الفنان المصري حسن حسني

بعد ماراثون طويل من الإبداع دام قرابة 4 عقود، أثرى خلالها المسرح والسينما والتليفزيون بعشرات الأعمال، غادر الفنان المصري حسن حسني، الحياة في هدوء، عن عمر يناهز 89 عامًا، إثر تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة، داخل مستشفى دار الفؤاد بالعاصمة القاهرة، وسط صدمة من المقربين منه.

يعد حسني أحد أبرز الوجوه التي فرضت نفسها على ساحة الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة نظرًا لما يتمتع به من إمكانات فنية هائلة، أهلته لأن يكون "جوكر" السينما، كما أُطلق عليه، وفي الوقت ذاته كان بمثابة تميمة الحظ لعشرات الفنانيين الصاعدين الذين باتوا بعد ذلك نجومًا تتلألأ في سماء الفن المصري.

غادر الفنان الراحل الحياة من على أعتاب الدراما، حيث أنهى حياته بمسلسل "سلطانة المعز" الذي عُرض رمضان هذا العام، كما شارك كذلك في موسم عيد الأضحى العام الماضي من خلال دور "مرسي الرجابي" في فيلم "خيال مآتة" بطولة الفنان أحمد حلمي ومن إخراج خالد مرعي.

تعرض حسني للعديد من الصدمات على مدار حياته على رأسها وفاة ابنته "رشا" عام 2013 بعد معاناتها مع مرض السرطان، التي أثرت عليه بصورة كبيرة، إلا أن ذلك لم يمنعه من إثراء الساحة الفنية بالعديد من الأعمال السينمائية والتليفزيونية بعدها، لينهي مسيرته الفنية مكرمًا من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأربعين عام 2018.

بداية مسرحية

نشأ حسني المولود في حي القلعة بالقاهرة في 15 من أكتوبر 1931 بأسرة متوسطة الحال، حيث كان يعمل والده مقاولًا، إلا أنه كان شغوفًا منذ نعومة أظفاره بالفن، فظهرت مواهبه ابتداءً وهو في المدرسة الابتدائية حيث أدى العديد من الأدوار على خشبة المسرح المدرسي.

بدأ حياته الفنية ممثلًا بإحدى الفرق المسرحية العسكرية، حيث كان يقدم أعمالًا مسرحيةً للضباط والجنود في شهر رمضان حتى نكسة 1967، لتنتهي علاقته بالمسرح العسكري بعد أن تم حله، وهنا وجد الفنان الشاب نفسه مجبرًا على الظهور علانية أمام الجمهور العام، وعليه كان الالتحاق بمسرح الحكيم الذي يعد خطوته الأولى نحو الشهرة.

وخلال فترة السبعينيات قدم حسني على مسرح الحكيم العديد من المسرحيات، أبرزها مسرحية "عرابي" مع المخرج نبيل الألفي، ومسرحية "المركب اللي تودي" مع المخرج نور الدمرداش، هذا بخلاف بعض الأعمال الدرامية القليلة، إلا أنه ومع مطلع الثمانينيات تنحى عن المسرح قرابة 8 سنوات، ليبدأ خطوة أخرى في مسيرته الفنية، حيث التوجه للتليفزيون والسينما.

السينما والتلفاز

كانت بدايته في السينما انطلاقة قوية، نجح من خلالها في تقديم نفسه بمنظور مختلف، جعله محط أنظار العديد من مخرجي السينما في هذا الوقت، حيث بدأ مشواره بأدوار بسيطة في أفلام مثل "الكرنك" و"أميرة حبي أنا"، ثم تعاظم دوره أكثر في "سواق الأتوبيس" مع المخرج عاطف الطيب عام 1982، بخلاف عدد من الأفلام الأخرى الشهيرة منها "المساطيل" و"الهجامة" و"سارق الفرح" و"ليه يا بنفسج" و"المواطن مصري" و"دماء على الأسفلت" و"ناصر 56" و"خارج على القانون".

