تواجه تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس مخاطر التدخل الأجنبي الذي تقوده الإمارات بإسناد من قوى الثورة المضادة في المنطقة لمجابهة مدّ الربيع العربي، وكذلك أزمات داخلية نتيجة تراكمات الاستحقاق التشريعي الذي أفرز ائتلاف حكومي غير متجانس أو متضامن فيما بينه، قد تعصف بآمال التونسيين في إقامة دولة ديموقراطية تكون قاطرة التنمية في المنطقة.

وتسعى كل من الإمارات وحلفائها من خلال تحريك آلتهم الدعائية وإطلاق حملات التشويه التي تستهدف المؤسسات السيادية والشخصيات السياسية كالحملة التي استهدفت راشد الغنوشي بدعوى التدقيق في ثروته، إلى تقويض الاستقرار في تونس والعمل على تغيير نظام الحكم على الطريقة المصرية (تفويض العسكر)، خاصة بعد نكستهم الأخيرة في ليبيا وفشل قوات الشرق في احتلال العاصمة طرابلس، فيما يؤكد بعض المختصين أن دعوات الداخلية بحل البرلمان تقاطعت مع مساعي الدولة الخليجية وأن الوضع في تونس مرجح إلى الأسوأ إذا لم تتوافق التيارات السياسية الإسلامية واليسارية والدستورية والقومية على مبدأ التعايش السلمي.

 

الثورة المضادة

في تصريح لـ"نون بوست" أكّد الصحافي نبيل الريحاني، أنّ تونس كانت وما تزال هدفًا لحملات من أطراف إقليمية لم تنظر يومًا بعين الرضا إلى تجربتها الديمقراطية وعامة موجة ثورات الربيع العربي، وأن بعض الدول العربية لم تخف يومًا عداءها لما تعتبره خريفًا عربيًا وليس ربيعًا، وتعتبر ما انطلق من تونس ليشمل دولًا عربية أخرى مجرد فوضى أنتجتها أجندات أجنبية تستهدف استقرار ومقدرات المنطقة، مضيفًا أنّ الجميع يعلم جيدًا ما تقوم به مصر "السيسي" والإمارات والسعودية، من ضخ للأموال وحملات إعلامية بل وتدخل ميداني عسكري لإسقاط الثورات في المنطقة كما هو الحال في ليبيا.

 

وأوضح الصحافي بقناة الجزيرة، أنّ تونس لها رمزيتها في هذا الصراع، فهي مهد ثورات الربيع ويشار إليها بوصفها التجربة الناجحة في المنطقة رغم هشاشتها وعيوب التحوّل الديمقراطي الذي اكتنف مسارها، لذلك فهي لم تغب يومًا عن أجندات الدول المعادية للتغيير الديمقراطي، متابعًا القول: "مع بقاء الجيش على الحياد تلعب تلك الدول أوراقًا أخرى كالإرباك الإعلامي من خلال شراء ذمم مؤسسات وشخصيات إعلامية، ناهيك عن السعي الدؤوب لاختراق الساحة السياسية والعمل دائمًا على تعفينها، دون أن ننسى الشبهات القوية التي تشير لوقوفها وراء عمليات اغتيال سياسي وتخريب اقتصادي واسع".

كل هذه العوامل، بحسب الريحاني، جعلت المسار السياسي والتنموي في تونس عرضة لهزات مؤذية وحرمتها من الاستقرار اللازم لتحقيق أي من ثمار التحول، مشيرًا إلى أنّ تدخل الدول آنفة الذكر لم يكن الأول من نوعه فقد عرف ذروته في رئاسيات 2019، برهانها على وزير الدفاع السابق عبد الكريم الزبيدي ورجل الإعلام المتهم في قضايا فساد مالي.

وكان الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، اتهم الإمارات بزعزعة الاستقرار في الدول التي عرفت ثورات وأطاحت بالأنظمة الدكتاتورية من على السلطة، قائلًا: "محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي هو المكلف بتدمير الربيع العربي، حاول من قبل أن يدمره في تونس، ويدمره اليوم في ليبيا"، مضيفًا أنّه "أصبح معروفًا أن الإمارات هي من يحرك الثورة المضادة في دول المنطقة (..) موجة الربيع العربي لم تتوقف بل تعثرت وتراجعت لكنها ستعود مجددًا إلى الأمام".

