في توصيف ساخر من تحاليل وتعاليق التونسيين حول الحرب التي تدور رحاها بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وحكومة الوفاق المعترف بها دوليًا على أسوار العاصمة طرابلس، قال الناشط برهان بسيس في تدوينة سابقة على موقع فيسبوك "ما يحصل في ليبيا هو هجوم لقوات المشروع العصري بقيادة نداء تونس لتحرير طرابلس من ميليشيات النهضة"، وهو الأمر الذي تُحاول بعض القوى الإقليمية الترويج له خاصة بعد الانتكاسة الأخيرة التي مُنى بها حفتر في قاعدة الوطية وهو ثاني سقوط لغرفة عمليات رئيسية تابعة لمليشيا حفتر في المنطقة الغربية، بعد سقوط مدينة غريان، في يونيو/ حزيران الماضي.

وسائل الإعلام العربية الممولة من الجهات الداعمة لقوات الشرق الليبي، استهدفت زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي، خاصة بعد أن هنأ الأخير رئيس حكومة الوفاق فائز السراج، على سيطرة قواته على قاعدة الوطية التي تقع على بعد 140 كم غرب العاصمة طرابلس والقريبة من حدود تونس، مع تأكيده وفق البلاغ، على أنّ تونس يهمها عودة الأمن والاستقرار لهذا البلد الشقيق، وعلى أهمية عودة الحوار بين الفرقاء في ليبيا باعتبار أنّه لا حلّ عسكري للصراع في ليبيا وأنّه من الأسلم لجميع الأطراف العودة للمسار السياسي في إطار الشرعيّة الدوليّة.

مطلقو الحملة، أهملوا تأكيدات رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي على ضرورة جلوس الفرقاء السياسيين في ليبيا إلى طاولة الحوار للوصول إلى حل شامل للأزمة يحقن دماء الليبيين، وأيضًا بوجوب عودة المسار السياسي الذي أطلقته الأمم المتحدة والذي تمخض عنه اتفاق الصخيرات المغربية، في مقابل ذلك كانت التهنأة باستعادة قاعدة الوطية، بحسب المراقبين، حجةً أو مسمار جحا استغله الخصوم السياسيون في الداخل والمتربصون بثورة 14 يناير من خارج البلاد لتسجيل النقاط وحشر حركة النهضة في الزاوية.

 

7 أحزاب تونسية سارعت في بيان مشترك، إلى إدانة الاتصال الهاتفي الذي أجراه رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي بفائز السراج رئيس حكومة طرابلس الليبية، معتبرةً إياه "تجاوزا لمؤسسات الدولة، وتوريطًا لها في النزاع الليبي إلى جانب جماعة الإخوان وحلفائها"، وطالبت الرئيس قيس سعيد بالرد على ما ورد من مواقف راشد الغنوشي، "وهي مواقف تصب في خانة الاتهامات الموجهة لتونس بتقديم الدعم اللوجستي لتركيا في عدوانها على ليبيا".

الأحزاب الـ7

الأحزاب الموقعة على البيان هي:

- حزب التيار الشعبي: غير ممثل في البرلمان التونسي

- حزب العمال: حزب يساري تونسي يترأسه حمة الهمامي ويتبنى الأطروحات الماركسية اللينينية وهو أيضًا غير ممثل في مجلس الشعب

- حركة تونس إلى الأمام: غير ممثل بالبرلمان

- الحزب الاشتراكي: غير ممثل بالبرلمان

- الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي: غير ممثل بالبرلمان

 - القطب الديموقراطي الحداثي: غير ممثل بالبرلمان

- حركة البعث: غير ممثل بالبرلمان

هذه الأحزاب الـ7 أصدرت في وقت سابق بيانًا مشتركًا طالبت فيه بإطلاق سراح 3 نقابيين موقوفين منذ شهر على ذمة التحقيق على خلفية الاعتداء على النائب بالبرلمان محمد العفاس عن ائتلاف الكرامة (19 نائبًا من أصل 217) وهو حزب قريب من حركة النهضة، وهي أيضًا الأحزاب التي اعتبرت في بيان مشترك سابق المساعدات الطبية التركية المقدمة لطرابلس مرورًا بالأراضي التونسية، دعمًا "يشكّل خطورة بالغة على الأمن القومي لتونس والمنطقة ككل"، ودعت الرئيس قيس سعيد، الذي أعلن تنسيقه مع نظيره التركي لإيصال المساعدات، إلى التدخل العاجل.

