منذ بداية ترشيح السيد مصطفى الكاظمي لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، أثارت عملية الترشيح هذه ردود فعل عديدة من فصائل مسلحة عدة، وتحديدًا تلك المرتبطة بإيران، وهي ما يطلق عليها مجازًا "الفصائل الولائية أو فصائل محور المقاومة أو فصائل المقاومة الإسلامية"، التي اتهمته مرارًا وتكرارًا بأنه تواطأ في عملية اغتيال قائد قوة القدس قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس مطلع العام الحاليّ، ومن ثم رأت هذه الفصائل أن عملية الترشيح أولًا، والتكليف فيما بعد، ليست إلا إكمالًا لمسلسل احتواء هذه الفصائل وإبعادها عن المشهد السياسي والأمني في العراق مستقبلًا.

شكلت الفصائل الولائية حالة أمنية معقدة في المشهد الأمني والسياسي العراقي، وأخذت تتمايز بصورة كبيرة في مرحلة ما بعد هزيمة تنظيم داعش في العراق في ديسمبر 2017، وذلك بفعل انتشار مسرح عملياتها في العديد من الجبهات والساحات داخل العراق وخارجه، وعلى الرغم من وجودها وتأثيرها قبل هذا التاريخ، فإن الأسئلة العديدة التي بدأت تطرح بعد نهاية تهديدات تنظيم داعش في العراق، وضرورة حلها أو دمجها في المؤسسة الأمنية العراقية، جعلها تطرح نفسها ضمن إستراتيجية إقليمية تقودها إيران في الشرق الأوسط، ورغم المحاولات الخجولة التي بذلتها الحكومات السابقة في كبح جماحها عن التدخل في العديد من الشؤون الإقليمية، فإنها فشلت في احتوائها أو التعامل معها.

وجدت الولايات المتحدة في دور هذه الفصائل، تهديدًا لا يقل عن تهديد تنظيم داعش أو إيران نفسها في العراق، وهو ما قد يجعلها ملفًا حاضرًا بقوة في الحوار الإستراتيجي المرتقب بين العراق والولايات المتحدة الشهر المقبل، إذ عملت هذه الفصائل على شن العديد من الهجمات الصاروخية على العديد من الشركات والمصالح والمعسكرات الأمريكية في العراق، والأكثر من ذلك ضغطت على مجلس النواب العراقي في 5 من يناير 2020، لإصدار قرار نيابي يلزم الحكومة العراقية بمطالبة القوات الأجنبية والأمريكية تحديدًا، بوضع جدول زمني لانسحابها من العراق.

وهو ما وضع الولايات المتحدة في موقف حرج جدًا، ترافق ذلك مع فراغ دستوري عانى منه العراق منذ ديسمبر 2019، بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي وتصاعد تأثيرات جائحة كورونا.

صعود الكاظمي 

شكلت عملية نجاح الكاظمي في تمرير حكومته بداية الشهر الحاليّ، بداية صفحة جديدة في العلاقة بين الحكومة العراقية وهذه الفصائل من جهة، وعلاقة العراق بلعبة التوازن المزدوجة (الإيرانية - الأمريكية) من جهة أخرى، وعلى هذا الأساس فإن وجود شخصية مثل شخصية الكاظمي على رأس الحكومة العراقية، أثار العديد من التساؤلات عن الإستراتيجية التي يمكن أن يعتمدها، حيال التعاطي مع هذه الفصائل، أو حتى إدارة التوازنات داخلها، إذ إنه من غير الممكن أن يتمكن الكاظمي من احتواء هذه الفصائل على المستوى القريب، طالما أن لعبة الصراع بين إيران والولايات المتحدة لم تنته بعد، كما أن محاولات الكاظمي لإعادة تصفير التوازنات داخل هيكلية الحشد الشعبي تبدو صعبة جدًا.

في الوقت الذي تفضل فيه مرجعية النجف عدم إقحام هذه الفصائل في أي صراع مسلح خارج إطار الحدود العراقية، نجد في المقابل إصرارًا واضحًا من إيران على الدفع بها في العديد من الساحات

فعلى الرغم من الزيارة التي قام بها في 16 من مايو 2020 لمقر هيئة الحشد الشعبي في بغداد، ولقائه مع العديد من قادة الفصائل المسلحة المكونة للحشد الشعبي، التي هي عبارة عن جناحين (أحدهما تابع لمرجعية النجف، والآخر تابع لولاية المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي)، فإن الانقسمات الحاليّة داخل الحشد الشعبي تبدو عميقة جدًا، ورغم أن الكاظمي حاول تمرير رسائل عديدة بشأن عقيدة الحشد الشعبي ومركزية السيد علي السيستاني في تشكيله ووجوده، فإن هذه الدعوة ليس من المتوقع أن تلقى قبول ودعم التيار المقرب من إيران.