أزمة داخلية

لا يمكن بأي حال من الأحوال تعليق الأزمة التي تعيشها تونس على شماعة التدخل الأجنبي الذي يعمل على تلويث البيئة السياسية من خلال المال الفاسد والدعم اللوجستي المقدم لبعض الأحزاب، فتونس تُعاني من غياب القيادة والفراغ التنظيمي خاصة بعد وفاة الرئيس السابق الباجي قائد السبسي الذي أرسى دعائم التوافق السياسي مع حركة النهضة (توافق الشيخين) وساهم في استقرار البلاد في تلك الفترة، أمّا في الوضع الراهن، فيرى مراقبون أنّه في ظل غياب حزب وازن يُضاهي حركة النهضة فلن تعرف تونس استقرارًا سياسيًا وستكون العطالة سيدة المشهد.

 

الأزمة، وفق الصحافي التونسي، هي أيضًا نتاج ما أفرزته الانتخابات التشريعية من تركيبة شديدة الانقسام وغير متجانسة، فرغم توقعات بتحالف حكومي على قاعدة الشراكة الثورية (النهضة والتيار وحركة الشعب)، إلاّ أنّ الصراعات الحزبية بين أطراف التي وافقت على مضض تشكيل حكومة هشة يقودها إلياس الفخفاخ (اختيار قيس سعيد)، بعد فشل تشكيل حكومة بالتراضي بينها، فاقمت الأزمة وساهمت في مزيد تعقيدها، متابعًا القول: "لئن خفتت أصوات الصراع لحين بسبب جائحة كورونا، فإنّ الجدل عاد بأكثر حدة من خلال دعوات حل البرلمان وللاستفتاء على النظام السياسي وحملة انتقادات لاذعة لحركة النهضة وزعيها راشد الغنوشي، في تعويل تقليدي على فزاعة الإسلام السياسي".

المحلل السياسي الحبيب بوعجيلة أكّد بدوره أنّ "الحملة التي تستهدف رئيس حركة النهضة تقترن مع دعوات لحلّ البرلمان والاعتصام لإيقاف المسار السياسي كلّه وهذه المنظومة الحالية والدعوة لتغيير النظام السياسي"، مضيفًا أن "الاستهداف الذي يواجه الغنوشي هو جزء من الاستهداف الذي يواجه البرلمان ومخرجات انتخابات 2019 ومحاولة إقحام رئاسة الجمهورية والأطراف المعترضة على حركة النهضة ومحاولة جمعها لمواجهة النظام السياسي كلّه".

 بوعجيلة شدّد على "وجود أطراف سياسية داخلية تغذّي هذه الحملة، وهي أطراف خاسرة في الانتخابات ومتضررة من عملية الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي ستتجه إليه البلاد"، وأنّ "المستفيدين من هذه الحملة جزء من المنظومة القديمة لا يقبلون التغيير عنوانها الحزب الدستوري الحرّ ورئيسته عبير موسى، واليسار الوظيفي المتطرّف الرافض للديمقراطية باعتباره يسارًا عميلًا مرتبطًا بالغرب المتصهين وكل القوى المعادية لنجاح التجربة التونسية".

تسريبات "مجتهد"

المغرد السعودي الشهير باسم "مجتهد" كشف تفاصيل ما أسماها "الخطة الانقلابية التي تعدها السعودية والإمارات في تونس" لتسليم السلطة لنظام يقمع الإسلاميين على غرار ما حدث في انقلاب مصر، وقال في سلسلة تغريدات عبر حسابه على موقع تويتر، إنه تلقى المعلومات ممن شاركوا في الخطة على أساس "إنقاذ تونس من الفوضى"، ثم اكتشفوا أن الحملة ستُدخل تونس في فوضى وستؤدي إلى قمع أشد ومضاعف مما كانت عليه الأوضاع في عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي.

وأشار مجتهد إلى دور سعودي إماراتي محوري في الحملة حيث وفر الإعلام التقليدي والرقمي والمال والعمل الاستخباراتي والدعم الدولي ومرتزقة لتنفيذ عمليات تخريبية واغتيالات لخلق فوضى تبرر تعطيل الدستور والحكم بالطوارئ، على حد وقوله.

