ترجمة وتحرير: نون بوست

إن ظهور فيروس كورونا المستجد مؤخرا يسلط الضوء على المخاطر التي يُمكن أن تمثلها الحيوانات على البشر، باعتبارها مصدرا للفيروسات الجديدة. إن الفيروس المشار إليه المعروف باسم "فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع 2"، مرتبط بـ "السوق الرطب" لتجارة الحيوانات البرية بمدينة ووهان في الصين، على الرغم من أنه ليس مؤكدا بأي حال من الأحوال أن هذا هو مصدر النسخة البشرية من الفيروس. تم تحديد الخفافيش على أنها الحيوانات التي تحمل نوعية الفيروس الأكثر مطابقة للفيروس المعروف. مع ذلك، لسنا متأكدين مما إذا كان الخفاش هو المصدر المباشر لفيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع 2.

إذن، كيف تبرز فيروسات جديدة من البيئة وتبدأ في إصابة البشر؟

لكل فيروس أصل فريد من حيث توقيت ظهوره وآليته، إلا أن بعض الحقائق العامة تنطبق على مختلف أنواع الفيروسات الناشئة. أول شيء يجب معرفته هو أنه من النادر أن تنتقل الفيروسات بين أنواع مختلفة. وحتى ينتقل الفيروس بنجاح إلى مضيف من نوع جديد، عليه أن يكون قادرًا على القيام بعدة أشياء.

أولاً، يجب أن يكون الفيروس قادرًا على إحداث عدوى في المضيف الجديد عن طريق التكاثر في جسمه. هذا ليس مؤكدا لأن العديد من الفيروسات لا يُمكن أن تُصيب إلا أنواعا معينة من الخلايا، مثل خلايا الرئوية أو خلايا الكلى. وعندما يهاجم خلية معينة، يرتبط الفيروس بجزيئات مستقبلات محددة على سطح الخلية وبالتالي قد لا يتمكن من الارتباط بأنواع أخرى من الخلايا. وقد يكون الفيروس ببساطة غير قادر على التكاثر داخل الخلية لأي سبب من الأسباب.

بمجرد أن يُصيب مضيفًا جديدًا، يجب أن يكون الفيروس قادرًا أيضًا على التكاثر بما يكفي لإصابة مضيفين آخرين والانتقال إليهم. لكن هذا الأمر، مرة أخرى، نادر جدًا ذلك أن أغلب حالات انتقال الفيروس قد ينتهي بها المطاف إلى ما نسميه "المضيفات غير الناقلة للعدوى" التي لا يمكن للفيروس أن ينتقل عبرها ليموت.

يمكن لفيروس الإنفلونزا، مثلا، المعروف بـ "إتش5 إن1" أو "إنفلونزا الطيور" أن يُصيب البشر انطلاقََا من الطيور، ولكن انتقاله بين البشر محدود جدًا. ومن حين لآخر، يمكن تجاوز هذا الحاجز، والفيروس الجديد قادر على التنقل إلى مضيف جديد مكونًا بذلك سلسلة انتقال جديدة وتفشي جديد للوباء.

صورة

يمكن أن تنتقل أنفلونزا الطيور إلى البشر ويتطلب ذلك إجراءات وقائية.

من خلال البحوث التي أجريت على مدى العقود القليلة الماضية، نفهم بعض الآليات التي تُساعد على انتقال الفيروس بين أنواع الكائنات، وأنفلونزا الطيور هو المثال الكلاسيكي على ذلك. يحتوي الفيروس على ثمانية أجزاء من الجينوم، وإذا ما أصاب فيروسان مختلفان الخلية نفسها، يُمكن أن تختلط أجزاء الفيروسين لخلق نوع جديد من الفيروسات. وإذا تغيرت البروتينات الموجودة على سطح الفيروس الجديد بشكل ملحوظ مقارنة بسلالات فيروس الأنفلونزا المنتشرة حاليًا، فلن يكون لدى أحد مناعة منه ويمكن للفيروس الجديد الانتشار بسهولة.

