على مدار السنوات العشرين الماضية طورت الصين علاقتها بدول القارة الإفريقية بشكل كبير، وعلى الرغم من أن الحكومة الصينية لا تنشر بيانات رسمية عن تمويل القروض الصينية أو ما تمنحه من تسهيلات ائتمانية للتصدير أو المساعدة الإنمائية الرسمية على أساس إقليمي أو قطري، رغم أن بعض المشاريع والتدفقات العينية يتم تمويلها كمنح، فإن الغالبية العظمى من التمويل الصيني بخلاف حقوق الملكية في إفريقيا يتخذ شكل قروض، وتؤجل الصين سداد قروض أو تمديد اتفاقاتها مقابل توسيع نفوذ أو ملكية وإدارة مشروعات كبرى لعقود قادمة، ومن ثم تكبل الصين العديد من الدول الإفريقية بالديون، وتستغل الجائحة لتكثيف عمليات الإقراض لتلك الدول بغية الاحتفاظ بصفة الدائن الأكبر لها، وتثور موجات نقد قوية لسياسة الديون الصينية لإفريقيا سواء من دوائر غربية أم من بعض المؤسسات المحلية النشطة في مواجهة الديون وعمليات الاستحواذ على الأراضي والنفط والموارد الطبيعية في البلدان الإفريقية.

وتعاني الدول الإفريقية منذ السبعينيات من أزمة ديون خارجية طاحنة تشكل خدمتها نسب مرتفعة للغاية من الناتج المحلي الإجمالي لمعظم بلدان القارة وتنفق على خدمة ديونها أضعاف ما تنفقه على القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم والسكن وفقًا لبعض الدراسات، ولا يمكن الحديث عن التنمية أو النمو الاقتصادي أو تحسين الخدمات العامة، في ظل هذه الأزمة، فعبء الديون الثقيلة على الدول الإفريقية أغلق كلّ الآفاق التنموية في القارة وأقصى القارة من التنافس الاقتصادي العالمي وجعل دولها في قائمة الدول الفقيرة المثقلة بالديون.

فمن بين 39 دولةً وضعها البنك الدولي في قائمة الدول الفقيرة المثقلة بالديون 33 دولة منها دول إفريقية من جنوب الصحراء، كما أنه وبالتوازي مع أزمة الديون هذه فإن الأموال المهربة للخارج تتزايد بشكل مطرد وبمعدلات تفوق حجم الديون وهو ما يثير علامات استفهام كبرى عن شرعية هذه الديون واستخداماتها.

من نقد الاستعمار الجديد إلى اتباعه بقسوة: بسياسة التغلغل التدريجي تحولت الصين للسيطرة على هيكل الديون الإفريقية، ففي العام 2018 احتلت الصين المرتبة الأولى عالميًا في قائمة دائني القارة الإفريقية وفق تقدير بعض المنظمات المهتمة بتخفيف عبء الديون عن الدول النامية الذي يشير إلى أن نحو 20% من جميع ديون الحكومات الإفريقية مستحقة للصين، ورغم عدم وجود بيانات رسمية صينية فإنه وفقًا لتقرير نشرته جامعة جونز هوبكنز قدمت الصين بين عامي 2000 و2017 قرابة 143 مليار دولار كقروض للحكومات الإفريقية أو للشركات المملوكة للدول الإفريقية.

باستخدام الديون رهنت العديد من الحكومات حول العالم موانئها ومساحات شاسعة من الأراضي للحكومة الصينية لمدد زمنية تصل لـ99 عامًا

لطالما قدمت الصين نفسها إلى بلدان إفريقيا وحكوماتها باعتبارها بلدًا ليس لديها تاريخ استعماري للقارة السمراء، كما أنها تمثل أصوات الدول النامية في النظام الدولي ومؤسساته المالية الدولية سواء البنك الدولي أم صندوق النقد، لكن اتبعت الصين ما يعرف بدبلوماسية فخ الديون كأحد أهم أدوات السياسة الخارجية الصينية في إفريقيا، إذ تصدر الصين نفسها كقوة رائدة على مستوى العالم في تطوير البنية التحتية، حيث شهدت نموًا اقتصاديًا سريعًا منذ الإصلاح والانفتاح في ظل دينغ شياو بينغ بسبب إستراتيجية التنمية القائمة على البنية التحتية.

وهذه المشروعات تحتاج استثمارات ضخمة وفي ظل اقتصادات إفريقية ضعيفة وهشة وتعاني من أزمة تمويل في معظمها، تقدم الشركات الصينية نفسها كمستثمر مهم ترسو عليه عطاءات أغلب المشروعات في الدول المدينة للصين التي تتبع قواعد التخصيص بالأمر المباشر من القيادات السياسية والحكومية للأراضي والمشروعات الكبرى في بلدانها.

ووفقًا لتقارير فباستخدام الديون رهنت العديد من الحكومات حول العالم موانئها ومساحات شاسعة من الأراضي للحكومة الصينية لمدد زمنية تصل لـ99 عامًا كما حدث مع كل من باكستان وبنغلاديش وسريلانكا وكينيا وجزر المالديف، والعديد من دول إفريقيا مهددة بفقدان أصولها الإستراتيجية جراء توسعها في الاستدانة من الصين وتعثرها في السداد.

