منذ أن استقل لبنان عام 1943 عن إرادة الاستعمار الفرنسي (الاحتلال) قام نظامه على نوع من التفاهم الإسلامي المسيحي الذي مثل فيه الموارنة المسيحيين، ومثل فيه المسلمون السنة المسلمين، وكان بشارة الخوري ورياض الصلح عنوان هذا التفاهم.

ثم مضت الأيام وبدأت تكرس معادلة قائمة على صلاحيات دستورية، وعلى العرف أيضًا، وجعلت من رئيس الجمهورية الماروني، الحاكم الفعلي للبلد الذي يحكم دون أن يُسْأل، مع أن النظام ديمقراطي برلماني، وجعلت من رئيس الحكومة السني بمثابة وزير أول عند رئيس الجمهورية يمكنه عزله وعزل الحكومة في أي لحظة، بينما جعلت رئيس المجلس النيابي الشيعي ومعه المجلس أيضًا في قبضة رئيس الجمهورية بحيث كانj له صلاحية حل المجلس بسهولة، وجرت الأعراف أن يكون رئيس الجمهورية من الموارنة ورئيس المجلس النيابي من الشيعة ورئيس الحكومة من المسلمين السنة. 

وبعد الحرب الأهلية المشؤومة التي اندلعت عام 1975 وانتهت في 1989، وبعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب، تم الاتفاق على إجراء وإحداث إصلاحات دستورية أرست نوعًا ومزيدًا من التوازن بالنظام، بحيث لم تعد هناك جهة واحدة متحكمة بكل المشهد.

غير أن الممارسة الفعلية على أرض الواقع، وبفعل إسناد عملية تطبيق الطائف ورعايته في حينه (بداية التسعينيات من القرن العشرين) إلى النظام السوري الذي كان حاكمًا فعليًا في لبنان، أنتج موازين قوى أخرى على أرض الواقع، بفعل سياسة النظام السوري التي قامت على أساس ومصالح خاصة به، ومن ذلك إعادة بناء المؤسسة العسكرية (الجيش) مع الإبقاء على السلاح بيد حزب الله كقوة مقاومة لطرد الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان.

لقد أنتجت سياسة تطبيق اتفاق الطائف بمزاجية واستنسابية النظام السوري في حينه موازين قوى مختلفة على أرض الواقع، وبرز ذلك بشكل واضح بعد خروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005، إذ إن الصراع بين المكونات اللبنانية بدأ يأخذ أشكالًا متعددة، وراح كل مكون يحاول أن يفرض هيمنته وإرادته على بقية المكونات، وتاليًا على البلد. 

لقد تم تعطيل الانتخابات الرئاسية في أول مرة إلى حين تسوية الدوحة عام 2008 التي أتت بقائد الجيش في حينه ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية، وتم تعطيل الانتخابات الرئاسية مرة ثانية إلى حين الإتيان بالرئيس الحاليّ ميشال عون بعد إدراك الجميع أن الانتخابات ستظل معطلة إلى حين "الخضوع" والقبول بعون رئيسًا، وهو ما حصل فعلًا، كما تم اختراع الثلث العطل في الحكومات، ناهيك بطريقة تشكيل تلك الحكومات الذي كان يحتاج إلى شهور وشهور عديدة، وكل ذلك عكس نوعًا من الغلبة الداخلية والشروط التي بدأ يتم وضعها أمام أي استحقاق. 

إن كل ذلك جعل المعادلة الداخلية تختل لصالح مكون على حساب مكون آخر، وهو ما أنتج نوعًا من الاحباط والضياع عند بعض المكونات، ومنهم المسلمون السنة، بفعل عوامل عديدة، وهذا ما أفقدهم مرحليًا الدور الوطني الذي طالما كانوا يشكلون من خلاله صمام الأمان والضامن الحقيقي لوحدة البلد. 