ما يخفي عن الكثير ممن يُعوّل على القطيعة بين أجهزة الدولة أي بين قيس سعيد وراشد الغنوشي، أنّ طبيعة النظام السياسي في تونس بعد الثورة، قائمة على ثلاث سلطات وهي رئاسة الجمهورية والبرلمان والحكومة، وتفرض تلقائيًا تنازعًا على الصلاحيات وتنافسًا قائمًا على المبادرات والحكم، وهو ما لاحظناه في فترة سابقة بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد، والرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وهو الأمر ذاته نعيشه اليوم.

الوفاق والشرعية

يؤكد المسؤولون في حركة النهضة أنّ حزبهم ملتزم بالموقف الرسمي للدولة التونسية فيما يتعلق بالملف الليبي، وأن تصريحات قيادتهم كانت دائمًا في توافق وتناسق كبيرين مع بيانات رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية التي تؤكّد دعم تونس للشرعية الدولية ممثلة في حكومة الوفاق الوطني الليبية بقيادة فائز السراج.

وفي هذا السياق، أوضح المكلف بالإعلام في حركة النهضة، خليل البرعومي، أن هناك أسبابًا أيديولوجية تدفع بعض الأطراف إلى التشكيك في أي موقف تتخذه حركة النهضة حتى لو كان متجانسًا مع الموقف الرسمي الدبلوماسي.

من جانبه، دوّن الباحث سامي براهم ما يلي: "السّؤال الحقيقي ليس حول سبب تهنئة رئيس البرلمان بصفته البرلمانية أو الحزبيّة رئيس حكومة الوفاق الوطني الشرعيّة المعترف بها دوليًا في ليبيا دون أن يكون نظيرًا له، بل السّؤال الحقيقي اللافت هو لماذا لم يهنّئه نظيراه رئيس الدّولة ورئيس الحكومة وهما ملزمان بحكم الموقف الرّسمي التّونسي الملتزم بالشرعيّة الدّوليّة وما أفرزته من مسار سياسيّ واعتراف بالمؤسسات الشرعيّة التي واجهت قصفًا للمدنيين ومحاولات لاقتحام العاصمة ومناطق حدودنا الشرقيّة وما يعنيه ذلك من تهديد أمننا الدّاخلي؟”.

 

وتساءل بقوله "هل وقع سحب جدل الشرعيّة والمشروعيّة على الوضع الليبي؟ أم هو في إطار الترضيات الدّاخلية للحلفاء المنحازين للعسكري الذي يقود حربًا داخل بلده بالوكالة عن دول تقوم بأدوار مشبوهة في المنطقة؟ وهل يجب أن تلتزم كلّ مكوّنات الدّولة ورموزها بهذا الموقف الفئويّ الذي لا يراعي مصالح الدّولة والشّعب التّونسي وأمن مواطنينا المقيمين بالدّولة الشقيقة؟".

من المعلوم، أنّ تونس سارعت منذ اندلاع الحرب في ليبيا وإطلاق اللواء المتقاعد لعملية "الكرامة" في 2014، إلى الإعلان التزامها بالقرارات الأممية وخاصة مخرجات اتفاق الصخيرات وبالمؤسسات المنبثقة منه كالمجلس الأعلى وحكومة الوفاق، ورغم حرص الساسة على ترك مسافة بين الفرقاء وفق مبدأ الحياد إلى أنّهم متشبثون بالشرعية وبالحل السلمي للأزمة.

 

وكان الرئيس التونسي قيس سعيد أكد في وقت سابق، عبر اتصال هاتفي مع فائز السراج، دعم تونس لـ"الشرعية" في ليبيا، مشيرًا إلى أن تصريحات وزير الدفاع التونسي، عماد الحزقي، التي وصف فيها قوات حكومة الوفاق الوطني بـ"الميليشيات"، لا تعبّر عن الموقف الرسمي التونسي.