وتابع مجتهد: "يشارك في تنفيذ الخطة عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر ومحسن مرزوق رئيس حزب مشروع تونس وألفة يوسف الأكاديمية المعروفة ونشطاء آخرون مقرّبون من رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، وشخصيات تونسية أخرى معروفة بقربها من الإمارات، إضافة لتنسيق مع أخطر شخصية تونسية وهو كمال اللطيف"، مضيفًا أن الحملة تهدف إلى تسليم السلطة في تونس لنظام على غرار نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لـ"يقضي على الثورة ويقمع الإسلاميين بلا هوادة، ومعهم كل من يؤمن بالحرية والعدالة والانتخابات النزيهة، لأنهم يتوقعون أن أي حرية وعدالة وانتخابات نزيهة ستأتي بإسلاميين".

الخطة، وفق مجتهد، تقوم على 7 محاور أساسية وهي كالآتي:

  • شيطنة حركة النهضة
  • إقناع الشعب بفشل البرلمان
  • تجنيد الرئيس قيس سعيد وإن رفض سيتم اتهامه بالعجز والسفه
  • إدخال البلد في فوضى أمنية
  • تحرك شارع مصطنع
  • استجابة الجهاز الأمني لنداء الشارع بحل البرلمان تعطيل الدستور
  • تنصيب شخص موال لكمال اللطيف بنظام على غرار نظام السيسي

تسريبات مجتهد جاءت تأكيدًا لما صرّح به زعيم الحزب الجمهوري عصام الشابي الذي كشف في وقت سابق أنّ رئيسة حزب الدستوري الحر وكتلتها يمثلان "رأس حربة ترذيل الديمقراطية وتعطيل العمل المؤسساتي"، مضيفًا:" منذ اليوم الأول من انطلاق أشغال البرلمان عملت على إرباك المسار السياسي وإظهار أن الديموقراطية لن تنجح في العالم العربي"، موضحًا أنّ النائبة بالبرلمان عبير موسي مسنودة من بعض الدول العربية التي شكّلت غرفة عمليات لضرب التحوّل الديموقراطي في تونس عبر الحملات على قنوات العربية وسكاي نيوز، أو دعوات التمرد على الشرعية ومن خلال المطالب المشبوهة التي تنادي بالجمهورية الثالثة دون إيضاح ملامحها وطرق تحقيقها.

 

وفي تدوينة على صفحته على "فيسبوك"، كتب الشابي ما يلي: "سيظل بعض السياسيين الساخطين على صناديق الاقتراع يصرون على المطالبة بتغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي، اعتقادًا منهم أن ذلك وحده كفيل بتغيير موازين القوى وإرجاعهم لتصدّر المشهد، في حين أن الطريق الأنجع، في رأيي، هو القبول بقواعد وقوانين اللعبة الديمقراطية والتهيؤ للمنافسات المقبلة بدل محاولة هدم البيت على ساكنيه".

السيناريوهات الـ3 المحتملة

يبدو أن الوضع في تونس يسير نحو ثلاث اتجاهات لا رابع لها تتنوع بين تحجيم الحكومة أو ما يطلق عليه بتقليم أظافرها وحشرها في زاوية من أجل إجبارها على عدم المضي في خطط محاربة الفساد التي أعلنها رئيس الحكومة المدعوم من قصر قرطاج، أو إسقاطها عبر مبادرة حوار وطني تهدف إلى تشريك أكثر عدد من الأحزاب وخاصة تلك التي لم تفز في الاستحقاقات الانتخابية الماضية أو تلك المدعومة من القوى الخارجية التي ترمي إلى وأد الثورة، أمّا الاتجاه الثالث فهم انقلاب على الطريقة "السيسية".

تحجيم الحكومة

هو الاحتمال الأقرب واقعية من غيره خاصة وأنّ التحركات الأخيرة والحملات داخليًا وخارجيًا لا تخضع إلى قيادة أو إلى تنسيق ينم عن تقارب بين هذه الأطراف، بل ما يجمعهم هو التقاء وتقاطع المصالح، فسعيد مثلًا سيستغل الظرف لتقوية شرعية مطلبه بتغيير النظام السياسي، فيما يُشكل لرئيسة الحزب الدستوري عبير موسي جسرًا لتقوية سيطرتها على ورثة حزب التجمع المنحل وتعزيز موقعها كواجهة للمنظومة القديمة الساعية إلى استعادة زمام الحكم في تونس، هذا إضافة إلى تجنيب النظام القديم المحاسبة في مقابل تركيز الأنظار على الفساد المفترض للإسلاميين.

أمّا بالنسبة لليسار الثقافي واتحاد الشغل، فإنّ هذه التحركات (دعوات حل البرلمان حملات تشويه وأيضًا حرائق) ستبعد عنهما أيّ محاسبة حقيقية للفساد النقابي أو الفساد الكامن في مفاصل الدولة، والأهم من ذلك إضعاف خصمهم الايديولوجي الرئيس حركة النهضة.