واقع السنة في لبنان

يشكل عدد السُنة في لبنان اليوم نحو ثلث عدد السكان المسجلين، وأظهرت لوائح الانتخابات النيابية الأخيرة التي حصلت في العام 2018 أن ناخبيهم هم الكتلة الأكبر، التي تزيد على الكتلة الشيعية بقليل، وهم ينتشرون بشكل أساسي في شمال لبنان، وفي العاصمة بيروت والمدن الساحلية الرئيسة، فضلًا عن البقاعين الأوسط والغربي وإقليم الخروب في جبل لبنان والعرقوب المحاذي للأراضي الفلسطينية المحتلة (مزارع شبعا). 

هناك حالة من الضياع عند قيادات السنة في لبنان بسبب فقدان الظهير الإقليمي، في وقت يتمتع البقية بظهير إقليمي يساعده على لملمة أوضاعه وترتيب أوراقه الداخلية

أما على مستوى حضورهم في الدولة، فإن الدستور اللبناني أقر بأن يكون رئيس الحكومة منهم، فضلًا عن مواقع أساسية في الإدارة، كمدير عام قوى الأمن الداخلي، وغيرها من المواقع الإدارية والسياسية. 

سياسيًا يُعتبر اليوم تيار المستقبل برئاسة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري هو القوة الأساسية التي تمثل السنة (كتلة نيابية من عشرين نائبًا سنيًا)، إضافة إلى شخصيات سنية مناطقية (ليس لها حضور وامتداد وطني عام)، فضلًا عن التيار الإسلامي الذي تمثله بشكل أساسي ورئيسي الجماعة الإسلامية في لبنان، وهو تيار له حضوره الشعبي القوي والمنتشر في كل المناطق اللبنانية، غير أنه لم يتمكن إلى الآن من ترجمة هذا الحضور الشعبي في صناديق الاقتراع بسبب الظروف السياسية من ناحية والتحالفات من ناحية أخرى وقانون الانتخاب من ناحية ثالثة والحصار المفروض على هذا التيار من النظام السوري خلال فترة وجوده في لبنان من أنظمة عربية وإقليمية حاليّة حتى اليوم. 

ويعاني السنة في لبنان اليوم نوعًا من الحصار المضروب عليهم من أكثر من ناحية، وهم يعيشون فترة قلق من محاولات استهداف النظام للإطاحة بحالة التوازن القائمة، لصالح إنتاج نظام جديد تكون فيه الغلبة لفئة على فئة أخرى تحت عنوان ضرورة أن يعكس النظام الجديد حجم القوى في البلد، (التيار الوطني الحر طرح الفيدرالية، والمفتي الجعفري الممتاز طرح انتهاء نظام الطائف واستبداله بغيره) وهذا ما سيجعل بقية المكونات مهمشة، وهو ما قد يفتح صراعًا جديدًا أو يكرس هيمنة جديدة لعشرات السنين.

هناك حالة من الضياع عند قيادات السنة في لبنان بسبب فقدان الظهير الإقليمي، في وقت يتمتع البقية بظهير إقليمي يساعده على لملمة أوضاعه وترتيب أوراقه الداخلية، وقد بدا ذلك وظهر جليًا منذ قرابة العامين ونصف عندما تم استدعاء رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري إلى الرياض وطلب منه تقديم استقالته، ومن ثم احتجازه هناك، وقد شعر السنة في حينه أنهم متروكون لمصيرهم في لبنان.

وتبرز الآن بشكل أكبر من خلال المنافسة التي بدأت تظهر بين كل من الإمارات العربية المتحدة وتواصلها مع بعض الشخصيات السنية، والسعودية التي ظلت لأكثر من عقدين ونصف تُعتبر الراعي الرسمي للسنة في لبنان، وكل من البلدين لا يملك - كما هو واضح - رؤية واضحة للتعامل معها في لبنان، أو ربما له رؤيته الخاصة التي لا تأخذ بعين الاعتبار المسألة اللبنانية، بل تركز على ما تراه في مصالحها، وكجزء من أدوات صراعها مع قوى أخرى في المنطقة، وبالتالي تنظر إلى لبنان كمجرد ساحة لتصفية حساباتها.  