فمن المعروف أن هناك تمايزًا كبيرًا في رؤية كل من السيد السيستاني والسيد خامنئي لوجود وأدوار هذه الفصائل، ففي الوقت الذي تفضل فيه مرجعية النجف عدم إقحام هذه الفصائل في أي صراع مسلح خارج إطار الحدود العراقية، نجد في المقابل إصرارًا واضحًا من إيران على الدفع بها في العديد من الساحات، كالحرب الأهلية في سوريا أو قمع التظاهرات الاحتجاجية في الأحواز أو ممارسة دور الاستشارة والتدريب في البحرين واليمن.

وعلى هذا الأساس، فإن المحاولات التي قد يبذلها الكاظمي في إعادة مأسسة الحشد الشعبي، أو بمعنى أدق الفصائل الولائية المقربة من إيران، ضمن أطر عراقية خاصة، تبدو مهمة صعبة جدًا ما لم يحدث تغيير حقيقي في إيران.

إن الظروف السياسية التي يمر بها الكاظمي تبدو صعبة جدًا اليوم، فإلى جانب التحديات السياسية المتمثلة بتصاعد التظاهرات الاحتجاجية المطالبة بالإصلاح ومكافحة الفساد وعرقنة السيادة والقرار السياسي، فإن هناك تحديات اقتصادية وصحية أخرى أكثر صعوبة، وفي مقدمتها مواجهة تداعيات انخفاض أسعار النفط، وإيجاد حلول أكثر فعالية في مواجهة جائحة كورونا.

وعليه فإن التطمينات التي قدمها الكاظمي في زيارته الأخيرة لمقر هيئة الحشد الشعبي، قد لا تجد ذلك الصدى على الواقع الأمني العراقي، طالما أن دور هذه الفصائل مرتبط بالدور الإيراني في المنطقة، وتحديدًا عندما يتعلق الأمر بالتعاطي مع الوجود العسكري الأمريكي في العراق.

التحول المفاجئ

شكل الموقف الأخير الذي أعلنه خامنئي في تغريدة له الأسبوع الماضي، بشأن الحديث عن صلح الحسن مع معاوية، ووصفه لهذا الصلح بالمرونة البطولية، لأنه مهد الطريق لوحدة الأمة الإسلامية، على الرغم من تنازل الإمام الحسن عن حقه في الولاية، وأضاف أن إيران تمر اليوم بنفس الظروف عندما تجد نفسها تقف أمام الولايات المتحدة، ما فتح الباب أمام تكهنات عن إمكانية فتح صفحة جديدة للحوار الأمريكي الإيراني الذي قد يأتي كجزء ضمني للحوار العراقي الأمريكي المرتقب، وقد وجدت هذه الدعوة صدى كبيرًا في الأوساط السياسية العراقية وتحديدًا تلك المقربة من إيران.

تعيين الكاظمي رئيسًا لحكومة العراق، جاء نتاجًا لصفقة غير رسمية بين الولايات المتحدة وإيران

إذ كشفت مصادر سياسية في تحالف الفتح، انقسامات بين كتلة بدر بزعامة هادي العامري من جهة، وكتلتي صادقون وسند من جهة أخرى، تدعمها في موقفها فصائل مسلحة تعرف بمصطلح الولائية، في إشارة إلى كونها مرتبطة بمكتب خامنئي، وقالت إن الخلافات تتركز على رغبة زعيم التحالف ورئيس منظمة بدر هادي العامري، بتجنب التصعيد مع واشنطن وتأجيل أي مواجهة سياسية في الوقت الحاليّ حيال الوجود العسكري الأمريكي في العراق، ليضاف ذلك إلى خلافات سابقة حيال رؤية مكونات التحالف لدعم حكومة الكاظمي من عدمها.

