يخشى المغاربة تراجع الحريات في بلادهم

يخشى المغاربة تراجع الحريات في بلادهم

يتواصل الجدل في المغرب، حول مشروع قانون 22.20 المتعلق باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي، الذي وصفه بعض المغاربة بـ "قانون الكمّامة" حيث صيغ وفق قولهم لتكميم الأفواه وضرب الحريات في البلاد، بعد أن باتت وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا سياسيا كبيرا بحيث خلقت فضاءات موازية للنقاش والتعبير لم تستطع الدولة السيطرة عليها.

لم يتوقف المغاربة عند اتهام سلطات بلادهم بتكميم الأفواه، بل وصلوا حدّ اتهام الحكومة باستغلال جائحة فيروس كورونا لتمرير مشروع هذا القانون حتى تتحاشى معارضة المغاربة له وخروجهم إلى الشارع لإسقاطه.

المصادقة في انتظار التعديل

في الـ 19 من شهر مارس/أذار الماضي، قالت الحكومة المغربية في بيان صادر عنها ونشر في بوابة الأمانة العامة للحكومة إنها "صادقت على مشروع قانون 22.20 الذي يتعلّق باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوحة والشبكات المماثلة، مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات المثارة في شأنه بعد دراستها من طرف اللجنة التقنية ثم اللجنة الوزارية المحدثتين لهذا الغض".

الحكومة قالت إنها صادقت على مشروع القانون لكنها لم تقدّم أي تفصيل عن هذا المشروع ولا الملاحظات المثارة في شأنه ولا سببها، رغم أهميته وارتباطه بحياة المغاربة، ذلك أن استعمال شبكات التواصل الاجتماعي في المغرب مرتفع جدا.

يرى العديد من المغاربة أن مشروع القانون الجديد يستهدف دعاة مقاطعة الشركات والمؤسسات المتهمة بالفساد

يبلغ عدد المشتركين في الإنترنت في المغرب، مع نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، 26.2 مليوناً، فيما وصل عدد مشتركي تقنية الجيل الرابع من الإنترنت وفق الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات المغربية، 13.4 مليوناً، بينما بلغ عدد مشتركي الإنترنت بالألياف البصرية 105 آلاف مشترك.

 وكشف تقري سابق صادر عن وكالة "we are social" ومنصة "Hootsuite عن تصدر "واتساب" قائمة المنصات الأكثر استخداما من طرف مستعملي الانترنيت في المغرب بنسبة 81%، يليه "فيسبوك" بـ76% ثم "يوتيوب" بـ60%. 

قانون رادع

هذه السرية التي رافقت مشروع هذا القانون أثارت حفيظة المغاربة ما جعلهم يبحثون عن فحوى الأمر، حتى بادر المدوّن المعروف "سوينغا"، قبل يومين، بنشر تسريبات من المشروع، ليتحوّل النقاش العام من الحديث عن كورونا والمسلسلات الرمضانية إلى الحديث عما ينتظر البلاد ونشطاء الانترنت إذا تم المصادقة على هذه المسودّة.

سرّب المدوّن بعض البنود فقط، بعد ذلك تمكّن بعض الصحفيين من الوصول لكامل مشروع القانون الذي أعدته وزارة العدل. ويتكون المشروع من 25 مادة تتعلق معظمها بتجريم الدعوة إلى مقاطعة المنتوجات، ونشر وترويج الأخبار الزائفة.

تنص المادة 16 من هذا المشروع مثلا على "يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2000 إلى 20000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، من قام عمدا عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو عبر الشبكات المماثلة بوضع أو نقل أو بث أو نشر محتوى إلكتروني بنشر أو ترويج محتوى إلكتروني يتضمن خبرا زائفا من شأنه إلحاق ضرر بشخص ذاتي أو اعتباري".