كما أن انعكاس الوضع الإقليمي على الداخل اللبناني جعل قيادات السنة في البلد لا يملكون رؤية داخلية واضحة للتعامل مع الأحداث والتطورات الداخلية، فلم يتمكنوا حتى الآن من استجماع قواهم الداخلية والاتفاق على رؤية واحدة بين مختلف القوى للحفاظ على موقعهم الوطني في ظل نظام قائم الآن على المحاصصة الطائفية، وهناك من يعمل على الاستفراد بكل مفاصله وتهميش الآخرين فيما لو تمكن من ذلك. 

السنة إلى الآن، على المستوى الداخلي، ما زالوا موزعين بين أكثر من معسكر إقليمي، فبعضهم ما زال يراهن على دول أثبتت فشلها في التعاطي مع الملف اللبناني أو تريد له أن يكون ساحة لتصفية حساباتها مع منافسيها وخصومها الإقليمين، وبعضهم الآخر ما زال يتموضع إلى جانب أنظمة أثبتت عقمها وكشفت وجهها الحقيقي حيال قضايا الأمة، فظهر أن ما تدعيه شيئًا وما تمارسه شيئًا آخر، وبعضهم ما زال محاصرًا ويعيش حالة من الصراع النفسي بين الانفتاح على قوى المجتمع أو الاستمرار في العزلة القاتلة تحت عنوان الاستهداف.

يحاول رؤساء الحكومة السابقون استجماع ما أمكن من قوة لمواجهة التحديات التي تواجه البلد وتواجه الدور الوطني للسنة فيه

اليوم، رئيس الجمهورية في لبنان يستند إلى كتلة برلمانية قوية وكبيرة تسانده في ممارسة دوره وصلاحياته، وهو يعمل على تعزيزها وتوسيعها على حساب الصلاحيات الأخرى، ورئيس المجلس النيابي يمتلك كتلة نيابية كبيرة تسانده ويمارس دوره وصلاحياته مستندًا إلى هذه الكتلة، أما رئيس الحكومة فلا يملك مجرد نائب واحد في المجلس النيابي يستند إليه، إنما يتلقى الدعم من الكتل الأخرى التي تساند الرئاستين الأولى والثانية، فكيف به يتمكن من الوقوف بوجه تطلعات أي فريق يطمح إلى قلب وتغيير المعادلة الداخلية المتوازنة؟

يحاول رؤساء الحكومة السابقون استجماع ما أمكن من قوة لمواجهة التحديات التي تواجه البلد وتواجه الدور الوطني للسنة فيه، غير أنهم غير قادرين على أكثر من إصدار بيان بعد كل لقاء، بالنظر إلى ضعف قوتهم وحضورهم وتراجع الثقة بهم، والتيارات السياسية الممثلة للسنة لم تقتنع إلى اليوم بضرورة تنظيم الخلاف والعمل كل من موقعه على حماية التوازن القائم في المعادلة حتى لا تختل، فيظن كل منهم أنه يملك الحقيقة الكاملة أو التفويض المطلق ويتصرف على هذا الأساس.

والتيار الإسلامي المحاصر أصلًا ما زال غير قادر على إنتاج قناعة عند المسلمين في لبنان بأنه يمثل طموحهم ويحقق تطلعاتهم ويحفظ دورهم الوطني، والمرجعية الدينية الرسمية لم تتمكن حتى الآن من الأخذ بزمام المبادرة لإنقاذ الوضع وتشكيل غطاء وسقف للجميع للتحرك تحته من أجل إنقاذ البلد والحفاظ على التوازن، ربما لأنها ما زالت أسيرة قوى سياسية محلية أو إقليمية لم تقتنع حتى اليوم بخطورة المشهد والمستقبل.

آن لكل أولئك، وللجميع، أن يدرك حجم الخطر المحدق بالوطن من أجل العمل لاستعادة الدور الوطني المنشود الذي أثبت على الدوام أنه الحارس للاستقرار والضامن للتنوع وحتى للتداول السلمي للسلطة.