وفي هذا الإطار، قال قيادي بارز في تحالف الفتح: "بيان القيادي في تحالف الفتح محمد الغبان الأخير لم يكن شخصيًا، بل جاء وفق توجيهات العامري، والأخير يدرك خطورة الوضع الذي يمر به العراق على مختلف الأصعدة (الأمنية، الاقتصادية، الصحية)، والعبور به إلى برّ الأمان يحتاج إلى دعم دولي كبير، وعلى رأس هؤلاء الداعمين الولايات المتحدة، خصوصًا لقرب رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي منها".

كما كشفت مصادر سياسية عراقية أخرى أنَّ تعيين الكاظمي رئيسًا لحكومة العراق، جاء نتاجًا لصفقة غير رسمية بين الولايات المتحدة وإيران، التي وافقت فيها إيران على دعم رئيس المخابرات السابق، مقابل وقف تجميد بعض الأصول التي تستهدفها العقوبات الأمريكية، وعلى الرغم من أنَّ كتائب حزب الله واصلت تهديد الكاظمي شخصيًا، سمحت فصائل سياسية شيعية أخرى تخضع للنفوذ الإيراني بترشيحه.

حيث تقول المصادر العراقية إنَّ صفقة سرية بين واشنطن وطهران هي ما يفسر هذا التحول المفاجئ، إذ وافقت إيران على تنازل الفصائل الشيعية التابعة لنفوذها، مقابل بعض التخفيف للعقوبات الأمريكية التي تعرقل اقتصادها، وكذلك وقف تجميد بعض الأصول في أوروبا، وأضافت: "نجح الأمريكيون في الحصول على رَجُلهم، والإيرانيون على أموالهم"، فالمحنة الاقتصادية التي يواجهها الإيرانيون وجميع الصعوبات التي يمرون بها منذ اغتيال قاسم سليماني، أضرّت بهم كثيرًا وكانت هناك مفاوضات وانتهت الصفقة بتقبُّل الإيرانيين لذلك الرجل (الكاظمي) وقالوا لحلفائهم أن يصوتوا له". 

إن طبيعة المهمة التي يضطلع بها الكاظمي بصفته رئيسًا للوزارء تبدو صعبة اليوم، فإلى جانب ضرورة تعاطيه مع التهديدات التي يمثلها تنظيم داعش والأزمة الاقتصادية والصحية، فهو مطالب اليوم بإنتاج مسار جديد للعلاقة مع الفصائل المسلحة المقربة من إيران، وإدارة التوازن بين إيران والولايات المتحدة، وجميعها ستكون ملفات حاضرة في الحوار الإستراتيجي المرتقب مع الولايات المتحدة.

وينتظر من الكاظمي أن يعد ملفًا شاملًا وفريقًا تفاوضيًا ناجحًا، للخروج من هذه الضغوطات بأقل الخسائر، فالمطالبات الأمريكية ستكون واسعة وتنتظر إجابات والتزامات واضحة من الجانب العراقي على الإيفاء بها، وفي مقدمة هذه المطالبات:

- أن تضمن الحكومة العراقية سلامة القوات الأمريكية والسفارة الأمريكية والمدنيين الأمريكيين والشركات الأمريكية العاملة في العراق.

- متى وكيف ستلتزم بغداد بالسيطرة على سلطة الفصائل المتحالفة مع إيران، ووضعها فعليًا تحت سلطة الحكومة المركزية؟

- ما الخطوات الموثوقة التي سيتّخذها العراق لاستعادة استقلاليته من إيران في مجال الطاقة؟

- ما الخطوات الموثوقة التي ستتخذها الحكومة العراقية من أجل تقليص الطبيعة الطائفية للسياسة العراقية لا سيما هيمنة القوات السياسية الشيعية الموالية لإيران في البلاد؟

- ما الخطوات التي ستتخذها الحكومة العراقية للحد من الفساد المستشري وتوفير الخدمات الأساسية للشعب؟

- ما المستوى الذي يريده العراق من حيث القوات الأمريكية والمساعدة المدنية والعسكرية؟ وما الذي سيفعله لإظهار قدرته على التوحد والحكم والتنظيم لاستخدام تلك المساعدات بفعالية؟

وبانتظار ما سيتمخض عنه الحوار الإستراتيجي بين بغداد وواشنطن، الشهر المقبل، ليس أمامنا إلا أن نأمل أن تنجح جهود الكاظمي في تحييد العراق من حالة الصراع بين طرفي النفوذ فيه وعليه، وهي المهمة الأسمى للحكومة الجديدة، أو هكذا ينبغي.