ويقول مشروع القانون إن المنظومة القانونية الحالية في البلد "غير كافية لردع كافة السلوكيات المرتكبة في مواقع التواصل الاجتماعي والشبكات المماثلة، وذلك لوجود فراغ قانوني في ظل بعض الجرائم الخطيرة المرتكبة عبر الشبكات المذكورة".

وجاء في المشروع أيضا أنها هذا القانون المرتقب يهدف إلى "ملاءمة القانون المغربي مع المعايير الدولية المعتمدة في مجال محاربة الجريمة الإلكترونية، خاصة بعد المصادقة على اتفاقية بودابست بتاريخ 29 يونيو/ حزيران 2018"، رغم أن اتفاقية بودابست، لا يوجد فيها أيّ ذكر لما يخصّ التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي.

استهداف لدعاة المقاطعة؟

يرى العديد من المغاربة أن مشروع القانون الجديد يستهدف دعاة مقاطعة الشركات والمؤسسات المتهمة بالفساد، حيث تنصّ المادة الـ14 من مشروع القانون المذكور على أن كل من قام عمدا بالدعوة إلى مقاطعة بعض المنتجات والبضائع أو الخدمات، أو بالتحريض علانية على ذلك، عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح، يعاقَب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 5000 إلى 50000 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.

العقوبة نفسها ستطال أيضا، حسب ما جاء في المادة الـ15 من نص المشروع، من قام عمدا بحمل العموم أو تحريضهم على سحب الأموال من مؤسسات الائتمان أو الهيئات المعتبرة في حكمها. بينما يعاقَب من بث محتوى إلكترونيا يتضمن خبرا زائفا من شأنه التشكيك في جودة وسلامة بعض المنتوجات والبضائع، وتقديمها على أنها تشكل تهديدا وخطرا على الصحة العامة والأمن البيئي، بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2000 إلى 20 ألف درهم.

يتنافى مشروع هذا القانون غير الدستوري مع المواثيق الدولية، والتزامات المغرب الدولية

قبل سنتين من الأن شهد المغرب حملة مقاطعة واسعة بدأت أول الأمر في مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان "خليه_يريب" (دعه يفسد) وما لبثت أن وصلت أرض الواقع، حملة هدف أصحابها إلى محاربة الغلاء وارتفاع أسعار المنتجات التي انتشرت بشكل كبير، وذلك في محاولة منهم لدفع عدد من الشركات المنتجة لها إلى خفض أسعارها.

خلال هذه الحملة تم استهداف ثلاث شركات بعينها هي "حليب سونطرال" التابعة لشركة "دانون سونطرال"، وهي جزء من المجموعة الفرنسية "جيرفي دانون"، فضلاً عن شركة "إفريقيا غاز"، وهي جزء من المجموعة المغربية "أكوا" التي يترأسها الملياردير المغربي عزيز أخنوش أما ثالث هذه الشركات، فهي شركة مياه "سيدي علي"، باعتبارها واحدة من أهم شركات صناعة المياه المعدنية في المغرب التي تملكها مريم بنصالح، وهي رئيسة الاتحاد العام لمقاولات المغرب.

هدم كل مكتسبات الحقوق والحريات

مشروع قانون 22.20 الذي يحمل توقيع وزير العدل التابع للحزب اليساري التقدمي الاتحاد الاشتراكي يميط اللثام، وفق الباحثة المغربية شيفة لومير، عن سيناريو مخيف من شأنه أن يهدم كل مكتسبات الحقوق والحريات.

وترى الباحثة المغربية في حديثها مع نون بوست أن "هذا السيناريو الذي لا يخدم سوى تحالف حزبي مرفوض شعبيا، يسعى القائمون عليه من خلاله إلى تجريم حرية التعبير ومصادرة حقوق الأفراد التي اقرها الدستور المغربي، خصوصا ما جاءت به أحكام الفصل 25 من الدستور المغربي التي تنص على كون حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها."

