الجزائر أكدت عزمها حماية أراضيها من وصول "توتال" القوي

الجزائر أكدت عزمها حماية أراضيها من وصول "توتال" القوي

كما كان متوقعًا منذ الكشف عن الصفقة صيف السنة الماضية، أعلنت شركة النفط الفرنسية العملاقة توتال، والتي تعدّ أحد أكبر ست شركات نفطية بالعالم، عدم قدرتها على الحصول على أصول أناداركو للنفط والغاز في الجزائر، بعد أن استعملت السلطات هناك حق الشفعة لمنع إتمام الصفقة.

وقف عملية البيع

الرئيس التنفيذي لـ"توتال" باتريك بويانيه، قال خلال مؤتمر خصّص للمحلّلين الماليين إنّ "أوكسيدنتال بتروليوم الأميركية أبلغتنا رسميًا بأنّنا لا نستطيع الاستحواذ على على أصول شركة النفط الأميركية "أناداركو" في الجزائر."

هذا الأمر يعني أن عملاق النفط الفرنسي لن يتمكن من السيطرة على نفط الجزائر، بعد أن كانت تمني النفس بالاستثمار أكثر في هذا البلد العربي المليء بالثروات الطبيعية، وتنشط توتال في الجزائر في مجال تكرير النفط والبتروكيمياء وإنتاج الغاز الطبيعي وتعمل على تطوير حقول في البحر كما تبحث عقد صفقات لإنتاج الغاز الصخري بالبلاد.

سبق أن لجأت السلطات الجزائرية إلى هذا "الحق" في مرات عدة لوقف صفقات عديدة تراها مضرة بالبلاد

قبل سنة من الآن، أعلنت شركة النفط الأمريكية أوكسيدنتال بتروليوم، اتفاقها على بيع أصول أناداركو في الجزائر وغانا وموزمبيق وجنوب إفريقيا إلى توتال الفرنسية مقابل 8.8 مليار دولار، إذا نجحت شركة النفط الأمريكية في إكمال الاستحواذ على أناداركو.

تعتبر "أناداركو" الأمريكية التي تعمل في الجزائر، منذ أكثر من عقدين (1998) أول منتج خاص للنفط في هذا البلد العربي، وتطور هذه الشركة حقول النفط في كل من منطقة "حاسي بركين" و"أرهود" و"المرك" الواقعة في حوض بركين في ولاية إليزي الجزائرية، وتقدر حيازاتها في الجزائر بنحو 260 ألف برميل يوميًا من النفط، أي ما يزيد على ربع إنتاج البلاد النفطي المقدر بمليون برميل يوميًا.

وينتج هذا البلد العربي العضو في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) قرابة مليون برميل من النفط الخام يوميًا، وبدأ هذا الشهر خفض إنتاجه بـ 200 ألف برميل يوميًا، ويستمر ذلك إلى أشهر أيار ويونيو/ حزيران بغية تحقيق استقرار أسعار النفط بناء على اتفاق دول "أوبك+".

"حق الشفاعة" حاجز أمام إتمام الصفقة

سعت توتال بكل جهدها لإتمام هذه الصفقة، حتى تكون رقمًا صعبًا في المعادلة النفطية الجزائرية التي توجد فيها "سوناطراك" ((100٪ مملوكة للدولة الجزائرية) مع "أناداركو" الأميركية و"ستات أويل" النرويجية (110 ألف برميل يوميًا) و"إيني الإيطالية" (130 ألف برميل يوميا)، وتسيطر "سوناطراك" الوطنية على معظم إنتاج النفط في الجزائر، بواقع 500 ألف برميل يوميًا ذلك أن القانون يسمح لها بالحصول على نسبة 51% في كل نشاط.

وسبق أن قالت مؤسسة ايه.بي برنشتاين إن هذه العملية ستسمح للمجموعة الفرنسية بزيادة إنتاجها بنسبة 5% بحلول عام 2025، خاصة في الغاز الطبيعي المسال (LNG). يذكر أن هذه الصفقة - لو تمت - كانت ستعتبر أكبر عملية استحواذ لشركة توتال منذ عام 2000.

هذا السعي لم يكتب له النجاح، حيث أوقفت السلطات الجزائرية هذه الصفقة بالاستعانة بـ"حق الشفعة" الذي يخول لها الوقوف في طريق أي صفقة خاضعة للقانون الجزائري لدفع الضرر عن الشفيع المتصل حقه بالبضاعة التي ستباع.

يمكّن تطبيق هذا الحق الجزائر أن تشتري هي أصول الشركة الأمريكية أناداركو بدل الشركة الفرنسية، وأقِرّ قانون "حق الشفعة" في الجزائر قبل سنوات، ويتيح للدولة التدخل ومنع بيع أصول شركات، أجنبية أو محلية لجهات أخرى أجنبية أو محلية خاصة، ويمنح الدولة حق شرائها.

