ترجمة وتحرير نون بوست

ما من أحد قضى وقتاً في واشنطن إلا وسمع مدير ندوة يطرح السؤال التالي: "لو كنت جالساً إلى جانب الرئيس، فبم كنت ستوصيه بشأن السياسة التي ينتهجها؟" إنه سؤال صعب، وخاصة لأن المحللين في العادة يجيدون فن النقد أكثر مما يجيدون الإتيان بمقترحات جديدة حول السياسة المتبعة لم تكن قد صارت جزءاً مما تتبناه مختلف الدوائر الحكومية.

صناعة الأفكار ليست بالأمر الثانوي، فهناك الكثير جداً من الأمثلة حول كيف تساهم في اقتراح أفكار تغير السياسة (للأفضل أو للأسوأ). ومن هذه الأمثلة ما فعله مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عندما وضع الأساس الفكري لقانون غولدواتر نيكولاس لعام 1986 – والذي كان بمثابة إصلاح مهم غير الطريقة التي تنفذ من خلالها القوات المسلحة عملياتها. لكن ما من شك أنه ليس سهلاً على المحللين القيام بعملية اختراق من الخارج عبر أفكار إبداعية، وخاصة أنهم – مثلهم في ذلك مثل زملائهم في الجهاز الحكومي – يصبحون غارقين لآذانهم في قضايا محددة بحيث تنعدم لديهم القدرة على استشراف المستقبل برؤية واضحة.

والقضية النموذجية في هذا المجال هي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ينبغي أن يكون واضحاً الآن أن الولايات المتحدة بحاجة إلى مقاربة جديدة تجاه هذه القضية – مقاربة تقر بأنه لم يعد هناك حل الدولتين أو أي حل للصراع، مقاربة تعامل إسرائيل كما تعامل غيرها من البلدان. لم يعد كل الكلام عن الصراع في واشنطن (وكذا في أوروبا) يجدي نفعاً، وكل ما يفضي إليه هو تأجيل مواجهة الحقيقة.

لست متأكداً من أنني أفهم لماذا يستمر المسؤولون، والمسؤولون السابقون، والمحللون، في استثمار كل ذلك الوقت والجهد في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فحتى لو افترضنا أن الطرفين يريدان كلاهما السلام، فالحقيقة التي لا مراء فيها، أولاً، أن إسرائيل لن تستطيع توفير الحد الأدنى من متطلبات الفلسطينيين من أجل السلام، وثانياً، أن الفلسطينيين لا يستطيعون توفير متطلبات إسرائيل من أجل السلام، وثالثاً، أن الولايات المتحدة لا تملك الموارد ولا الإرادة السياسية لتغيير اهتمامات ومصالح لا الفلسطينيين ولا إسرائيل. وأما المحللون والمسؤولون الذين مازالوا يعملون من أجل حل الدولتين، ومهما كان مقدراً تشبثهم بذلك، فإنهم لا يملكون الكثير مما يساعد على تخطي هذا المأزق الأساسي.

والسؤال التالي يتعلق بما إذا كان هذا المأزق يهم كثيراً الولايات المتحدة. فعبر العقود السبعة الماضية، كانت لدى الولايات المتحدة مصالح أساسية متعددة داخل الشرق الأوسط: التدفق السلس لموارد الطاقة، والمساعدة في ضمان أمن إسرائيل، والهيمنة الأمريكية حتى لا يتسنى لأي دولة أو أي مجموعة من الدول تهديد المصلحتين الأخريين. (كما كان هناك مكافحة الإرهاب وعدم انتشار التسلح، مع أنه يمكن القول إنهما – على الأقل حتى الحادي عشر من سبتمبر – كانتا مشتقتين من المصالح الأخرى.) لطالما اعتقد صناع السياسة في الولايات المتحدة بأن حل الدولتين هو السبيل الأفضل لضمان أمن إسرائيل، وكثيراً ما وضع رؤساء أمريكا من بيل كلينتون إلى باراك أوباما وحتى إلى دونالد ترامب نفسه نصب أعينهم تحقيق ذلك الهدف. إلا أن الحقيقة التي قلما يتم الإقرار بها بشأن مأزق حل الدولتين – وربما كانت السبب في أن واشنطن لم تستجمع إرادتها السياسية للتغلب عليه – هو أنه ساعد الولايات المتحدة على تحقيق واحد من مصالحها الأساسية في المنطقة، ألا وهو المساعدة في ضمان أمن إسرائيل.

