ملف الاستعمار الفرنسي للجزائر والجرائم التي اقترفها منذ وطئت أقدام جنوده أرض الدولة الواقعة في شمال إفريقيا لن يُغلق أو يُطوى دون رد الاعتبار إلى الضحايا وأهاليهم أو دون اعتذار صريح وعلني يعقبه رد المظالم وتقديم الجناة للعدالة، وهنا لا نتحدث عن مجرمي الحرب الذين توفوا مثل بيجار وأوساريس وموريس بابون وسلان وماسو، بل عن المنظومة الاستعمارية كاملة وآلتها العسكرية التي جرفت الأرض وسحقت الأجساد حتى اختلطت فيما بينها، فلا فرق بين رجل وامرأة أو صبي وشيخ، تشابكت العظام بينهم حتى تعذر في كثير من المرات فصلها عن بعضها البعض.

قد يذهب البعض إلى أن الجرائم الفرنسية والقتل الجماعي اقتصر على فترة الثورة (1954-1962) أو ما يسمى بمعركة الجزائر، ولكن فصول التاريخ وجولاته أكدت أن ماكينة الاستعمار وجنازره حصدت رقاب أهل البلد منذ بداية الاحتلال (1830)، وأيضًا في ثورة المقراني سنة 1871، أما ذروتها فكانت عام 1954، فالإمبراطورية الفرنسية في تلك الفترة عرفت تراجعًا وتقهقرًا على كل المستويات خاصة بعد هزيمتها في فيتنام (معركة ديان بيان فو) على يد الجنرال فو نجوين جياب.

في تلك الفترة تحديدًا، انتهج الاستعمار الفرنسي سياسة الحرب الشاملة من جميع الجوانب والنواحي، وعمل على ضرورة استئصال العنصر الوطني، فشرع بحرق الأخضر واليابس، وطفق يصلب الرجال ويفصل الرؤوس ويمثل بالجثت، ويبقر بطون الأمهات الحوامل، إضافة إلى عمليات الاغتصاب الممنهجة للعساكر الفرنسيين، وهو ما أشار إليه كتاب شاركت في تأليفه الكاتبة الفرنسية سيمون دو بوفوار صديقة جان بول سارتر، حيث تعرضت من خلاله لهذه القضية وتضمينه العديد من الشهادات، وحسب الأرقام الفرنسية، فهناك نحو ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف حالة اغتصاب لنساء جزائريات، وذلك بين سنوات (1954-1962).

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لم يفوت الفرصة بمناسبة إحياء ذكرى 8 مايو التي راح ضحيتها 45 ألف مواطن جزائري، وشدد على أن "القمع الدموي الوحشي للاحتلال الاستعماري الغاشم، سيظل وصمة عار في جبين قوى الاستعمار التي اقترفت في حق شعبنا طيلة 132 سنة، جرائم لا تسقط بالتقادم، رغم المحاولات المتكررة لتبييضها"، مضيفًا "عدد ضحايا جرائم الاستعمار تجاوز 5 ملايين ونصف مليون ضحية من كل الأعمار، أي ما يمثل أكثر من نصف سكان الجزائر (في ذلك الوقت)".

مجزرة بئر الشهداء

تشير شهادات تاريخية تناقلها ثلة ممن عايشوا ونجوا من حادثة الإبادة الوحشية التي تعرض لها سكان مدينة بئر الشهداء التي كانت تحمل إبان الفترة الاستعمارية تسمية "لوفاسور"، أن ضباطًا وجنودًا فرنسيين ومن أبرزهم الملازم الأول يهودي الأصل "ديزو" تفننوا في إذاقة سكان المدينة ألوان التعذيب إلى جانب التعدي على الحرمات ونهب الممتلكات، غير أنه في الفترة الممتدة بين أواخر سنة 1958 وبداية سنة 1959 كثف المستعمر حملة الاعتقالات ومست انتهاكاته عددًا كبيرًا من المواطنين الأبرياء من رجال ونساء وحتى أطفال وشيوخ.