يسمى هذا التغيير في فيروس الأنفلونزا التحول المستضد. وهذا ما نعتقد أنه حصل مع وباء إنفلونزا الخنازير لسنة 2009، عندما حدث التحول عند الخنازير ثم انتقل إلى البشر ليبدأ تفشي الوباء. كما أن هناك دليلا جينيا على أن هذه الآلية يمكن أن تحدث مع الفيروسات التاجية، إلا أن دوره في ظهور فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع 2 يحتاج إلى تأكيد.

يمكن أن تظهر الفيروسات الجديدة أيضًا من خلال التحولات الجينية داخل جينوم الفيروس، وهو أمر أكثر شيوعًا بين الفيروسات التي تقوم بتخزين معلوماتها الوراثية   في جزيء الحمض النووي الريبوزي بدلاً من الحمض النووي. هذه الفيروسات (باستثناء الفيروسات التاجية) تفتقر إلى طريقة للتحقق من الأخطاء عند تكاثرها. ومعظم التحولات التي تم إنتاجها أثناء التكاثر ستلحق الضرر بالفيروس، ولكن البعض منها تمكنه من إصابة مضيف جديد بشكل أكثر فعالية.

من غير الواضح ما الذي تغير في الفيروس حتى يتمكن من إصابة البشر بسهولة

فيروس كورونا المستجد

ما الذي نعتقد أنه حدث في حالة فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع 2؟ يشير تحليل حديث للجينوم إلى أن الفيروس كان يتنقل بشكل مشابه جدًا لما يحصل حاليا منذ 40 عامًا. أقرب نوع من الفيروس الذي يمكننا تحديده هو الذي نجده عند الخفافيش. ربما هذا الفيروس وفيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع 2 ينحدران من نفس الفصيلة منذ ما يقارب 40 إلى 70 سنةً، ما يعني أن فيروس الخفافيش ليس سبب الوباء.

مع أن هذين الفيروسين ينحدران من أصل واحد، فإن 40 سنة من التطور فصلت بينهما. وهذا يعني أن فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع 2 قد يكون انتقل من الخفافيش إلى البشر، أو أن مصدره كائنات وسيطة. فعلى سبيل المثال، عُثر على فيروسات مشابهة في حيوان البنجولين. ولكن المسار الدقيق والمتميز وراثيًا لفيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع 2 سيبقى غامضًا حتى نتمكن من العثور على كائنات متقاربة نسبيا في البيئة.

من غير الواضح ما الذي تغير في الفيروس حتى يتمكن من إصابة البشر بسهولة. نظرًا لظهور ثلاثة أمراض رئيسية من عائلة الفيروسات التاجية في السنوات العشرين الماضية على غرار السارس والميرس وكوفيد-19، من المحتمل ألا تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يتنقل فيها فيروس كورونا إلى البشر ويتفشى مجددا.

ما يجعل هذا أكثر ترجيحًا هو أنه بينما تنتشر الفيروسات بين جميع الحيوانات في العالم، فإنها غير قادرة على الانتقال إلى البشر إلا في صورة الاتصال بيننا وبين الحيوانات الأخرى. فالبشر يتواصلون دائمًا مع الفيروسات الجديدة عندما يكتشفون مناطق جديدة وينتشرون في جميع أنحاء العالم. ولكن تطور النشاط البشري في المناطق البرية وتجارة الحيوانات البرية من ناحية أخرى تخلق كلها بيئة ملائمة لتكاثر الفيروسات.

يتفاقم هذا أيضًا من خلال ترابطنا العالمي، الذي يُمكّن في غضون أيام من انتشار مرض جديد حول العالم. وهو ما يجعلنا نتحمل جزءا من المسؤولية عن مثل هذه الأحداث الطارئة خاصةً في ظل تواصل الإخلال بالأوساط الطبيعية وزيادة احتمال انتقال الفيروسات إلى البشر.

المصدر: ذا كونفيرسيشن