ليس المقصود من ذلك إلقاء ظلال من الشك على إخلاص المسؤولين والمحللين الأمريكيين عندما يقولون إنهم يعتقدون أن ضم إسرائيل لأجزاء من الضفة الغربية المحتلة سيضر بأمن إسرائيل وسيكون سبباً في امتعاض كثير من الأمريكيين. ولكن ما الذي ينبغي أن تفعله الولايات المتحدة إزاء ذلك؟ ستجد فئة من الناس يرغبون في أن تعاقب إسرائيل، وستجد آخرين يرغبون في نزع أيديهم من الموضوع ولكن في نفس الوقت يريدون تجنيب إسرائيل الخزي، ثم يمضون من بعد ذلك كل في شأنه كالمعتاد. يبدو أن المسلك الأخير أكثر احتمالاً من الأول، وإن لم يكن أي منهما مناسباً لما تقتضيه اللحظة. على كل حال، يوفر الدمج بين نجاح إسرائيل وقيامها بالضم فرصة لتغيير شروط العلاقة الثنائية بطرق من شأنها أن تحرر واشنطن من مهمة العمل على إحلال السلام.

تعتبر إسرائيل بكافة المقاييس بلداً متقدماً ولديها اقتصاد يتكامل بشكل جيد مع بقية العالم، وخاصة في قطاع تكنولوجيا المعلومات. يكاد ناتجها المحلي الإجمالي لكل نسمة ينافس نظيره في بريطانيا وفي فرنسا. ومن الناحية الأمنية، لدى إسرائيل جيش يفوق في قدراته وتجهيزاته كل ما يتوفر لدى جيرانها، وموقفها الاستراتيجي لم يكن في أي وقت مضى أفضل مما هو عليه الآن. بالمقابل، نجد أن العراق وسوريا كلاهما في حالة يرثى لها، وحزب الله غارق في مستنقع الصراع السوري بينما يتهاوى لبنان من حوله. وأما المصريون فيعتمدون على إسرائيل لإسناد عمليتهم الأمنية في شبه جزيرة سيناء. ومع أن الأردن حذر من عواقب الضم وتداعيات ذلك على العلاقات الثنائية، إلا أن الملك عبدالله هو الآخر في موقف عسير إذا ما أخذنا بالاعتبار كم هي مهمة إسرائيل بالنسبة لاستقرار الأردن.

بالطبع مازالت إيران مصدر تهديد، ولكن قوات الدفاع الإسرائيلي أثبتت قدرتها على ردع الإيرانيين والقوى المتحالفة معهم، وخاصة في سوريا وكذلك في العراق. سوف تظل نشاطات إيران النووية مصدر تحد رئيسي لأمن إسرائيل، ويحتاج الإسرائيليون إلى اليقظة باستمرار لكي يتمكنوا من مواجهة هذه المشكلة لوحدهم وبالشراكة مع بلدان أخرى، وبشكل خاص مع الولايات المتحدة.

أصبح لإسرائيل علاقات دبلوماسية مع مختلف الدول في أرجاء العالم، بما في ذلك تلك العلاقات الطيبة مع روسيا والصين والهند. وأما في الشرق الأوسط، وبالإضافة إلى معاهدات السلام التي وقعوها مع مصر والأردن، لقد طور الإسرائيليون ارتباطات (وإن لم تكن علاقات دبلوماسية معتادة) مع سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وذلك على الرغم من أن جهودها الهادفة إلى إحكام قبضتها على الضفة الغربية مستمرة ولم تتوقف منذ عقود. وهذا إنجاز معتبر، بلا شك. لكن، يمكن بالطبع للاقتصاد أن ينهار، ويمكن للبيئة الأمنية في المنطقة أن تتراجع، ولكن حتى مع ذلك، يصعب الآن إثبات أن إسرائيل حليف معزول ومهدد من قبل من يحيطون به.

