تلقى مفوض السلم والأمن في الاتحاد الإفريقي، إسماعيل شرقي، اتصالًا هاتفيًا من نائب رئيس المفوضية الأوروبية ومفوض شؤونها الخارجية، جوزيب بوريل، في 28 من مايو 2020، ناقشا فيه آخر مستجدات قضية سد النهضة، بحسب ما ذكر بيان عن الاتحاد الأوروبي شدد على ضرورة حلحلة الأزمة لضمان الاستقرار في المنطقة.

البيان أكد ضرورة استئناف المفاوضات، مُرحبًا بقرار الأطراف الثلاث (مصر، السودان، إثيوبيا) العودة لطاولة التفاوض مرة أخرى بعد فترة توتر شديدة وتصريحات متبادلة من هنا وهناك، حملت في بعضها لغة التهديد، وخُتم البيان بتأكيد استعداد الاتحاد الأوروبي دعم المسار التفاوضي وصولًا إلى حل يرضي الجميع.

تأتي الوساطة الأوروبية في وقت تدخل فيه قضية السد نفقًا مظلمًا عقب رفض أديس أبابا، فبراير الماضي، التوقيع على مقترح اتفاق تقدمت به الولايات المتحدة التي دخلت على خط الأزمة كوسيط إلى جانب البنك الدولي لإيجاد حلول لخلافات الدول الثلاثة، وهو ما عقد الأوضاع بعد استشعار الجميع انفراجة قريبة بقبول أطراف النزاع بالوساطة الأمريكية.

إلا أن تغيرًا فرض نفسه على المشهد، كان له تأثير على توازن المعادلة برمتها، وذلك حين رفض السودان في 12 من مايو الحاليّ، مقترحًا إثيوبيًا يقضي بتوقيع اتفاق جزئي بين البلدين بشأن ملء بحيرة السد، حيث جاء في رد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في رسالة لنظيره الإثيوبي آبي أحمد، أن "توقيع أي اتفاق جزئي للمرحلة الأولى لا يمكن الموافقة عليه نظرًا لوجود جوانب فنية وقانونية يجب تضمينها في الاتفاق (...) إن معظم القضايا تحت التفاوض وأهمها آلية التنسيق وتبادل البيانات وسلامة السد والآثار البيئية والاجتماعية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ليس فقط بالملء الأول وإنما بكل مراحل الملء والتشغيل طويل المدى وبالتالي لا يمكن تجزئتها".

دخول أوروبا على خط أزمة السد خطوة دبلوماسية ربما تسمح للقارة العجوز بإعادة حضورها الإفريقي مرة أخرى بعد غياب دام طويلًا لصالح قوى أخرى أكثر نشاطًا داخل إفريقيا، على رأسها أمريكا والصين وروسيا، لكن هناك تساؤلات تفرض نفسها بشأن أوراق الضغط التي من الممكن أن يملكها الاتحاد الأوروبي لتعزيز وساطته، ومدى قبول أطراف النزاع بهذه الوساطة، خاصة أنها تأتي تزامنًا مع الوساطة الأمريكية، بمعنى آخر هل ستأتي على مرجعية واشنطن أم مكملة لها؟

يذكر أن أبرز نقاط الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا بشأن سد النهضة تتعلق بتخوف الجانب المصري من إسراع نظيره الإثيوبي بملء خزان السد القادر على استيعاب 74 مليار متر مكعب من المياه مرة واحدة، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على حصة مصر من المياه البالغة 55.5 مليار متر مكعب، هذا بجانب بعض النقاط الفنية الأخرى المتعلقة بسلامة السد من الناحية الهندسية والفنية.

بديل أم مكمل لمرجعية واشنطن؟

خطوة كهذه تأتي في إطار التحرك الدبلوماسي الأوروبي لاستعادة أمجاده القديمة في إفريقيا في سياق معركة النفوذ التي يخوضها ضد أمريكا من جانب وروسيا والصين من جانب آخر، إلا أن افتقاد قادة الاتحاد إلى رؤية واضحة لحلحلة الأزمة يثير التساؤل عما تحمله تلك الوساطة من خيوط عامة تتقارب أو تتقاطع مع الرؤية الأمريكية.

