاهة الطرح وسعي بلدان العالم المتقدم والنامي إلى محاصرة الأخبار المزيفة، هناك مخاوف كبيرة من إساءة استخدام التكنولوجيا وجعلها أداة لضرب المبادئ الأساسية للديمقراطية عبر تمكين الأقوياء وخدمة الأجندات الخاصة للحكومات والسلطات التي لا ترتاح للديمقراطية، ولن يكون غريبًا إذا علمنا أن أخطر أنظمة المراقبة المستندة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، يتم تطويرها حاليًّا في الصين وتصدرها إلى أغلب دول العالم، وهذه الأنظمة ستبقي كل مواطن تحت المراقبة على مدار 24 ساعة في اليوم، وسيكون لديها القدرة على مراقبة كل عمل يقوم به. 

في القريب العاجل ستلبي التكنولوجيا، حاجة الحكومات الراغبة في توسيع قبضتها على مواطنيها من خلال إنشاء "دولة مراقبة" ولن يحدث ذلك إلا بتطوير خوارزيمات لن يكون متاحًا إخضاعها للمراقبة، وخاصة في المجتمعات التي لا تنزعج من غياب الحرية ولم تدفع ثمنًا مناسبًا لحمايتها، وبالتالي ستوفر مثل هذه التقنيات تحديات كبرى كانت تتعلق في الماضي بأهمية التوصل إلى توافق في الآراء، وسيكون شبح الخوف من المراقبة اللصيقة هو العامل الأكثر حسمًا للتوافق حول الآراء التي ترغب السلطة في تمريرها بسهولة ويسر. 

العرب.. التكنولوجيا لا تخدم الديمقرطية 

الذي ولد في أي من بلدان هذه المنطقة يعرف جيدًا أن التوسع في استخدام التكنولوجيا، لن يؤمن بسهولة أن أحد أهدافها الانتقال السريع إلى الديمقراطية وتحسين شروطها، بل سيكون التصور الأقرب أن هذا التوسع سيقوضها اعتمادًا على كيفية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ومن يتحكم بها في الوقت الحاضر، وخاصة كلما بقيت المنطقة ساحة للحرب والنزاع والاستغلال من كل الأطياف المتصارعة.

الديمقراطية الإلكترونية - على الأقل في ذهن المعتقدين بها - تنقل آلية الانتخاب من الصندوق إلى الشبكة، وتتيح للمواطنين نقد ممثليهم ومساءلتهم دون حاجة تذكر إلى البحث عنهم بين أروقة البرلمانات

في سنوات ماضية ومع اندلاع الربيع العربي، كانت تطرح مثل هذه التحديات على فرقاء الثورات العربية، حيث كان معروفًا للغاية حجم الأخبار الكاذبة التي تمرر على وسائل التواصل الاجتماعي لضرب الفكرة في مقتل، ولكنها كانت خيارًا أفضل بكثير من تسليم هذه الشبكات لخطر المراقبة والسيطرة الاستبدادية، فأي رقابة ـ غير قانونية ـ على المنصات التي يتعلم فيها المواطن أبجديات التعبير عن الرأي، ويُحصل فيها تجربة تراكمية بكل ما فيها من سوءات، ولكن هذه الميزة ربما لن تكون متاحة في بلدان شديدة المركزية، لا تنمو فيها فرص التنافس الاجتماعي وحرية التعبير، ما يساهم مع الوقت في تآكل الحقوق المدنية.

تشكل الرقابة المتحيزة سواء من أصحاب النوايا الحسنة أم الفاسدة، طريقًا للتدمير الممنهج وتفسح المجال لإرساء الاستبداد وتنهي أي أمل في تولي قيادة ملهمة تنازع السلطوية وتطاردها، ما يقر وضع الديمقراطية التي ترتضيها بلدان المنطقة، فهي عادة ما تردد بالاسم فقط، دون أن يكون لها هيكل ذات معنى، وبالتالي جمع كميات هائلة من المعلومات بالتكنولوجيا الجديدة، عن تفضيلات المستخدمين واستجاباتهم واستخدام تقنيات تعديل السلوك، سيسهل بشدة التلاعب بخيارات المواطنين. 