إذا ما أخذنا بالاعتبار حقيقة هذه الإنجازات الإسرائيلية وما هي مقبلة عليه من عمليات ضم لأراضي الضفة الغربية، فإنه ينبغي على المسؤولين الأمريكيين إبلاغ الإسرائيليين بأنه آن للعلاقة بين البلدين أن تتغير. فأمن إسرائيل مضمون، والبلد مزدهر اقتصادياً، وتلك بالضبط هي الغاية التي كانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيقها. وعلى الرغم من أن إسرائيل والولايات المتحدة استفادتا كلاهما مما يقرب من 142 مليار دولار استثمرتها فيها واشنطن، إلا أنه بات من الصعب إقناع الناس بضرورة الاستمرار في تقديم هذه المساعدة السخية. وكما فعلت الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن المساعدة الاقتصادية، فقد حان الوقت للاتفاق على جدول زمني لوقف المساعدة العسكرية كذلك. وهذه ليست عقوبة بقدر ما هي اعتراف بأن الولايات المتحدة نجحت في تحقيق هدفها، فالمساعدات ليست استحقاقاً، والولايات المتحدة لا ترى أن الضم يخدم مصالح إسرائيل، ولذلك فهي لا ترغب في أن تكون مشاركة فيه.

سوف يحاجج النقاد بأن العقوبة الفعلية – على شكل قطع استباقي للمساعدة – هو السبيل الأمثل الذي ينبغي أن تنهجه واشنطن. وتنطلق مثل هذه الوصفة السياسية من فرضية أن إسرائيل ما تزال بحاجة إلى المساعدة العسكرية الأمريكية وأن قطعها سوف يكره إسرائيل على الانصياع. إلا أن الدليل لا يدعم أياً من هاتين الفرضيتين. كما أن في ذلك غض للطرف عن حقيقة أن مقاربتهم المفضلة لن تحظى بكثير من التأييد السياسي، بل ولسوف تتمخض عن عراك سياسي قبيح. أما الاتفاق على جدولة وقف المساعدة فأمامه فرصة لكسب التأييد. والمأساة في كل ذلك هي الاستمرار في تجريد الفلسطينيين من أملاكهم وفي تشريدهم، ولسوف يجعلهم ذلك دون أدنى شك يسخطون على واشنطن لتنصلها من الصراع، ولمساهمتها في الحكم عليهم بأن يعيشوا إلى الأبد تحت هيمنة جيش الدفاع الإسرائيلي أو محشورين في قطع متناثرة أشبه ما تكون بالبانتوستانات. وسيكون غضبهم ذلك مبرراً، حيث أنهم هم أيضاً أساءوا قراءة المصالح الأساسية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والتي ليس من ضمنها الفلسطينيون، الذين وضعوا ثقتهم في الولايات المتحدة رغم أن كل الأدلة تشير إلى عدم استحقاقها لتلك الثقة.

إن تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل إنما هو إقرار بالنجاح والإخفاق معاً. فبينما بات أمن إسرائيل ووجودها مضمونين، إلا أن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين مازال بعيد المنال – وقد لا يتحقق بتاتاً. على الأقل لن تتحمل الولايات المتحدة من الآن فصاعداً تناقضات وأعباء صنع السلام التي رفعت دون ضرورة مستوى التوقعات بأن واشنطن سوف تسلم الإسرائيليين أو تضغط على الفلسطينيين تحقيقاً لأهداف لا يشترك فيها الطرفان. وما ذلك بالأمر الطبيعي.

المصدر: فورين بوليسي