وسبق أن لجأت السلطات الجزائرية إلى هذا "الحق" في مرات عدة لوقف صفقات عديدة تراها مضرة بالبلاد، منها ما حصل سنة 2010، حيث أوقفت بيع شركة جازي للاتصالات التابعة لأوراسكوم المصرية إلى "إم.تي.إن" الجنوب إفريقية.

رسالة سياسية

الوقوف أمام إتمام هذه الصفقة لشركة توتال، يمثل رسالة سياسية قوية من سلطات الجزائر الجديدة إلى السلطات الفرنسية، ذلك أن العديد من الجزائريين يرفضون أن تستحوذ توتال ومن خلالها فرنسا على مدخراتهم الطبيعية.

لم تنس السلطات الجزائرية الحاكمة الجفاء والبرودة التي اتسم بها الموقف الفرنسي تجاه نتائج الانتخابات التي عرفتها البلاد نهاية السنة الماضي، حيث تلقى حينها الرئيس الجزائري المنتخب عبد المجيد تبون التهاني من مختلف الدول، لكن الجانب الفرنسي تأخر في تهنئة الرئيس الجديد، واكتفى خلال الأيام الأولى بعبارة "أخذنا علمًا بنتائج الانتخابات".

أرادت سلطات البلاد الجديدة أن توصل من خلال رفضها هذه الصفقة رسالة لباريس مفادها أن عهد الولاء والطاعة لساكن قصر الإليزيه قد ولّى، رغم أن هذه الصفقة كانت ستدرّ المال الوفير لميزانية الجزائر في وقت هي في أمس الحاجة فيه للمال.

وكانت الحكومة الجزائرية قد أعلنت في 26 مايو 2019، عن طريق وزير الطاقة محمد أركاب، أنها تعتزم القيام بكل شيء لحماية مجتمعها الوطني في مواجهة وصول توتال القوي إلى أراضيها، وفي ديسمبر/كانون الأول 2019، عارضت الجزائر رسميًا هذه المفاوضات وقالت حينها إن شركة سوناطراك ستمارس حقها في الرفض.

عملت فرنسا طوال استعمارها للجزائر وحتى بعد الخروج منها على نهب ثرواتها بأشكال عدة ومتنوعة بفضل مسؤولين جزائريين يميل ولاؤهم صوب فرنسا

تسعى السلطات الفرنسية، في الأشهر الأخيرة إلى ترسيخ نفوذها في الجزائر وإعادة سطوتها إلى مستعمرتها السابقة، بعد أن عرفت العلاقة بين الطرفين فتورًا وتوترًا كبيرًا في أثناء الحراك الشعبي الذي أطاح بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة وانتخب على إثره عبد المجيد تبون رئيسًا للبلاد، إلا أن هذه المساعي باءت بالفشل إلى الآن.

صفقة توتال كان الهدف منها فضلًا عن الهدف الاقتصادي، إنقاذ فرنسا ما يمكن إنقاذه في الجزائر كون باريس تشعر بالخطر ومكانتها مهددة في هذا البلد بعد أن كانت القرارات الجزائرية تصنع في العاصمة باريس داخل الإدارات الفرنسية.

هذه الرسالة السياسية للسلطات الفرنسية، ليست بمعزل عمّا يجري في البلاد، فمنذ بداية الحراك الجزائري قبل سنة من الآن، استُهدفت باريس بشعارات منددة بسياستها تجاه الجزائر، ويرى الجزائريون الذين خرجوا إلى الشوارع ضد النظام أن فرنسا ورئيسها ماكرون هم الذين يدعمون نظام بوتفليقة "الفاسد" دون هوادة.

 

يرى هؤلاء أيضًا أن باريس لم تتخل عن نظام عبد العزيز بوتفليقة ولم تعلن تأييدها لمطالب الحراك الشعبي إلا عند تيقنها من انتهاء مرحلة بوتفليقة، وهو ما زاد من درجة سخطهم على هذه الدولة التي استعمرت بلادهم لأكثر من قرن.

وسبق أن قال عبد المجيد تبون إن "الجزائر ليست محمية لفرنسا فهي دولة حرة وتملك مستقبلها"، وأضاف أن الفرنسيين يدركون جيدا أننا "نحن كجزائريين من المواطن البسيط إلى المسؤول، غيورون على السيادة الوطنية، خاصة حينما تأتي محاولات التدخل في شؤوننا الداخلية من المستعمر القديم".

عملت فرنسا طوال استعمارها للجزائر وحتى بعد الخروج منها على نهب ثرواتها بأشكال عدة ومتنوعة بفضل مسؤولين جزائريين يميل ولاؤهم صوب فرنسا، ما أدى إلى تفقير الشعب وارتهان البلاد لسلطتها، لكن التطورات التي تعرفها الجزائر في الأشهر الأخيرة من شأنها أن تصلح ما سبق وتعيد التوازن في العلاقة بين البلدين.