ترجمة وتحرير نون بوست

باتت تجربة فيسبوك الجريئة في إدارة الشركات قاب قوسين أو أدنى من تطبيقها على أرض الواقع، مع الإعلان يوم الأربعاء عن أول 20 عضوًا في مجلس الرقابة. وفي حين أن الاهتمام الكبير مركز على كيفية عمل هذا المجلس في إعادة صياغة قواعد فيسبوك، فإن السؤال الذي يعتبر على نفس القدر من الأهمية يتعلق بكيف سيتمكن من إعادة صياغة قواعد كل منصة تكنولوجية أخرى.

يتضمن الأعضاء المؤسسين للمجلس رئيسة وزراء الدنمارك السابقة، واليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، وقاضي فيدرالي سابق رشحه الرئيس جورج دبليو بوش. إذا سارت الأمور وفق المخطط له، فإن هذه الهيئة التي تشبه "المحكمة العليا" ستكون جاهزة للعمل بحلول الخريف، وستنظر في القضايا وتصدر قرارات بشأن المحتوى الذي يسمح به أو ينبغي إزالته على أكبر شبكة اجتماعية في العالم.

إنها فكرة جريئة بالنسبة لفيسبوك، غير أن المجلس ليس مخصصا لفيسبوك فحسب. عند تصميم هذه المنظمة الجديدة، عمل قادة فيسبوك على هيكلتها حتى تكون فعالة خارج الشركة أيضًا. في هذا الصدد، أنشأت فيسبوك مجلس مراقبة مستقل بتكلفة مبدئية قيمتها 130 مليون دولار، مع تمكينه من قبول التمويل من مصادر أخرى وتشكيل شركات خاصة به.

من شأن هذا الهيكل أن يضمن أن الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك، مارك زوكربيرغ، لن يكون بوسعه إغلاق المجلس إذا كان غير راضٍ عن قراراته. يُتاح لهذا المجلس أيضًا إمكانية تكوين مجالس رقابة إضافية مشتقة منه، تكون مخصصة لمواقع مثل يوتيوب أو تويتر أو أي منصة أخرى تتبنى قرارات مراقبة المحتوى.

 كان على فيسبوك أن يخصص وقتا وموارد هائلة لإنشاء مجلس الرقابة والثقة، وهي الموارد التي تختار قلة من الشركات الأخرى إنفاقها بمفردها

حسب مدير السياسات العامة والمبادرات الاستراتيجية في فيسبوك برنت هاريس، فإن "ذلك كان مدروسا من جانبنا خلال تكوين هذا المجلس. لقد تأسس بطريقة تمكنه من تجاوز فيسبوك والانتقال إلى أجزاء أخرى من الصناعة". ومن جانبها، قالت هيلي تورنينغ شميت، أول رئيسة وزراء للدنمارك وواحدة من الرؤساء الأربعة المشاركين في المجلس، في اتصال مع الصحفيين يوم الأربعاء: "إنها مهمة كبيرة وكبيرة جدا، نحن نقوم أساسا ببناء نموذج جديد لإدارة المنصات".

على مدار السنة الماضية، عندما وضع فيسبوك الخطوط العريضة للمجلس في سلسلة من ورش العمل العالمية، قال هاريس إنه وفريقه تحدثوا مع قادة من "كل جزء من الصناعة تقريبًا". وأضاف قائلا: "إنهم يشاهدون كيفية بناء هذه المبادرة، وفي بعض الأحيان يشاركون أيضًا وجهة نظرهم الخاصة وتعليقاتهم حول ما يعتقدون أننا نقوم به بشكل صحيح، وما قد يكون خاطئا وما الذي يجعلهم قلقين". وفي حين رفض الكشف عن أسماء الشركات التي شاركت في هذه المناقشات، أشار قائلا: "لا أعتقد أنه من الصعب تكهن الشركات المشاركة".

من جهته، رفض تويتر التعليق على هذه المسألة، بينما قال المتحدث باسم يوتيوب أليكس جوزيف إن فريق سياسة الشركة "يجري محادثات مستمرة مع نظرائهم في شركات التكنولوجيا الكبرى الأخرى حول مجموعة متنوعة من المواضيع، بما في ذلك مجلس الرقابة التابع لفيسبوك".

حسب كيت كلونيك، أستاذة القانون المساعدة في جامعة سانت جون التي تدرس تأسيس مجلس الرقابة التابع لفيسبوك، فإن هناك فوائد محتملة للشركات التي قد تختار الانضمام إليها. من ناحية، كان على فيسبوك أن يخصص وقتا وموارد هائلة لإنشاء مجلس الرقابة والثقة، وهي الموارد التي تختار قلة من الشركات الأخرى إنفاقها بمفردها. وأضافت كلونيك أن الطريقة التي تتخذ بها نفس هذه الشركات قرارات مراقبة المحتوى أصبحت غير مقبولة، مما يجعلها عرضة لتحمل المسؤولية في وقت يهدد فيه المشرعون في الولايات المتحدة وفي جميع أنحاء العالم بالحد من الحماية القانونية للمنصات التكنولوجية.

 إن فتح المجال أمام الممولين والمشاركين الآخرين من شأنه أن يساعد في التصدي لفكرة شراء أعضاء مجلس الرقابة والتكفل بأجورهم من قِبل فيسبوك

في سياق متصل، صرحت كلونيك: "أعتقد أنه من المؤكد أن هناك شركات أخرى يمكنها الاستفادة من هذا الإجراء، إذا فعلت ذلك بالطريقة الصحيحة. يمكنك البدء في الحصول على نظام أكثر شفافية عالميا وأكثر سلامة إجرائيا وأكثر قابلية لمساءلة الخطابات عبر الإنترنت وعبر المنصات، بدلاً من هذا النظام غير الفعال الذي صاحبنا طوال الـ 25 سنة الماضية عبر الإنترنت".

