مع استخدام التكنولوجيا للحد من فيروس كورونا، تخاطر الحكومات بتقويض حقوق الإنسان

مع استخدام التكنولوجيا للحد من فيروس كورونا، تخاطر الحكومات بتقويض حقوق الإنسان

ترجمة وتحرير نون بوست

هل يمكن أن تنجو حقوق الإنسان من فيروس كورونا؟ لقد أصبح واضحًا أن الفيروس سيؤثر علينا في عدة موجات خلال السنوات القادمة، وتتصارع الحكومات لتؤدي ما يجب عليها للحد من الوفيات حتى يتم إنتاج لقاح.

أصبح الكثيرون منا معتادون أساليب التباعد الاجتماعي وما زال الكثيرون يعتقدون أنها ليست كافية، يشير المحللون إلى الصين و"إسرائيل" وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان كنماذج تضغط ضد انتشار فيروس كورونا، مشيرين إلى مجموعة من التقنيات.

يبدو أن إجراء اختبارات واسعة النطاق وإعداد طاقم طبي مجهز بشكل صحيح مجرد بداية لمكافحة مرض مثل فيروس كورونا، هناك طرق اجتياحية مثل تطبيقات التتبع وتقنية التعرف على الوجوه وتتبع معاملات بطاقات الائتمان واستخدام معلومات الهاتف ولقطات الفيديو ونشر تفاصيل المصابين بشكل عام، كل هذه الطرق أساليب إضافية في يد الحكومات.

لكن مثل هذه التقنيات تلتهم بعض القيم الجوهرية الأساسية للأنظمة الديمقراطية الليبرالية، فحقوق البشر في حرية التنقل وحقوق الخصوصية وحقوق البيانات المنبثقة وحق النسيان جميعها مهددة بتلك الأفعال الاجتياحية التي تتخذها الحكومات، لكن نظرًا لتحديات فيروس كورونا، هل تملك الحكومات الخيار؟

أجبرت كارثة مثل كوفيد-19 الديمقراطيات الليبرالية على مواجهة التوتر بين حماية حقوق الأفراد ومواجهة تهديد وجودي لحقوق الصحة الجمعية

يجب أن تنتشر حقوق الإنسان في لغة السياسات العالمية، لكن استمرارها وثباتها يعتمد على تصرفات الأفراد وحكوماتهم، فقد رأينا ذلك عندما اتخذت كندا موقفًا كلفها الكثير في مواجهة اعتقال المملكة العربية السعودية لنشطاء حقوق الإنسان في 2018.

تحولات القوى

تعمل التقنيات المتطورة الآن بواسطة الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، تحول التقنيات بشكل أساسي توزيع القوى بين الأفراد الذين يوفرون البيانات والكيانات التي يمكنها أن تستفيد من تلك البيانات.

لقد كُتب الكثير عن كيفية معرفة جوجل لنا بشكل أفضل مما نعرفه عن أنفسنا، لكن هناك القليل بشأن كيف يوفر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة فرص للحكومات للحد من حقوق الإنسان.

أجبرت كارثة مثل كوفيد-19 الديمقراطيات الليبرالية على مواجهة التوتر بين حماية حقوق الأفراد ومواجهة تهديد وجودي لحقوق الصحة الجمعية، فالديمقراطيات لها مصاعبها أيضًا بالتأكيد.

بشكل عام فالديمقراطيات تحمي بشكل أفضل وتدافع عن حقوق الإنسان من الحكومات غير الديمقراطية، ومع ذلك فالتفشي السريع لفيروس كورونا أبطأ من نقاط القوة لدى الديمقراطية مثل التشاور والتمثيل والمساءلة، وبشكل ما عرقل الاستجابة للفيروس.

يمكن للتقنيات الحاليّة أن تعزز استجابات الحكومة، فقد استخدمت بعض الحكومات بالفعل تقنيات تتبع أبراج اتصال الهواتف المحمولة، وأجهزة تحديد المواقع للمساعدة على فرض الحجر الصحي، وتعمل آبل وجوجل معًا على تطبيق يستخدم البلوتوث لتحذير الناس من أنهم يتواصلون مع شخص مصاب بفيروس كورونا، هناك تطبيقات مشابهة موجودة بالفعل في سنغافورة وأوروبا.

لقد وضع كوفيد-19 ببساطة أهمية حقوق الإنسان في مقدمة السياسة العامة ومركزها

تقوم بعض البلديات في أمريكا بمشاركة تفاصيل طبية شخصية للمرضى المصابين بالفيروس مع الصحة العامة ووحدات الاستجابة الأولية، كان الذكاء الاصطناعي مفيدًا في بعض طرق مكافحة الفيروس - إعداد المختبرات للمريض فيما يخص التشخيص والعلاج وتحليل المرض نفسه وحتى مساعدة علماء الأوبئة على وضع نموذح لحركة ومستقبل الفيروس -.

هذه التقنيات تعتمد على البيانات الضخمة التي تشكل توترًا للديمقراطيات الليبرالية على وجه الخصوص، فالاستفادة من التكنولوجيا في محاربة الفيروس قد يجعل مجهود الحكومات أكثر فعالية خاصة في حالة الجائحة ذات المخاطر العالية، لكن تأثيرها على الحقوق بعد الجائحة قد يكون لا رجعة فيه.

وحتى لو تم توخي الحذر لحماية خصوصية موقع البيانات فإن هذه الإجراءات بعيدة عن المثالية، ففي نهاية اليوم يتم تخزين تلك البيانات في مكان ما مما يجعله عرضة للقرصنة، ويجب على الحكومات أن توازن بين الاستجابة للجائحة وحماية حقوق الإنسان الأساسية.

السياسة العامة والخصوصية

تحقيق هذا التوازن أكثر صعوبة للديمقراطيات بسبب قيمها والتزامها بحقوق الخصوصية، ومع ذلك فهذه المخاوف ليست تطورات جديدة، لقد وضع كوفيد-19 ببساطة أهمية تلك الحقوق في مقدمة السياسة العامة ومركزها.

أظهرت الأزمة التكافل بين البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لتوفير معلومات ذات صلة لتتمكن الحكومات من اتخاذ إجراءات بشأنها، لكن الفائدة قد تكون مغرية ومسببة للمشاكل أيضًا نظرًا لطبيعة التكنولوجيا.

وبعيدًا عن حقوق الخصوصية والبيانات، فإن الحكومات لم تبدأ حتى في التعامل مع التحيزات والتمييز المبني داخل الخوارزميات التي تشغل الذكاء الاصطناعي، هذه المشكلات تشكل تهديدًا أكثر دقة لكنه ليس أقل أهمية لحقوق الإنسان في المستقبل.

ومع استمرار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بسرعة ملحوظة حتى في أثناء العزل الذاتي، فإن فوائده في الجائحة التي ما زالت في مراحل التكوين يجب أن تجعلنا نتوقف، وحاليًّا تتحكم مصالح الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، هذه التطورات أيضًا تؤكد ضرورة تصرف الحكومات، لكن يجب أن يفعلوا ذلك بحذر وبشكل متعمد نظرًا لطبيعة التكنولوجيا.

المصدر: ذي كونفرسايشن