وتقول شريفة لومير إن "هذا المشروع يعد خطوة انقلابية واضحة المعالم لإخافة الرأي العام الفايسبوكي وتكميم الأفواه التي بلا شك ستفضح المرامي الحقيقية من وراء رفع شعار حكومة وحدة وطنية في هذا التوقيت بالذات، خصوصا وأن مواقع التواصل الاجتماعي تمثل واجهة تعبير قوية وهذا ما أبانت عنه قبل سنوات في مقاطعة بعض المنتجات."

وترى لومير أن "الأخلاق السياسية والفهم الصحيح لمعنى المسؤولية التي يتذرع بهما وزير العدل لإخفاء محدودية وضعف عطائه وعدم تخصصه، تقتضي الدفاع وتحصين المكتسبات الحقوقية والحريات التي كان حزب الاتحاد الاشتراكي من أوائل المدافعين عنها وليس الجري إلى سن قانون يكمم أفواه المعارضين ووضع قانون على المقاس للانقلاب عن الدستور."

 

من جهتها، تؤكّد المنسقة الجهوية للإعلام للشبكة المغربية لحقوق الإنسان فاطمة الزهراء كريم الله لنون بوست، رفضهم القاطع لتمرير مشروع قانون22.20 القاضي بتقنين استعمال وسائل التواصل الاجتماعي والشبكات المفتوحة والشبكات المماثلة."

وترجع فاطمة الزهراء هذا الرفض إلى "كون مشروع القانون بعيد كل البعد عن القيم الدستورية وكونه يشكل خطورة على قيم حقوق الانسان والحق في التعبير ويتنافى مع المرجعيات الحقوقية الدولية التي صادق عليها المغرب."

يرى العديد من النشطاء في موقع فيسبوك أن مشروع هذا القانون غير دستوري ويتنافى مع المواثيق الدولية، والتزامات المغرب الدولية، وخاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته 19، وكذلك مع التعليق العام رقم 34 للجنة حقوق الانسان.

وتؤكّد المنسقة الجهوية للإعلام للشبكة المغربية لحقوق الإنسان أن مغاربة اليوم لن يقبلوا بوضع عقوبات حبسية وغرامات مالية على كل من دعا إلى مقاطعة بعض المنتوجات والبضائع أو الخدمات عبر شبكات التواصل الاجتماعي في حين أن ذلك حقهم."

استغلال كورونا

"مشروع هذا القانون الضارب في العمق بالحقوق الفردية والجماعية والماسّ بسيادة القانون ودولة المؤسسات"، تسعى السلطات المغربية إلى تمريره في هذه الظرفية الصحية التي تعرفها البلاد حتى لا تجد مقاومة من قبل المغاربة وفق فاطمة الزهراء.

يؤكّد حقوقيون مغاربة أن حكومة بلادهم تستغل انتشار فيروس كورونا في المملكة حتى تمرر ما عجزت عنه في الأيام العادية، فهي تستغل حالة انشغال الناس بهذا الوباء وخوفهم من الخروج للشارع للاحتجاج على أعمال الحكومة.

ويتبين استغلال الحكومة لهذا الوباء، وفق فاطمة الزهراء، من خلال مصادقة الحكومة المغربية على هذا المشروع القانون في 19 مارس/ آذار، وهو نفس اليوم الذي أعلنت فيه وزارة الداخلية عن حالة الطوارئ الصحية في البلاد.

يخشى مغاربة استغلال الحكومة لظروف البلاد غير العادية لتمرير قانون يضرّ بالحقوق الفردية والجماعية ويمسّ بسيادة القانون ودولة المؤسسات، لذلك بدؤوا حملة الكترونية للتصدّي لمشروع هذا القانون بعيدا عن الخروج إلى الشارع وتعريض حياتهم إلى خطر وباء كورونا، فهل تستجيب الدولة لهذا الرفض وتعدل عن تمرير مشروع هذا القانون؟