الشهادات التي تناقلتها المؤلفات التي تحكي عن الثورة، بينت بأنه وفي ظروف غامضة قتلت فرنسا الاستعمارية عددًا كبيرًا من الموقوفين خاصة الموجودين بمحتشد فور بدوار زاوية بن زروق لتحمل بعدها تحت جنح الظلام جثث الشهداء وترمي بها في البئر.

وفي شهادته، أكد المجاهد الراحل لكبير التونسي رؤيته رفقة 5 عناصر من جيش التحرير في أثناء وجودهم بدوار أولاد عمار، من خلال منظار ليلي كان بحوزته، سيارة عسكرية فرنسية من نوع "جيب" ترددت إلى البئر أربع مرات متتالية، ولم يعلم هو ومن معه بأن الأمر حينها يتعلق بنقل جثث الشهداء ورميهم داخل البئر التي يبلغ عمقها 43 مترًا وتحوي مترين من الماء إلا بعد الاستقلال.

اتضح بعد ذلك للجزائريين، بحسب لونيسي، أن جنود الاحتلال يرمون الجثث ثم يصبون مادة سامة فوقها بهدف إخفاء معالم الجريمة، وأن عدد الشهداء الذين اكتشفت رفاتهم وصل إلى 447 شهيدًا.

من جهته كشف المجاهد عبد الحفيظ علاوة، بأنه رفقة عدد من المجاهدين علموا بتعرض عدد من سكان المدينة للإعدام بينهم عروس وزوجها تم إعدامهما يوم زفافهما، غير أنه بين بأن مكان دفن الجثث لم يتضح إلا بعد الاستقلال على مستوى البئر.

وتكشف الجدارية التي أنجزت في محيط البئر بأنه وبتاريخ 25 من يوليو 1962، وبعد معلومات مدققة مقدمة من بعض من كان يتكتم على أمر البئر سابقًا خشية من الفرنسيين، تم استخراج رفاة 447 شهيدًا وسميت البئر ببئر الشهداء ليعمم الاسم بعد ذلك على المدينة خلفًا للاسم الفرنسي (Le vassour)، وأشارت الجدارية إلى أن الجثامين المستخرجة ترجع لمجاهدين من المنطقة ومن مناطق مجاورة أُعدموا في مراكز التعذيب والاستنطاق. 

وفي سياقٍ ذي صلة، تؤكد بعض المصادر التاريخية، أن عدد المحتشدات الاستعمارية بالجزائر تجاوز 2600 محتشد وبلغ عدد الجزائريين الذين زُج بهم في هذه المحتشدات نحو مليوني وهو عدد كبير بالنظر إلى تعداد السكان الجزائريين خلال الثورة الذي لم يكن يتعدى 9 ملايين نسمة، وهو ما دفع الاحتلال الفرنسي إلى التخلص من الموقوفين بالقتل كما جاء في تصريحات الجنرال الفرنسي السابق بول أوساريس، بأن "قلة من السجناء الذين كنا نسألهم ونحقق معهم في الليل يبقون على قيد الحياة في غداة ذلك الليل".

ومن المجازر الأخرى التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، يروي المجاهد معمر مدان، أحد المحكوم عليهم بالإعدام بولاية البليدة قصص التعذيب التي مارستها فرنسا ومختلف الأساليب الوحشية التي كان يستخدمها الجيش الاستعماري من أجل نزع اعترافات من طرف المجاهدين المقبوض عليهم أو ذويهم، ومن أهم قصص التعذيب التي لا تزال حية في ذاكرته مقابلته لوالدة أحد المجاهدين بالبليدة وهي عارية وتعذيبها أمام عينيه من أجل انتزاع الاعترافات منه، بالإضافة إلى قتل المجاهدين المقبوض عليهم ورميهم داخل بئر بوادي العلايق من طرف السفاح لقايار.