في كتاب "التكنولوجيا والإعلام والديمقراطية إضاءات مهمة وملفتة في هذا المجال" يقدم الدكتور يحيى اليحياوي أستاذ التدبير الإستراتيجي للمنظمات، إشارات واضحة إلى هذه المعضلة، ويؤكد أن التقنيات الحديثة أتاحت حريات غير مسبوقة في الوصول إلى المعلومات، من الفضائيات وشبكة الإنترنت، أو ما يمكن تسميته بالديمقراطية الإلكترونية التي فعلت حريات التعبير والمعرفة وتداول المعلومات وكسرت احتكارها.

يوضح اليحياوي أن الديمقراطية الإلكترونية - على الأقل في ذهن المعتقدين بها - تنقل آلية الانتخاب من الصندوق إلى الشبكة، وتتيح للمواطنين نقد ممثليهم ومساءلتهم دون حاجة تذكر إلى البحث عنهم بين أروقة البرلمانات أو في متاهات المكاتب وقاعات الاجتماعات، ويلفت النظر إلى أن الشبكات الإلكترونية وسيلة تدفع العازفين عن المشاركة في العمل السياسي للمساهمة في تحديد حال ومآل الشأن العام، بعدما تعذر سبل التعبير المباشر عنها. 

قد يكون تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنطقة أمرًا جيدًا للغاية وسبقًا في تحدي رفاهية بعض بلدان المنطقة مع أفضل دول العالم على جميع المستويات

يتخوف أستاذ التدبير الإستراتيجي من سعي الدول العربية ومؤسساتها التنفيذية والشركات القوية المتعاونة معها لتطوير التكنولوجيا من أجل استخدامها في التضييق على حريات الأفراد والجماعات ومراقبة تحركاتهم، وتحويل الإنترنت إلى أداة استخبارية للتجسس، ومنع الأفراد من الحق في خصوصيتهم وفي سرية سجلاتهم، الأمر الذي يجعل الحقوق كلها مستهدفة وغير ذات قيمة أخلاقية.

يستند اليحياوي إلى الوجه الآخر لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي استخدمت في توظيف الصراع الأمريكي مع الأصوليات الدينية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، لشن حملات انتقام شاملة من العرب والمسلمين والإساءة إليهم دون وجه حق، بعدما جرى تشويه الحقائق باعتماد مقولات التطرف الأمريكي وتعميمها على الإعلام العالمي وتسويق إستراتيجية الخوف والخرافات لتغييب الحوار المباشر والحريات، مما فتح المجال لنازية جديدة جماهيرية، مزودة بالفضائيات والإنترنت والإغراق والإغراء الإعلامي. 

يعود الخبير في التدبير الإستراتيجي إلى مشكلات المنطقة العربية ويؤكد أن تعدد الفضائيات ليس دليلًا على الديمقراطية، فهي لا تهدف إلى إمداد الأفراد بالأخبار في شفافية كاملة، بل هي في الغالب الأعم محكومة بالاعتبارات المالية والاقتصادية، والمزايا والتسهيلات الحكومية والعقود الاحتكارية التي تحولت معها بحكم القانون إلى مؤسسات محصنة وخارجة على القانون والأعراف، وفي مأمن من التنافس والتشويش أيضًا.

قد يكون تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنطقة أمرًا جيدًا للغاية وسبقًا في تحدي رفاهية بعض بلدان المنطقة مع أفضل دول العالم على جميع المستويات، ولكن في الوقت نفسه فإن الصراعات بجميع أنواعها في المنطقة، الداخلية والخارجية منها، لا تحصنا من الخوف تجاه إساءة استخدام الأدوات الرقمية وتعظيم ثقافة المراقبة التقنية والتحكم في بوصلة المعلومات المضللة وتسخير التكنولوجيا بشكل أكثر فعالية لقتل أي أمل في بناء ديمقراطيات تناسب العصر، ولو بعد حين!