غضبٌ واحتقانٌ شديدان ظهرا على منصات التواصل الاجتماعي في اليومين الماضيين، خاصةً بين النشطاء السوريين وأبناء الربيع العربي في العديد من البلدان إلى جانب العراق ولبنان، موضوعٌ مثيرٌ للاهتمام ومحورٌ يضرب في صلب عاطفة شعوب المنطقة التي تأذت من ويلات التدخل الإيراني الطائفي في المنطقة، وذلك على خلفية "بودكاست" نشرته شبكة الجزيرة يتناول بتباهٍ قصة قاسم سليماني، القائد السابق لما يعرف بفيلق القدس.

"أنا قاسم سليماني، الجندي الذي كرس حياته لخدمة الإسلام والثورة الإسلامية وعزتها وكرامتها.. الاسم الذي يهابه الشيطان الأكبر والعدو الصهيوني"، هذا ما جاء في البرومو التعريفي لحلقة بودكاست جديدة في بودكاست "رموز" الذي يعرض تفاصيلًا عن حياة بعض الشخصيات التي مرت على العالم العربي والعالم ربما، ولكن الجزيرة تشير إلى رمزيتهم بغض النظر عن انتماءاتهم وماذا فعلوا أو ارتكبوا من جرائم.

تعرّف شبكة الجزيرة برنامج رموز في منصة بودكاست أنه "قالب درامي لاستدعاء شخصيات من سباتها الطويل لتتحدث بلسانها وتروي قصتها"، ويجمع البرنامج شخصيات أثرت في مختلف القطاعات كالسياسة والفن والتكنولوجيا والثقافة وغيرها بحسب وصف الجزيرة، "قصص نجاح ملهمة وأخرى مؤلمة تعطينا فرصة لنعرف كيف وصلنا إلى ما نحن عليه الآن؟".

البرنامج يقدّم الشخصيات ويعطيهم فرصة الكلام عن أعمالهم لكن بصوتهم ويكون النقاش معهم تحريريًا وليس حوارًا شخصيًا، وهو الأمر الذي تبرر به الشبكة ما حصل مع الحلقة التي جعلت كثيرًا من الناشطين العرب يوجهون نقدًا لاذعًا للقناة والقائمين على منصة "البودكاست".

حلقةٌ تطرقت لقاسم سليماني وحياته من منظوره، حيث يسكب الإطراء والثناء على ذاته ويتباهى بصولاته وجولاته في المدن التي أحالها دمارًا وخرابًا، وكأنه كان "ناشطًا إنسانيًا وخادمًا للأمة"، في هذا الصدد يعلق المعارض السوري محمد صبرة بقوله على "تويتر": "الجزيرة بودكاست تحولت لمجرد فرع من فروع الإعلام الحربي لميليشيا الحرس الثوري الإرهابية بتمجيدها للمجرم الإرهابي قاسم سليماني قاتل الأطفال في سورية والعراق، هو سقوط إنساني وأخلاقي قبل أن يكون سقوطًا إعلاميًا"، ويشدد صبرة على أن سليماني "مجرم وتمجيده به استهتار بدماء الشهداء السوريين".

كما يشدد الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة على أن حلقة قاسم سليماني ما هي إلا "دعاية بائسة" له، ويغرد الزعاترة قائلًا: "برنامج الجزيرة بودكاست عن قاسم سليماني، دعاية بائسة للرجل، طرف الحوار الآخر (المُهاجم له)، كان ضعيفًا جدًا، إذا قورن بالطرف المتحدث باسمه"، ويضيف الزعاترة "المشروع الطائفي لم يغب عن وعيه، وهو مسؤول عن مجزرة سوريا، وعن الحريق المذهبي، وعن ضرب أحلام شعوبنا في الحرية والتحرر، ومعه الثورة المضادة".

هل قاسم سليماني رمز؟

الكاتب محمد السلوم في مقال له على موقع "العربي الجديد" وفي معرض نقده على طريقة "ترميز الشخصيات"، تساءل عن أحقية سليماني بأن يكون رمزًا، ليتطرق الكاتب أيضًا إلى طريقة إعداد هذا النوع من الحلقات ويقول: "تطرح حلقة سليماني، إذا ما أخذنا الأمر بحسن نية، مشكلة عميقة في إعداد البرنامج، وخاصة مع الشخصيات المثيرة للجدل أو السياسية، التي ربما كان من الأفضل عدم إدراجها ضمن الرموز أصلًا، فالسياسي ليس رمزًا، وشخصيات مثل صدام حسين وحافظ الأسد وقاسم سليماني وياسر عرفات لا ينبغي معالجتها كما عُولجت شخصيات مثل جبران وجلال الدين الرومي وأم كلثوم وستيف جوبز ونجيب محفوظ، بل لا ينبغي أن ترد هذه الشخصيات في سياق واحد".