نجاحه منقطع النظير في السينما دفعه لاختراق الدراما التليفزيونية التي كانت تستحوذ على النصيب الأكبر من المشاهدة الجماهيرية في هذا الوقت، حيث أبدع من خلال أدواره التي قدمها في مسلسلات "أبنائي الأعزاء شكرا" و"السبنسة" و"قهوة المواردي" و"بوابة الحلواني" و"يا رجال العالم اتحدوا" و"رأفت الهجان" و"ابن النظام" و"أين قلبي" و"أم كلثوم" و"رحيم".

لقبه الناقدون الفنيون بـ"قشاش السينما والمسرح" بفضل ما كان يتمتع به من إمكانات فنية كبيرة، أهلته لأداء العديد من الأدوار بمنتهى الإتقان، ويكفي أنه في العشر سنوات الأخيرة كان على رأس أكثر الفنانيين مشاركة في الأعمال، حتى أطلق عليه الجماهير لقب "المنشار" لكثرة مشاركاته الفنية.

ليست الكوميديا وحدها

يعد حسن حسني أيقونة أفلام الكوميديا في مصر، حيث نجح في تقديم العديد من الأعمال السينمائية والمسرحية التي تتميز بالطابع الكوميدي، رغم أن بدايته لم تكن كوميدية على الإطلاق، إذ أسند إليه في أوائل مشواره الفني أدوار الشر من خلال بعض الأعمال لكن سرعان ما غير مساره نحو الكوميديا.

إلا أنه في الوقت ذاته نجح في تقديم أدوار أخرى حملت طابعًا دراميًا جامدًا، كشخصية الشيخ الضرير في فيلم "البدرون" والرجل المادي القاسي في "سواق الأتوبيس" والجلاد القاسي الملتزم بتعليمات ضابطه بتعذيب المعتقلين في فيلم "البريء"، وكرجل شرطة فاشل في جهاز أمن الدولة في فيلم "زوجة رجل مهم".

كما كان الفنان الراحل تميمة الحظ للعديد من الفنانين الصاعدين، حيث كان أبرز الداعمين لهم، وساعدهم حتى وصلوا للنجومية المطلقة، ومن بينهم علاء ولي الدين في "عبود على الحدود" ومحمد سعد في "اللمبي" وهاني رمزي في "محامي خلع" وأحمد حلمي في "ميدو مشاكل" وأحمد عيد في "ليلة سقوط بغداد" فنال بذلك مكانة كبيرة في نفوس العديد من الأجيال الفنية اللاحقة.

حصل حسني على العديد من الجوائز طيلة مشواره الفني، فبجانب تكريمه من مهرجان القاهرة السينمائي 2018، حصل على جائزة أفضل ممثل لعام 1993 متفوقًا حينها على عمالقة الفن في هذا الوقت مثل فاروق الفيشاوي ومحمود حميدة، هذا بخلاف اختيار 5 أفلام له ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في السينما المصرية.

حالة من الحزن خيمت على الوسط الفني مع إعلان وفاة جوكر السينما المصرية، والذي نال حب وتقدير جميع التيارات بمختلف توجهتها السياسية والفكرية خاصة وأنه كان ينأي بنفسه بعيدًا عن أي صراعات سياسية داخلية، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي لسرادق عزاء كبير، فيما غرد عشرات الفنانيين والمحبيين ترحمًا عليه، مذكرين بمآثره وإمكاناته الفنية الهائلة ودعمه المتواصل لكل الفنانيين، صغيرهم وكبيرهم.

وهكذا أسدل الستار على أحد عمالقة السينما والدراما المصرية، تاركًا خلفه إرثًا كبيرًا من الأعمال الفنية التي أثرت المكتبة العربية، لتخلد اسمه في سجلات أعلام الفن الذين احتلوا مكانة كبيرة في نفوس الجماهير المصرية والعربية، وتجعل من تكرار نموذجه دربًا من المحال لا سيما خلال الجيل الحاليّ على الأقل.