مقابر جماعية لضحايا كورونا في البرازيل

على بعد ما يزيد عن 4275 كم من العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو، تفوح رائحة الموت من بين ثنايا مدينة ماناوس، فالصلبان ذات الالوان الزرقاء والتركوازية المنتشرة على جنبات مقابر المدينة الواقعة في ولاية الأمازون شمال البلاد، حولتها إلى مقبرة جماعية لضحايا فيروس كورونا المستجد الذي ينتشر في أرجاء البرازيل بصورة هائلة، حتى باتت في المرتبة الثانية عالميًا بعد الولايات المتحدة في أعداد الوفيات الإجمالية، فيما تجاوزتها في معدلات الوفاة اليومية.

وتذهب تقديرات المعاهد البحثية في جامعة واشنطن الأمريكية إلى احتمالية أن تصل معدلات الوفيات في البرازيل بسبب كورونا، أغسطس/آب القادم، إلى 125.833 شخصًا في البلاد، مقارنة بـ 131,967 حالة وفاة في الولايات المتحدة، حال عدم تبني استراتيجيات المكافحة بشكل فعًال، بحسب ما نقل موقع Business Insider الأمريكي.

وشهد منحنى الإصابات بفيروس كورونا في البرازيل قفزات كبيرة خلال الشهر الأخير على وجه التحديد، حيث بلغ إجمالي عدد الإصابات حتى الأربعاء 27 مايو/أيار 2020 قرابة 415 ألف حالة، بلغت نسبة الوفيات منها 25697 حالة، فيما بلغت حالات الشفاء قرابة 167 ألف حالة.

مقابر جماعية

أمام تلك الأعداد الكبيرة تهاوى النظام الصحي بصورة كبيرة، حتى فشلت الحكومة في استيعاب أعداد الجثث، الأمر الذي أجبر بعض الولايات على فتح مقابر جماعية، توضع فيها التوابيت جنبًا إلى جنب، واستخدام الجرافات لإهالة التراب عليها، هذا بخلاف ما يثار بشأن الترويج لفكرة حرق جثث الضحايا نظرًا لعدم وجود حاويات مبردة لحفظها، كما يحدث في ولاية ماناوس.

وتحولت ولايات الشمال ذات المستويات الاقتصادية المتواضعة إلى بؤر جديدة لتفشي الوباء، ما دفع 18 مدينة منها إلى إعلان الإغلاق الكامل والشامل لتحجيم انتشار الفيروس، حيث أدى ضعف الإمكانيات الصحية إلى طفرة كبيرة في عدد الوفيات مقارنة بالولايات الأخرى في مناطق البلاد المختلفة.

وسجلت ولاية ساو باولو "جنوب شرق" التي تبعد 400 كم عن العاصمة، أكبر حصيلة وفيات وإصابات، حيث شكلت مئات القبور المفتوحة صدمة للرأي العام هناك، هذا بخلاف التداعيات الاقتصادية لتلك الأزمة، كون الولاية أحد أكبر المراكز الاقتصادية في البلاد، وهو ما انعكس على المستوى المعيشي لسكانها.

عمدة الولاية، برونو كوفاس، في تصريح صادم له أشار إلى أن السلطات الحاكمة في المدينة بصدد تجهيز 13 ألف قبر جديد لاستيعاب القفزات الكبيرة في جثث الموتى، إضافة لتجهيز ثماني عربات تبريد لحفظ تلك الجثث مؤقتا ريثما يتم نقلها للمقابر، بجانب الزيادة الكبيرة في معدلات الإصابة.

اتهامات للنظام

الوضعية الصعبة التي بات عليها المشهد البرازيلي دفعت العديد من التيارات السياسية المعارضة إلى توجيه الاتهامات للرئيس جايير بولسونارو، بالتهاون والتقليل من شأن التعامل مع الفيروس، محملين إياه وحكومته المسئولية كاملة في الانتشار الكبير للوباء بهذه الصورة غير المتوقعة والصادمة في آن واحد.

موقع " Vox" في تقرير له في 21 مايو/أيار الجاري، ذكر أن الرئيس بولسونارو "دأب على التقليل من خطورة الفيروس، وعارض صراحة قرارات حكام الولايات البرازيلية بفرض تدابير الإغلاق، بل وحضر بنفسه احتجاجات معارضة للإغلاق، وضغط من أجل إعادة فتح الأعمال التجارية برغم زيادة التفشِّي".

التقرير لفت إلى استعانة بولسونارو بالأزمة منذ البداية، ذاكرًا حين سئل في 28 أبريل/نيسان عن أعداد الوفيات اليومية التي كانت قد وصلت حينها إلى 474 فقط، فردَّ قائلاً: "ماذا إذاً؟ معذرةً.. ما الذي تريدني أن أفعله؟"، ومن قبلها وفي العشرين من الشهر ذاته رد أيضًا على سؤال بشأن ارتفاع أعداد الوفيات بقوله "لست عاملا في مقبرة لأعرف"، مما زاد حدة الغضب تجاهه.

وفي الوقت الذي كان القلق يخيم على الشارع البرازيلي، وإعلان مجلس النواب والشيوخ والمحكمة الفيدرالية الحداد العام بعدما تخطت البلاد حاجز الـ 10 ألاف وفاة، كان الرئيس في اليوم ذاته يمارس هواية ركوب الدراجة المائية في برازيليا غير آبه، وهو ما زاد من حدة الاحتقان وإن عاد في اليوم التالي وأعلن أسفه.

وفي المقابل، هناك من يشكك في الأرقام المعلنة بشأن أعداد الوفيات، متهمين المعارضين لبولسنارو بترويج الرعب والخوف بين الشعب البرزايلي لتأليبه على رئيسه، حيث نشر بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات وصورًا قالوا إنها تظهر توابيت فارغة يقوم هؤلاء الحكام بدفنها لنشر الرعب بين السكان وتهييج الرأي العام على الحكومة.

وردًا على هذا التشكيك أكدت مسئولة في أحد المراكز الصحية الحكومية في ساو باولو، وتدعى إلياني لوبيز، في تصريحات أدلت بها لـ "الجزيرة نت" أن أعداد الوفيات أكبر من المعلن عنه، لافتة أنها تعمل في الخط الأمامي لمواجهة الفيروس، وأن الأرقام الرسمية المعلنة أقل بكثير مما هو على أرض الواقع.

وبعيدًا عن الاتهامات المتبادلة بين المعارضة والنظام، والولوج بالأزمة إلى مستنقع التسييس، وهو ما سيدفع الشعب ثمنه باهظًا حال عدم اتخاذ الإجراءات الاحترازية المطلوبة، فإن الخبراء يذهبون إلى ضرورة أن تحذو البرازيل حذو الصين وإيطاليا وإسبانيا، بشأن إلزام الجميع بالانصياع للأوامر والقرارات الوقائية التي تقلل من انتشار الفيروس، وذلك قبل وصول الأمر إلى النقطة التي لا يمكن السيطرة بعدها على المشهد المرجح أن يخطر عن السيطرة منتصف الشهر القادم حال بقيت الأوضاع كما هي.