بالتأكيد، تُوجد الكثير من الطرق التي يُمكن أن يخطئ فِيها هذا النوع من التعاون بين المجالات. والقليل من المدافعين عن حرية التعبير، من بينهم كلونيك، يُريدون رؤية عالم تقبل فيه كل شركة بقرارات مجلس الرقابة المُكون من 40 عضوًا. وفي هذا الصدد، قالت دافني كيلر، مديرة منصة السياسات السيبرانية في ستانفورد، إنه "إذا أصبحت هذه آلية لجعل الإنترنت قائمة أكثر على مجموعة واحدة من القواعد، فهذه خسارة حقيقية".

بالنسبة لفيسبوك، فإن تبني المزيد من المنصات لهذا الهيكل ينطوي على فوائد واضحة. ووفقا لكلونيك: "إذا اتبعت المزيد من الشركات هذا التوجه، فإن ذلك يزيد من احتمالات نجاح تجربتها، وهذا حل يمكن اعتماده على المدى الطويل"، مضيفةً أنه من مصلحة شركة فيسبوك تسهيل الأمر على الشركات الأخرى لإنشاء كيانات مماثلة، و"إذا استطاعوا جعله مثاليا أكثر بالنسبة لتويتر، فهذا يزيد من احتمالية قيام تويتر بتبنيه".

في الواقع، إن فتح المجال أمام الممولين والمشاركين الآخرين من شأنه أن يساعد في التصدي لفكرة شراء أعضاء مجلس الرقابة والتكفل بأجورهم من قِبل فيسبوك. وتقُول كلير "إنه من مصلحة فيسبوك جعل المجلس مستقلاً وشرعيًا ومحترمًا. وإذا بدا الأمر وكأنه مجرد إجراء مزايدة من قبل فيسبوك، فإن الجهد بأكمله سيكون مضيعةً للمال بالنسبة لهم".

 يمكن كذلك لمجلس الرقابة تقديم توصيات حول كيفية تغيير فيسبوك لمعايير المحتوى الخاصة به في المستقبل

قالت كاتالينا بوتيرو مارينو، رئيسة مشاركة في مجلس المراقبة وشغلت منصب المقرر الخاص لحرية التعبير للجنة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، إنها ستلتزم هي وزملاؤها بدعم "مبدأ الحياد" تجاه فيسبوك مبينةً: "أنا مقتنعة بأن أفضل طريقة للحفاظ على بنية الإنترنت وإمكانياتها الهائلة في التحول الديمقراطي ومنع التدخلات الضارة من قبل الدول هي اعتماد الشركات، ولا سيما المنصات الرئيسية، على التنظيم الذاتي". من جهته، أكدّ توماس هيوز، مدير مجلس المراقبة أن "التركيز الأساسي" للمجلس في الوقت الحالي سيكون على فيسبوك.

في الحقيقة، تدرس الحكومات حول العالم إمكانية فرض نماذج إشراف مماثلة على منصات التكنولوجيا. ففي أيرلندا، حيث يوجد المقر الأوروبي لكل من فيسبوك وغوغل وتويتر وعمالقة التكنولوجيا الآخرين، أشارت كيلر إلى أن المنظمين اقترحوا مطالبة منصات الفيديو تعيين "صانعي قرار مستقلين" يُمكنهم الاستماع إلى نداءات المستخدمين بشأن قرارات الإشراف على المحتوى.

تخشى كل من كيلر وكلونيك من أنه بعد رؤية ما أنشأه فيسبوك، يُمكن للحكومات أن تبدأ في طلب فرض هياكل مماثلة في شركات أخرى، حتى قبل أن تتاح للنموذج الحالي فرصة إثبات فعاليته. وقد أوضحت كيلر أن "أحد شواغلي الرئيسية هو أن المشرعين الباحثين بكل الطرق عن حل سريع سيقُولون "آها! لقد وصل الحل السريع" الأمر الذي يجعل شيئا مثل هذا إلزاميًا قبل التأكد من مدى نجاعته".

بالنسبة لفيسبوك، إن إنشاء هيئة رقابة مستقلة ولكنها مصممة بأسلوب خاص، هو بلا شك درع حماية ضد هذا النوع من التفويض. يمتلك مجلس الرقابة القدرة على تعيين أعضاء جدد، ومراجعة قرارات الإشراف على المحتوى التي يتخذها فيسبوك. ولكن في نهاية المطاف، يلتزم أعضاؤه باحترام معايير المحتوى التي أنشأها فيسبوك شأنها في ذاك شأن المحكمة العليا الأمريكية المطالبة باحترام الدستور.

يمكن كذلك لمجلس الرقابة تقديم توصيات حول كيفية تغيير فيسبوك لمعايير المحتوى الخاصة به في المستقبل، ولكن مازال لدى عملاق التكنولوجيا الكثير لقوله حول فرضية اعتماد هذه التوصيات. وهذا يُمكن أن يجعل هيكل مجلس الرقابة خيارًا جذابًا للشركات الأخرى التي تواجه لوائح تنظيمية أكثر صرامةً حول العالم. وقد أفادت كلونيك بأن "جزءًا مما يحدث حاليًا هو محاولة فيسبوك المضي قدمًا في إصلاح ذاته لتجنب التنظيم من الأعلى إلى أسفل. وبإمكانه بعمل أفضل".

المصدر: بروتوكول