شكل الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، صدمةً كبيرةً للمجتمع السني الذي تعرض بدوره لحالة استحضار تاريخي نتيجة التحديات الكبيرة التي تعرض لها بعد هذا التاريخ، ومن أهم الأسباب التي جعلته يعاني من هذه الصدمة، هي أزمة فراغ القيادة، على العكس من الحالة الشيعية والكردية التي بدت مهيأة أكثر من السنية للتعاطي مع الحالة الجديدة، وذلك نتيجة لانخراطهم في عملية معارضة النظام السابق وتشكيلهم على شكل حركات وأحزاب سياسية معارضة، فنتيجة لكون هذا المكون كان يمثل ركيزة مهمة من النظام السياسي لمرحلة ما قبل 2003، عانى المجتمع من حالة مستمرة من الإقصاء والتهميش وأزمة شرعية القيادة. 

خارج إطار العملية السياسية التي أنتجها الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، كان هناك تمرد سني أكثر تطرفًا يتشكل في العراق، فالاحتلال الأمريكي وتصاعد الدور السياسي للشيعة والتدابير التي اتخذت لتطهير جهاز الدولة من أعضاء حزب البعث وحل الأجهزة الأمنية والعسكرية التي كان يهيمن عليها السنة، كلها عوامل شجعت موقفًا راديكاليًا رافضًا، وأسهمت في إضفاء الشرعية على التمرد السني وتغذيته، كان نتيجة ذلك التمرد طائفيًا وأيديولوجيًا، حيث وجد الجهاديون السلفيون في محاربة الاحتلال الأمريكي والنخبة السياسية الجديدة في العراق، قضية مشتركة مع البعثيين السابقين والجماعات الإسلامية والقومية الأخرى.

شهدت الساحة السنية بروز العديد من القيادات والتيارات السياسية والعسكرية في مرحلة ما بعد 2003، بعضها أصبح شريكًا للعملية السياسية والآخر تبنى خيار مقاومة الاحتلال الأمريكي والثالث جاء ليفرض سيطرته على الآخرين، ومن ثم شهدت هذه المرحلة حالة من الصراعات الداخلية الدامية، بحيث تعرضت الكثير من القيادات السنية للقتل والسجن، وبعضها الآخر أصبح هدفًا مشروعًا للأطراف الرافضة للعملية السياسية، لتأتي السياسات المقلقة التي اعتمدتها حكومة السيد نوري المالكي الأولى (2006-2010)، لتعمق الجراحات السنية كثيرًا.

شهدت مرحلة ما بعد بروز تنظيم داعش في يونيو/حزيران 2014، زيادة في التحديات التي شهدها المجتمع السني على مستوى القيادة

إن الظروف التاريخية التي عاشها المجتمع السني في مرحلة ما بعد 2003، جعلته يتماشى مع قيادات مرحلية حسب ظروف الزمان والمكان، وعلى هذا الأساس شهدت الخريطة السنية قيادات عديدة، ولكنها بالوقت نفسه لم تتمكن من إنتاج حالة سياسية تستطيع من خلالها انتشال المجتمع السني من جراحاته المعقدة، فخلال حكومة السيد نوري المالكي الأولى، شهدت الساحة السنية حالة من التعقيد الشديد بسبب متغيريين مهمين هما: اندلاع الحرب الأهلية وبروز تنظيم القاعدة، التي أفرغت بدورها المجتمع السني من الكثير من مقومات القوة التي يمتلكها، فضلًا عن الظروف السياسية والاجتماعية المعقدة.

وفضلًا عن ما تقدم، لعبت الاستخبارات الإيرانية دورًا كبيرًا في التأثير على خريطة الإجماع السني، ففي الوقت الذي دعمت فيه طرفًا سياسيًا سنيًا للاشتراك في العملية السياسية، فإنها وبالتنسيق مع المخابرات السورية دعمت طرفًا سياسيًا سنيًا آخر لمقاومة الاحتلال، ولتجعل من الطرف الأول المشارك في الحكومة العراقية هدفًا مشروعًا للطرف الثاني، وفي ذات السياق، جاءت الولايات المتحدة لتلعب ذات اللعبة، من خلال دعم مشروع الصحوات داخل المجتمعات السنية في الأنبار ونينوى وصلاح الدين.