إذًا لدينا هنا إشكالية، وهي كيف يُصنف شخص مثل قاسم سليماني كرمز وهو الذي يُشهد له بإجرام منقطع النظير بحق شعوب المنطقة، وكنا في "نون بوست" قد أفردنا تقريرًا مطولًا عن جرائم قائد فيلق قدس الذي سُحق بغارة أمريكية بداية العام 2020، وكان الضابط الإيراني الذي أثار مقتله زوبعة عالمية كبيرة، قد صال في دول عربية عدّة وجال مساهمًا بتدميرها وقتل شعوبها من العراق التي أسس بها الميليشيات الشيعية الطائفية، إلى لبنان وتقويته لشوكة "حزب الله" ضد الدولة، مرورًا بسوريا التي كان مهندسًا لعمليات التغيير الديمغرافي فيها ومهجرًا لأهلها وقائدًا للمعارك ضد من طالب بالحرية فيها، عدا عن أدواره في اليمن والسودان وغيرها من البلدان.

يذكر الصحفي السوري خالد أبو المجد في معرض انتقاده لـ"بودكاست الجزيرة" وطريقة عرضه لسليماني برمزيته: "ومن قال إن قاسم سليماني ليس رمزًا؟ هو رمز للقذارة والإجرام ومجاهد ليهجّر الناس من أرضهم ويسيّر الأنهار من دماء الأبرياء"، فشخصية جالت وصالت قتلًا وتدميرًا إن كان واجبًا التحدث عنها فإنما ينبغي التطرق لها برمزيتها الوحشية والإجرامية.

أصوات رافضة من داخل الجزيرة

الجزيرة نفسها التي تصدرت كنافذة لنقل أوجاع الشعوب العربية وتغطية ثوراتها كان سبق لها أن شبهت سليماني وقت احتلاله مدينة حلب السورية بشارون حينما احتل بيروت، وهو ما عبّر عنه الكاتب والباحث الموريتاني محمد المختار الشنقيطي بمعرض وصفه تقرير الجزيرة ذلك: "حقيقة قاسم سليماني هي ما بثته الجزيرة بالحنجرة الذهبية لماجد عبد الهادي منذ 3 سنين، وليست في الدعاية الفجة في البودكاست الأخير، الذي كان كبوة فادحة في أداء الجزيرة ورسالتها، وسيظل قاسم سليماني - بغض النظر عن جنسيته ومذهبه - سفاحًا سفاكًا.. لا أكثر ولا أقل".

مراسل الجزيرة في طهران رد بورده منتقدًا بصورة واضحة البودكاست، فقد تحدث عبد القادر فايز كمختص بالشأن الإيراني ليقول: "فيديو رموز من الجزيرة بودكاست عن قاسم سليماني لم يكن موفقًا شكلًا ومضمونًا وتوقيتًا وتناولًا، ومحتوى فيديو الترويج والحلقة مستفز للكثيرين وهذا طبيعي، من جهة أخرى العمل لم يحصد حتى استحسان غالبية الجمهور الإيراني نفسه بشقيه الموالي والمنتقد".

مضيفًا "العمل في الملف الإيراني صعب ومعقد وفيه استقطاب حاد جدًا في مجتمعاتنا العربية يصل حد التخوين، ويتوجب على من يرغب بدخول هذه الساحة أن يعي ذلك وأن يكون صاحب خبرة في مجال أقل ما يقال عنه إنه لغم يمكن أن ينفجر حتى دون أن تلمسه".

أيضًا ومن قناة الجزيرة غرد منتج الأفلام الاستقصائية والمدرب في معهد الجزيرة للإعلام جمال المليكي قائلًا: "شخصيًا أعتبر سليماني مجرم حرب وليس رمزًا، الحمدلله أننا نعمل في مؤسسة نقول رأينا بكل حرية وموضوعية، غيرنا فصلوهم عشان دعاء وما نشر لا أعتقد أنه يعبر عن الخط التحريري للجزيرة".