 

 

إسقاط الحكومة

الاحتمال الثاني، بدوره مرجح للتحقيق على أرض الواقع خاصة إذا عادت ماكينة الاغتيالات السياسية لحصد الأرواح وتنازلت الأطراف الرئيسية في الحكم وخضعت لهذه المطالب على شاكلة مع حدث في 2013 (اعتصام الرحيل) حين عُلّقت أعمال المجلس التأسيسي بقرار من رئيسه مصطفى جعفر، إضافة إلى استقالة حكومة الترويكا برئاسة علي العريض (النهضة) وتعويضها بحكومة تكنوقراط قادها المهدي جمعة، وفقًا لمخرجات الحوار الوطني برعاية الرباعي (اتحاد الشغل واتحاد الصناعة الهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان).

هذه الفرضية قد تتكرّر مستقبلًا ويصبح عادة سياسية في حال تواصل الصراع بين أحزاب الائتلاف الحاكم فيما بينها أو مع أحزاب المعارضة، وفي حال أيضًا تواصلت حرب المؤسسات (رئاسة حكومة وبرلمان)، وستعيش تونس على وقع السيناريو اللبناني حيث بات البلد مسرحًا للصراعات الإقليمية وسمح للقوى الدولية بالتحكم في سيادتها الوطنية.

الانقلاب

يُعتبر السقف الأعلى الذي ترنو إليه قوى الثورة المضادة في الخارج (الإمارات وحليفتها مصر) وأيضًا بعض الأحزاب السياسية المرتهنة لهم والتي تعلم جيدًا أنّ حجمها لن يُمكنها من تبوء مكانًا في المشهد السياسي التونسي أو بلوغ الحكم من خلال صناديق الاقتراع، وهذا السيناريو يُرجح أن لا يتحقّق إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون الرئيس التونسي جسرًا تعبر فوقه الأحزاب التي فشلت في الاستحقاقين التشريعي والرئاسي السابقين فيؤدي دور اليسار في اعتصام الرحيل (2013)، ومن ثم سيعمل الانقلابيون على التخلص منه.

 من جهة أخرى، يمكن القول إن نسبة نجاح هذه الفرضية تكاد تكون معدومة في تونس لعدة أسباب يمكن اختزالها في التالي:

- استحالة تطويع الجيش التونسي في مثل هذه العملية خاصة وأنّه لم يتدخل في سير الانتقال السياسية في تونس عقب ثورة 14 يناير وكانت الأجواء مهيأة لأي تحرك عسكري، كما أنّ هذه المؤسسة نأت بنفسها عن الصراعات السياسية عقب الاغتيالين السياسيين لشكري بلعيد ومحمد البراهمي ورم دعوات القائمين على اعتصام الرحيل.

- رفض القوى الدولية المساس بالتجربة التونسية وإعادة السيناريو المصري، مع حرصهم على أن تبقى هذه التجربة الديموقراطية هشة لعدة أسباب سياسية واقتصادية.

- الخطوة لن تلقى حاضنة أو دعم على مستوى الشارع، فرغم حالة السخط الشعبي إلاّ أنّه من المستبعد أن يرضى التونسيون باختلاف انتماءاتهم الإيديولوجية بالمثال المصري خاصة وأنّ السيسي لم ينكل فقط بخصومه (الإخوان) بل طالت قبضته كل صوت مخالف لسياسته وعجت سجونه بإسلاميين ويساريين وشيوعيين وليبراليين.

بالمجمل، فإن الحراك (جبهة إنقاذ ودعوات حل البرلمان) الذي تعرفه تونس ليس الأول من نوعه وكذلك التدخلات الأجنبية، ولكن هذه المرة قد يختلف الوضع وتختلف النتائج ويبقى الأمر مرهون بالخطوة الأولى التي سيتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي يقف على أرض رخوة، بصفته الضامن لعلوية الدستور والقائم على أمن البلاد وسلامتها، وبقدرة أحزاب الائتلاف الحاكم على تغليب المصلحة العامة من أجل إعادة صياغة مشروع وطني قائم على التعايش المشترك وعلى قاعدة المكاسب التي حققتها البلاد منذ ثورة يناير 2011، والتي أسهمت في دفع البلاد إلى أن تكون سبّاقة في الولوج إلى العصر الديموقراطية دون نظراءها من الدول العربية.