شهدت مرحلة ما بعد بروز تنظيم داعش في يونيو/حزيران 2014، زيادة في التحديات التي شهدها المجتمع السني على مستوى القيادة، فعلى الرغم من التوافق الهش الذي شهدته التحالفات السنية خلال المشاركة في الانتخابات البرلمانية منذ عام 2006 وحتى اليوم، فإن هناك صراعًا محمومًا على القيادة في الوقت الحاضر، خصوصًا بين ثلاث جهات سياسية اختزلت مشروع القيادة (أسامة النجيفي - نينوى) و(أحمد عبد الله الجبوري - أبو مازن) و(محمد الحلبوسي - الأنبار)، والأكثر من ذلك أن هذا الصراع لا تحكمه ضوابط محددة كـ(مناطق النفوذ وصراع المصالح وغيرها)، كما هو الحال في الوسطين الشيعي والكردي، بل إن هناك تداخلًا كبيرًا في مجالات الصراع والتأثير.

هامش المناورة السياسية الذي تسعى إلى استغلاله القوى الشبابية مدن نينوى والأنبار وصلاح الدين، يبدو حتى اللحظة مغيبًا تمامًا

بل والأكثر من ذلك يمكن القول إن هناك محاور بدأت تتشكل اليوم، بالشكل الذي أنتج تداخلًا كبيرًا في المدن الثلاثة (نينوى والأنبار وصلاح الدين)، لتتشكل على شكل محورين (النجيفي - الخنجر) و(الحلبوسي - أبو مازن)، إلى جانب محور غير رسمي ما زال يمتلك نفوذًا واضحًا (الحديث هنا عن هيئة علماء المسلمين والبعثيين)، بحيث أصبحت هناك خريطة سنية متداخلة، ومع ذلك هناك دور سياسي أكثر وضوحًا يمارسه رئيس مجلس النواب السيد محمد الحلبوسي، من خلال اختزال مشروع القيادة السنية بشخصه، وهناك ممارسات عديدة قام بها في هذا الإطار، وأهمها مصادرة القرار السني وصنع مركز لهذا القرار (مقر إقامته في الفلوجة)، والأكثر من ذلك توظيف علاقاته المالية والاقتصادية، لكسب مزيد من النفوذ والتأثير في الوسط السني.

إن الضغوط الكبيرة التي يعاني منها المجتمع السني، تجعل هذه الضغوط أكبر من قدرة القيادات السنية على احتوائها، باعتبار أن مشروع القيادة في الوسط السني، لا يرتبط فقط باستحقاقات داخلية، بل بتوازنات إقليمية ترتبط بوجود هذه القيادات، والحديث هنا عن المحور التركي - القطري، والمحور السعودي - الإماراتي، والمحور الأردني - السوري، وهو ما قد يجعل من الصعب أن تكون هناك قيادة موحدة تحظى بمقبولية الجميع، على اعتبار أن هذه المحاور تطرح نفسها بالنهاية ضمن خريطة الصراع الأمريكي - الإيراني في العراق. 

وعلى هذا الأساس، فإن مقتربات الصراع السياسي داخل المجتمع السني قد تبدو أكثر وضوحًا في المرحلة المقبلة، خصوصًا أن المهمة الرئيسة الملقاة على عاتق السيد مصطفى الكاظمي من تشكيل الحكومة القادمة، هي الإعداد للانتخابات المبكرة، ومن هنا قد تبدو خطوط التمايز والصراع ذات خطوط متباعدة، وقد تنتظم القوى السياسية السنية ضمن محورين رئيسيين: الأول بقيادة السيد الحلبوسي والثاني بقيادة السيد النجيفي، مع إمكانية لعب القوى الأخرى غير الرسمية لأدوار مهمة في ترجيح كفة أحد المحورين، فضلًا عن مقومات القوة التي يمتلكها كل منهما في تسخير الخريطة السنية لخدمة أهدافه.

إن هامش المناورة السياسية الذي تسعى إلى استغلاله القوى الشبابية في مدن نينوى والأنبار وصلاح الدين، يبدو حتى اللحظة مغيبًا تمامًا، وعلى الرغم من تأثر قطاع واسع من شباب هذه المدن، بالحراك الشعبي - الشبابي الذي شهدته بغداد ومدن جنوب العراق، فإن فقدانهم للقوى الموجهة والمؤثرة، يجعلهم بالنتيجة خاضعين لتأثير التيارات السياسية الموجودة، ومن ثم فإن إمكانية بروز قيادات شبابية مؤثرة، من الممكن أن تتبنى خيارًا ثالثًا مستقلًا يبدو بعيد المنال في المستقل القريب.