فيما كشفت السلطات الجزائرية في وقت سابق، رفات شهداء يرجح أن يفوق عددهم الستة داخل بئر بمنطقة عين دريم ببلدية وادي الشعبة (جنوب غرب باتنة)، وأفادت شهادات حية لمجاهدين ما زالوا على قيد الحياة ومواطنين من الجهة، بأن هذه المنطقة شهدت عملية قتل ممنهجة لمجاهدين ومواطنين عزل من طرف عساكر الاستعمار الفرنسي في الفترة بين 1959 و1961، مشيرين إلى أن الشهداء كان يرمى بهم في البئر الموجودة بمزرعة أحد المعمرين آنذاك يدعى كورتي وذلك بعد تعذيبهم.

جمبري بيجار

التسمية تعود إلى جنرال فرنسي تسبب في اختفاء أكثر من 8000 رجل من سكان العاصمة، خلال "معركة الجزائر" سنة 1957، إذ اختُطف هؤلاء من منازلهم وتعرضوا لتعذيب رهيب وقتل بطرق بشعة أبرزها طريقة "جمبري بيجار" (les crevettes Bigeard)، وتتمثل في "غرس الرجال داخل قوالب إسمنتية من أرجلهم وتركهم على هذه الحال حتى يجف الإسمنت، وبعدها يُحملون في طائرات عمودية عسكرية ويُرموا في عرض البحر، حيث يموتون غرقًا".

وأشرف على هذه العمليات الجنرال مارسيل بيجار كجزء من الحرب النفسية التي أطلقها ضد خلايا الفدائيين لجبهة التحرير الجزائرية في العاصمة وشملت الشيوخ والنساء وحتى الأطفال، وبحسب الشهادات التاريخية، كان يربط مع الضحية زوجته وأطفاله قبل رميهم من الطائرة، وأكدت رئيسة الهيئة الجزائرية لمناهضة الفكري الاستعماري المحامية فاطمة الزهراء بن براهم، في تصريحات سابقة، أن بحارة وصيادين جزائريين عثروا على هذه القوالب الإسمنتية وبداخلها آثار أقدام.

الإغراق كان وسيلةً اعتمدتها أجهزة العسكر الفرنسي للتعذيب والاستنطاق وإجبار المقاومين على الاعتراف والوشاية برفقائهم، وكذلك أداةً لطمس معالم جرائم القتل وإخفاء أثرها، فالاحتلال الفرنسي دأب في جل مجازره تقريبًا على إلقاء المواطنين في جنح الليل داخل الآبار أو في الأنهار كمجزرة السين (أكتوبر 1961) التي ذهب ضحيتها 1500 جزائري وفقدان 800 آخرين، وتحدثت مصادر، أن عشرات الجثث (200 جزائري) ظلت تطفو فوق نهر السين أيامًا عديدة بعد تلك الليلة السوداء، وعشرات أخرى اكتشفت في غابتي بولون وفانسون، بالإضافة إلى عدد غير معروف من الجزائريين تم التخلص منهم رميًا من على متن الطائرات ليبتلعهم البحر.

بالمحصلة، يعول الجزائريون بعد مرحلة بوتفليقة وصعود عبد المجيد تبون إلى السلطة على إعادة صياغة علاقات جديدة مع فرنسا وترتيبها وفق مصالح ومنفعة البلاد، وتستند أساسًا إلى غلق الملفات الثقيلة وتسوية التركة الاستعمارية وجرائمها التي أحدثت شرخًا في الذاكرة الوطنية، ومن بينها قضايا كالتفجيرات النووية التي استهدفت سكان الصحراء وملف المفقودين خلال ثورة التحرير واسترجاع جماجم المقاومة الوطنية الموجودة بمتحف باريس، وفي انتظار خطوة من الإليزيه على هذه المطالب، يُشدد أهل البلد على أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم وأن لا عهد جديد قبل تطبيب جراح الماضي.