السجال في تونس حول الشرعية في ليبيا لم يقتصر على النخب السياسية المتأثرة بمرجعياتها الإيديولوجية وعلاقاتها الاقتصادية، بل عرف أوجهه في وسائل الإعلام وعلى صفحات التواصل الاجتماعي ما أفرز شقين من التونسيين، الأول داعم لثورة 17 فبراير وحكومة الوفاق الشرعية والمعترف بها دوليًا في طرابلس، والثاني انحاز إلى أنصار الثورة المضادة التي تقودها بعض الوجوه الليبرالية وأنصار العقيد الراحل وكذلك مؤيدو حفتر، والشق الأخير، متهم بتلقي تمويلات خارجية خاصة من الإمارات التي تعمل على دعم قوات الشرق ماديًا وعسكريًا والترويج لحملته المسعورة قصد إخضاع العاصمة لسلطانه على أنّها حرب مقدسة وتحرير لطرابلس من سطوة الجماعات الإرهابية الأخرى.

 

تونس.. لتخفيف الضغط

يربط بعض المحللين بين الحملة الجديدة التي تستهدف شخصيات تونسية كرئيس البرلمان بالتطورات الأخيرة التي عرفتها ليبيا، حيث تكاد المعارك تكون قد حُسمت وظهرت نتائجها، وانتهت إلى تغليب كفة القوى الثورية المناهضة للثورة المضادة، وهي قوى حليفة لتونس، وانتصارها يُنذر باقتراب الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي، كما أنها نكسة جديدة للقوى المعادية للربيع العربي وعلى رأسهم الإمارات مسنودة بحكم العسكر في مصر.

ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنّ القوى الثورة المضادة تسعى من خلال حملتها الهوجاء على تونس إلى تحقيق هدفين رئيسيين، أول تحويل الأنظار عن الهزيمة التي مُني بها اللواء بعد خسارة قواته للقاعدة الاستراتيجية الوطية عبر خلق أزمات في الدولة الجارة بتقوية الجهات الداخلية الداعمة لحفتر وحشر معارضيه في الزاوية، والأهم من ذلك تحييد تركيا الفاعل الرئيسي على الأرض في ليبيا والذي قلبت مساعداته لقوات الوفاق المعادلة، ومحاول عزلها.

إضافة إلى تعويض خسارتها في ليبيا، تسعى القوى التي تقود حملة لتشويه تونس وثورتها، إلى ضرب أكبر حزب تونسي من خلال الترويج لفساد رئيس البرلمان واستثراءه من وراء العمل السياسي، وهي رسائل الأولى مفادها: "نحن قادرون على قلب موازين القوى وعلى التحكم في المسار السياسي في البلاد، لنا كل الوسائل "، والثانية: "ثورات التحرر تنتج بالضرورة فاسدين أيضًا، لذلك لا تقاوموا"، ومن وراء هذا كله، تسعى هذه القوى أساسًا إلى استهداف التجربة التونسية باعتباره النموذج الثوري الناجح  في العالم العربي بعد سقوط التجربة المصرية على يد عبد الفتاح السيسي، وهو أيضًا النموذج الذي استطاع تحقيق تحولًا ديمقراطيًا شهد له العالم، لذلك فإنه يُشكل تهديدًا لأنظمة الاستبداد.

 

بالمجمل، يُمكن القول إنّ الحملة التي تقودها بعض القوى المضادة لثورات الربيع العربي (الإمارات) لا ترتقي إلى الحدث، فاتصال رئيس برلمان برئيس حكومة دولة معترف بها دوليًا وتهنئته، ليس إثمًا، أمّا حجج خصوم حركة النهضة بأن راشد الغنوشي وجب عليه الاتصال بنظيره الليبي، فقد فاتهم أنّه غير موجود، فإن قالوا موجود وهو في طبرق، أجابه أحدهم:" حفتر سحب البساط من عقيلة صالح واستحوذ على صلوحياته باسم التفويض".