غضب قطري

لم تمر حلقة "رموز" الخاصة بسليماني مرور الكرام في دولة قطر، فمثل باقي الدول غرّد صحفيون وناشطون فيها معبرين عن استيائهم من هذا المنتج الذي يمجد القاتل. مدير صحيفة العرب في الدوحة جابر بن ناصر المري قال: "قاسم سليماني مجرم حرب قُتل على أيدي من هم على شاكلته، وبذلك لا يمكن وصفه إلا بأن الله ﷻ سلّط الظالمين على الظالمين"، إضافةً للمري يقول الكاتب ماجد محمد الأنصاري: "رب بودكاست قال لصاحبه دعني".

الكاتب القطري خليفة آل محمود تضامن مع ضحايا سوريا والعراق بعد ما نشرته الجزيرة وقال: "الجزيرة بودكاست ياليت في هذا الشهر الفضيل احترام دماء شهداء سوريا والعراق الذين ماتوا على يد هذا الشخص"، كما وجه أحد المغردين خطابه للشبكة: "كنتم دائمًا ضد الإرهاب والاستبداد، هذا البرومو لا يمثل خطكم ولا القيم التي تأسست عليها الجزيرة حتى إن كانت الحلقة تختلف في المضمون، هذا شخص يده ملوثة بدماء المسلمين من السنة والشيعة والله حسيبه، ولا يجوز تمجيده بأي حال من الأحوال وغير مقبول تمامًا".

احتفاء إيراني

في المقابل، احتفت وسائل إعلام إيرانية بما أنتجته قناة الجزيرة من حلقة تمجد قاسم سليماني، حيث نشرت وكالة "مهر" الإيرانية، الفيديو كما أنها أظهرت استياءها من الانتقادات التي وجهها آلاف المعلقين العرب على مواقع التواصل الاجتماعي، في ذات السياق احتفلت وكالة أنباء فارس بذات المقطع كما أنها قالت: "أشادت قناة الجزيرة بالقائد السابق لقوة القدس التابعة للحرس الثوري الفريق الشهید قاسم سليماني، ما أثار حنق قناة العربية".

مطالبات بالاعتذار على غرار "اعتذار الهولوكوست"

العام الماضي أوقفت قناة الجزيرة اثنين من كوادرها الصحفية عن العمل على خلفية إنتاج مقطع يتحدث عن محرقة اليهود بحجة أنه "خالف المعايير والضوابط التحريرية" لشبكة الجزيرة الإعلامية، وجاء في بيان القناة أنها "اتخذت إجراءات إدارية تأديبية بحق صحفيين وحذفت الفيديو المذكور والمنشورات المرافقة له من كل حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، فور ملاحظة أن محتواه يتعارض مع معايير القناة المهنية". 

وفي معرض رده حينها قال الدكتور ياسر بشر المدير التنفيذي للقطاع الرقمي بشبكة الجزيرة: "المقطع المصور تضمن إساءة واضحة والشبكة تتبرأ منه ولا تقبل بنشر مثل هذا المحتوى على منصاتها وقنواتها الرقمية"، وأعلن في رسالة داخلية عن "برنامج تدريبي إلزامي يعزز الوعي بحساسية بعض القضايا لدى منتجي المحتوى الرقمي للشبكة"، بحسب بيان الشبكة حينها.

دعا ناشطون وصحفيون، قناة الجزيرة، للاعتذار عما نشرته عن قاسم سليماني على غرار ما فعلته حينما اعتذرت عن فيديو المحرقة بحق اليهود، إلا أن مصادر في في القناة قالت إن "الحلقة ستبقى على الموقع ولن تحذف، وإنما حُذفت تغريدة تضم جزءًا من الحلقة على حساب الجزيرة بودكاست على تويتر"، لكن الجزء الذي انتشر في المقطع الترويجي واستفزّ الجمهور العربي قد أعيدت صياغته تمامًا، وأصدرت الشبكة حلقة معدلة بأسئلةٍ قالوا إنها "ستكون منصفة ومحقة أكثر من سابقتها"، كما أصدرت مقطعًا "استثنائيًا" كما وصفته، توضح فيه "طبيعة البرنامج".

في الحلقة الجديدة التي تم التعديل عليها، حاول بودكاست الجزيرة الميل تجاه الشعوب بتأثير واضح من الضغط الحاصل من السوشال ميديا ضد الذي حصل في الحلقة الأصلية، في البداية الدرامية للعمل الجديد يظهر صوت سليماني وهو يكلم الرئيس الروسي طالبًا منه المساعدة في وجه التقدم الحاصل في سوريا ضد قوات النظام، طبعًا من دون ذكر كلمة المعارضة، وبعد ذلك، يبدأ سليماني بالتعريف عن نفسه تعريفًا جديدًا غير ذلك الذي رأيناه سابقًا وكان يمجد به ذاته.

