منذ مطلع العام الحاليّ أخذت مقتربات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في العراق، مستويات تصعيدية معقدة، وهذا التعقيد نجم عن حالات عدم اليقين لصراع الإرادة بين الطرفين، بحيث أخذت العديد من دوائر صنع القرار في كلا البلدين، تنظر بحالة من الأرق للصراع المستمر دون نتائج واضحة، ويبدو أن اللعبة المزدوجة الإيرانية الأمريكية في العراق، ستكتب لها أشواطًا أخرى من التصعيد والغموض في قادم الأيام، لكن اللافت للنظر أن دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، بدأت تبحث عن مجالات أخرى لمواجهة إيران في العراق، وذلك من خلال طرح تساؤل مهم: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تحقق أهدافها في العراق دون عمل عسكري؟

أخذت الإدارة الأمريكية تنظر بحالة من التردد إزاء استخدام القوة العسكرية حيال إيران ووكلائها في العراق، وذلك بسبب القدرة الإيرانية على تحريك الرأي العام العراقي بعد كل عملية عسكرية تشنها الولايات المتحدة، والسبب وراء ذلك هو الماكينة الإعلامية الكبيرة التي تمتلكها إيران داخل العراق، والحديث هنا عن الإعلام الحزبي والفصائلي، فضلًا عن العديد من المواقع والصحف والجيوش الإلكترونية، ما دفع العديد من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة إلى البحث عن مجالات أخرى للصراع، قد لا تمتلك فيها إيران تلك المناورة الفاعلة على مجاراة الولايات المتحدة وإستراتيجيتها في العراق، ذلك أن استخدام القوة الصلبة وحدها قد لا يفي بالغرض لتحقيق الأهداف الأمريكية في العراق، كما أن عدم استخدامها أيضًا، قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد الذي تواجهه اليوم.

ولطالما حاولت الولايات المتحدة الرد بشكل فعّال على إستراتيجية المنطقة الرمادية الإيرانية، ولم تشكل الإدارة الأمريكية الحاليّة استثناءً على ذلك، فمنذ شهر مايو 2019، تأرجحت الإستراتيجية الأمريكية حيال إيران بين ضبط النفس المفرط والردود التصعيدية المحتملة، مثل عملية اغتيال قائد قوة القدس قاسم سليماني، وقد أضاف مقتله مستوى آخر من التعقيد على لعبة متعددة المستويات ومعقدة بالفعل، ومنها هناك رغبة في الانتقام لمقتل كل من سليماني وأبو مهدي المهندس، والأسئلة التي تطرح هنا: هل أغلقت ضربة إيران الانتقامية بالصواريخ الباليستية لقاعدة عين الأسد الجوية في العراق ملف سليماني، أم هل ستحاول طهران أيضًا قتل مسؤول عسكري أمريكي كبير ردًا على ذلك؟ أما بالنسبة لوكلاء إيران العراقيين، فمن المنطقي الافتراض بأنهم لم ينتقموا بعد لمقتل المهندس.

تعمل السفارة الأمريكية في بغداد، على تعزيز التبادل الأكاديمي والثقافي بين الولايات المتحدة والعراق، وهي مبادرة كلاسيكية للقوة الناعمة

التعبير عن التحول الجديد الذي بدأ يعتري التوجه الأمريكي حيال إيران، هو المزاوجة بين القوة العسكرية وتمكين الدبلوماسية، وهو ما أوضحه الجنرال كينيث ماكنزي قائد القيادة المركزية الأمريكية، بأن "الردع ليس مفهومًا عسكريًا، ولكنه هيكل دبلوماسي وسياسي أيضًا"، ومن أجل تهدئة التوترات مع إيران وبناء مؤسسات فعالة ودائمة في العراق، ستحتاج الولايات المتحدة إلى استكمال ردعها القوي باستخدام القوة الناعمة واستخدام التبادل الإيجابي وغالبًا المنفعة المتبادلة للثقافة والقيم والسياسات الأمريكية.

يشكل هذا المزيج معًا (القوة الناعمة - القوة الصلبة) ما أطلق عليه العالم السياسي الأمريكي جوزيف ناي القوة الذكية، من خلال الاستفادة من الردع من القوة الصلبة، مع بناء علاقات من القوة الناعمة، فإن النتيجة ليست أقل تكلفة من حيث القيمة النقدية والخسائر البشرية فحسب، بل يمكنها أيضًا أن تنتج مواقف أكثر تقبلًا للولايات المتحدة في العراق على المدى الطويل.

الاستثمار الأمريكي في  العراق

تتضمن الإستراتيجية الأمريكية الفعالة لمواجهة إيران في العراق، تعزيز الروابط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية مع الشخصيات والمجتمعات الرئيسة في البلاد، إذ إن إعادة النظر في الترتيبات الاقتصادية مع العراق، بما يتجاوز العمل بشكل أساسي على إعادة الثقة بأسعار النفط، هي أيضًا خطوة أساسية إلى الأمام، وعلى الرغم من تشديد قبضة الولايات المتحدة على مصير الاقتصاد العراقي، من خلال التحكم بالصندوق السيادي العراقي والأموال العراقية في الخارج والتحكم بالنقد الأجنبي الذي يدخل العراق، فإن هذه السياسات قد تدفع صانع القرار العراقي إلى عدم تفضيل الخيارات الإيرانية على حساب الأمريكية، خصوصًا أن الإدارة الأمريكية لوحت أكثر من مرة بإمكانية فرض عقوبات اقتصادية على العراق، على غرار تلك المفروضة على إيران.  

بالإضافة إلى ذلك، تعمل السفارة الأمريكية في بغداد على تعزيز التبادل الأكاديمي والثقافي بين الولايات المتحدة والعراق، وهي مبادرة كلاسيكية للقوة الناعمة، وعلى الرغم من وجود برامج تعليمية مثل Fulbright وHumphrey، فإن التركيز المفرط بالاعتماد على القوة العسكرية، طغى على الممارسات الأمريكية بشكل كبير، إلا أن استضافة العلماء العراقيين في الجامعات الأمريكية - والعكس بالعكس - يعطي وجهًا آخر للسلوكيات الأمريكية في العراق، من خلال إنشاء آليات تعاون كبيرة وطويلة الأمد مع عدد قليل من الجامعات العراقية الكبرى، ويمكن للولايات المتحدة أن تمس حياة آلاف العائلات والطلاب والموظفين وأعضاء هيئة التدريس، في الجامعات العراقية، وجعلها تتبنى مواقف بعيدة عن السياسة الإيرانية في العراق.