أزمة كورونا.. من الدعوة إلى التخلي عن الديون إلى القبول بالتخفيف

مع انتشار التقديرات عن التداعيات القاسية لأزمة كورونا على الدول الإفريقية، حثت عدة منظمات دولية وقيادات سياسية الصين على التخفيف من وطأة الديون سواء بتأجيل آجال استحقاقها لما بعد التعافي من أزمة كورونا أم حتى تنامي الأصوات المحلية الداعية للتخلي عن الديون برمتها، وفي ظل هذه الأزمة دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الصين وقادة مجموعة العشرين إلى تخفيف عبء الديون عن البلدان الإفريقية.

وبينما لم تقدم الصين تنازلًا كبيرًا في هذه المسألة، فإن وزير خارجيتها ووزير المالية الصيني أوضحا أنها تتفهم هذه الدعوات في إطار الاجتماعات والتوافقات المالية لمجموعة العشرين، لكنها تتعامل مع كل حالة إفريقية على حدة باعتبار أنها ليست من خلقت أزمة الديون الإفريقية، وإذا كانت الصين قد شطبت بعض الديون الإفريقية صفرية الفائدة على نطاق ضيق إذا كانت الصين ستتبع هذا النمط.

ووفقًا لبعض التقديرات فإن الاتجاه العام في تعامل الصين مع هذه الأزمة هو القبول بتخفيف الديون وآجال سدادها وفوائدها وإذا اضطرت الصين لتعاملات أقسى فإن القروض الأكثر احتمالاً أن يتم إسقاطها ستكون تلك الفئة ذات الفائدة الصفرية، إذ لا يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة للقروض الميسرة والقروض الأخرى بسبب حجمها الكبير وبالتالي الخسائر المالية الهائلة وكذلك تخوف الصين من أن تتحول هذه لسابقة قوية في تعاملاتها المستقبلية مع بلدان ومناطق وتجمعات أخرى إذا اتبعت هذه الخطوة والآثار المترتبة على التخلي عما يسمى بالاقتراض المسؤول من الدول الإفريقية.

وتمثل هذه المطالبات اختبارًا حقيقيًا لطريقة إدارة الصين لدورها في مواجهة تداعيات أزمة كورونا ولتصورها لدورها في نظام ما بعد الكورونا، إذ سيكون عليها معالجة تعثرات شركائها التجاريين والدول المدينة لها، فالصين مطالبة بإثبات قدرتها على التعامل مع أزمة تفاقم الديون الإفريقية في ظل أزمة وبائية عالمية وتوقعات بتباطؤ شديد لنمو معظم الدول الإفريقية جنوب الصحراء.

رغم نفوذ وسطوة الصين في إفريقيا يمكن للدول الإفريقية وبقوة استغلال السياق الدولي المعادي للصين للتخلص من ديونها

الانفراد بالضحايا وما يمكنهم فعله: تفضل الصين التعامل الثنائي مع مسألة الديون بعيدًا عن أي أطر جماعية أو قارية قد تقوي مواقف الأطراف المدينة لها، ما لم تفكر دول القارة في حلول جماعية للخلاص من دائرة الديون، فإن العديد منها ستظل تنفق على الديون وفوائدها أكبر مما تنفق على نظمها الصحية والتعليمية ونظم الرعاية الاجتماعية مجتمعة وهو الوضع حاليًّا في مصر والسودان والمغرب وتونس في شمال القارة، وهو الحال في معظم دول إفريقيا جنوب الصحراء.

تحاول الصين تعويض خسائرها المحتملة حال الدخول في حرب باردة مع الولايات المتحدة وأوروبا بعد الجائحة عبر إفريقيا كمجال حيوي تتعطش حكوماته للديون لسد عجز موازنتها أو لتمويل استثمارات في مشروعات قومية تضمن شرعية هذه القيادات أو حتى لأسواق إفريقية لا تزال بحاجة لاستثمارات ضخمة لن يكون الخليج مصدرها ولا أوروبا التي تكابد خسائر اقتصادية فادحة بسبب الجائحة.

وفي إطار هذه المحاولة فإنها لا تريد تحميل اقتصادها الراكد أعباء حل أزمة ديون شركائها الأفارقة أو على الأقل ألا تتحمل وحدها تلك المسؤولية، كما أنها لا تريد خلق سابقة للتخلي عن الديون في بدايات تسيدها للموقف في مواجهة تداعيات كورونا لأن هذا قد يفتح الباب على مصراعيه أمام مطالبات أوروبية مشابهة، وإذا ما وجهت الصين بهذه المطالبات فإنها قد تحفز شركاءها الأفارقة على مطالبات مماثلة من القوى الكبرى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة.

رغم نفوذ وسطوة الصين في إفريقيا يمكن للدول الإفريقية وبقوة استغلال السياق الدولي المعادي للصين للتخلص من ديونها إذا تصرفت في إطار جماعي بحيث تستخدم نظرية الديون الكريهة ونظريات القوة القاهرة وحالة الضرورة للتخلي عن ديونها باعتبارها ديون استبداد كريهة، استخدمتها سلطات استبدادية تعاقدت على دين لا وفقًا لاحتياجات الدولة ومصالحها، بل لتعزيز نظامها الاستبدادي لقمع السكان الذين يحاربونها.