"أنا قاسم سليماني، إنها سوريا عقدة اتصالنا بلبنان وحزب الله والصراع مع الكيان الصهيوني، والمشاركة بحربها كانت أحد أبرز الإنجازات التي ينسبونها لي، وإقناع الرئيس بوتين في عام 2015 بالتدخل العسكري لمصلحتنا ومصلحة حلفائنا، بعد أن سيطرنا على العراق ولبنان"، بهذا المقطع تبدأ الحلقة المعدلة وتكون فيها لهجة المحاورة وتدعى "سيلينيا" قاسية غير تلك التي كانت في الحلقة السابقة فتحدثه أن سجله مليء بدماء الأبرياء في العديد من الدول.

في النسخة الأولى قاطعت سيلينا سليماني 8 مرات طوال الحلقة، كما يقول الكاتب السوري محمد السلوم ويضيف أنه في كل مرة كانت "تقاطع ببرود لا ينطبق مع وعدها لنا بأنها ستكون صوتنا الصارخ وضميرنا وستنقل هواجسنا وانتقاداتنا"، بل إننا لم نشاهد شيئًا من شجاعتها التي طلبت منا أن نتكل عليها، وكانت تنهي مداخلتها بطرح التساؤل دون أي تعقيب على إجابة سليماني.

الجديد في الحلقة المعدّلة كان بلهجة المقدمة وليس بلهجة سليماني الذي كان السيناريو المعدّ لكلامه يتكلم بكل تمجيد عن شخصيته ولم يكترث بأسئلة سيلينيا، التي كانت أشد عليه من الحلقة الأولى ولكنها كما الحلقة الأصلية أنهت الحلقة بأن الحكم عليه يبقى للتاريخ، إلا أنها ذكرت قبل ذلك أن الكثير احتفلوا بموته من سوريا مرورًا بكثير من دول العالم.

قال الصحفي العراقي مجاهد الطائي: "عندما أنتجت الجزيرة فيلمًا عن الهولوكوست وغضبت "إسرائيل"، حذفته لاحقًا وأوقفت عمل موظفين واعتذرت، وعندما أنتجت الجزيرة بودكاست فيلمًا عن سليماني الذي نفذ وأشرف على مجازر ضد العرب والمسلمين .. كابرت! رغم استفزاز وجرح مشاعر الملايين، محتوى الجزيرة أساء للجزيرة نفسها".

كما ذكر الكاتب والباحث السوري أحمد أبازيد في تغريدة له على تويتر: "بسبب تغريدة من الرئيس الأمريكي قامت الجزيرة بحذف فيديو الهولوكوست ونشر اعتذار ومعاقبة المعدين، آلاف التغريدات انتقدت فيديو تمجيد الإرهابي قاسم سليماني، فضلت الجزيرة للأسف الإصرار عليه وإهانة ملايين الضحايا العرب والاصطفاف مع عدو الثورات والتعامل بفوقية وعدم الاعتذار".

ماجد عبد النور الناشط الثوري السوري كتب مطالبًا قناة الجزيرة بالاعتذار: "باسم ضحايا هولوكوست بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت نُطالب قناة الجزيرة أن تُعاملنا كما تعاملت مع اليهود، وتعتذر كما اعتذرت منهم عن الإساءة بحقنا وحق شهدائنا ومآسينا بتمجيدها أوسخ وأقذر وأنتن شخصية عرفتها البشرية في القرن الحادي والعشرين".

غرد السياسي السوري أسامة أبو زيد قائلًا: "ما الذي يمنع الجزيرة التي اعتذرت عن فيديو الهولوكوست وحذفته من منصاتها واتخذت إجراءات بحق من عمل عليه، أن تعتذر من ضحايا المجرم الطائفي قاسم سليماني؟ امتناعها عن الاعتذار هو بمثابة تمثيل بجثث الضحايا ورقص على أنقاض المدن التي دمرها ذاك المجرم في سوريا والعراق واليمن".

بالمحصلة، تكمن المشكلة الرئيسية هنا، في منح شبكة الجزيرة صوتًا -عبر أثيرها الممتد والمؤثر - للسفاحين ومنتهكي حقوق الإنسان ومرتكبي جرائم الحرب، ومن عاثوا فسادًا وقتلًا في بلاد العرب إن بذريعة الرأي الآخر، أو ذرائع أخرى، وربما كان هذا ما ينبغي على الشبكة القطرية العمل على مراجعته بدقة فعًلا.