فريق ذهب إلى أن دخول أوروبا من باب الوساطة ليس شرطًا أن يكون على حساب الدور الأمريكي، وهو ما أشار إليه أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس، خطاب أو دياب، الذي وصف الدخول الأوروبي على الخط بأنه "استطلاعي"، مضيفًا في حديث مع DW عربية: "قد تكون الوساطة ممكنة في حال تم تنسيقها بين الاتحاد الأوروبي ونظيره الإفريقي، خاصة أن مقر الاتحاد الإفريقي في إثيوبيا".

هذا الرأي يعززه بصورة كبيرة ما ألمح إليه كبير مفاوضي السودان حمد صالح، قبل أسبوعين، حين أشار إلى تحركات سودانية لاستئناف التفاوض بـ"مرجعية واشنطن"، وهو الحل العملي والأسرع من وجهة نظر هذا الفريق الذي يستبعد سعي أوروبا أخذ مكان واشنطن في هذا المسار.

هذه الرؤية تتفق بشكل كبير مع السياق الزمني والسياسي للتحركات الأوروبية في الملفات الإقليمية والدولية، التي تراعي بشكل كبير البعد الأمريكي رغم التناطح بينهما في كثير من الأوقات، لا سيما بعد قدوم دونالد ترامب الذي ساهم بشكل ملحوظ في توتير العلاقات بين بلاده والدول الأوروبية.

ترامب ومفاوضي أطراف أزمة سد النهضة

أوراق الضغط الأوروبية

تمتلك أوروبا رصيدًا ليس بالقليل من أوراق الضغط يمكن استخدامها لتعزيز دورها الجديد لإقناع أطراف الأزمة بالعودة خطوة للوراء من أجل تقريب وجهات النظر، على رأسها أنها أكثر حيادية في أداء بهذا الدور، إذا قورنت بأمريكا وروسيا على سبيل المثال اللتين تمتلكان أجندات سياسية واقتصادية في دول القارة.

غير أن هذه الورقة ربما تواجهها معضلة أخرى تتعلق بالتاريخ الاستعماري لكبريات دول أوروبا كفرنسا وألمانيا وإيطاليا، داخل إفريقيا، إلا أن البعض يرى أن هذه المعضلة من الممكن أن يتم توظيفها لصالح تعزيز الوساطة، خاصة أن لتلك الدول حضورًا قويًا داخل إثيوبيا على سبيل المثال كإحدى الدول التي وقعت لعقود طويلة تحت قبضة وسيطرة الأوروبيين.

كذلك الشراكة الاقتصادية والسياسية الإستراتيجية بين أوروبا وأطراف الأزمة، حيث تشهد العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم من جانب وعواصم أوروبا الكبرى، برلين وباريس ولندن، من جانب آخر، تناميًا كبيرًا خلال السنوات الخمسة الأخيرة على وجه الخصوص، وهو ما يمكن أن يكون مدخلًا جيدًا لتذليل العقبات.

علاوة على ذلك فإن مصر والسودان تحديدًا يسعيان وبكل قوة لتقوية علاقاتهما بأوروبا خاصة بعد تذبذب العلاقات مع الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، حيث يسعى نظام عبد الفتاح السيسي في القاهرة ونظام عبد الفتاح البرهان وحمدوك في الخرطوم إلى بناء مظلة دولية قوية تعزز حضورهما الدولي في ظل حالة القلق التي يعاني منها النظامان على المستوى الداخلي.

الاستثمارات الأوروبية داخل القارة خاصة الدول الثلاثة ربما تكون ورقة ضغط هي الأخرى، إذ تعلم أوروبا جيدًا مدى حاجة تلك الدول في وضعيتها الاقتصادية المتردية لمثل تلك الاستثمارات التي تتزايد عامًا تلو الآخر، آخرها ضخ 51 مليار دولار في مشروعات الطاقة النظيفة بالقارة، وهو ما يمكن أن يكون دافعا قويًا للتماهي مع الدور الأوروبي الجديد.

السيسي وآبي أحمد

تخوف مصري

هل تقبل مصر الوساطة الأوروبية؟ سؤال فرض نفسه على ألسنة الكثيرين بعد بيان الاتحاد الأوروبي قبل يومين، سؤال في ظاهرة ربما تكون إجابته منطقية، فمن الطبيعي قبول القاهرة بأي وساطة من شأنها الحفاظ على حقوقها المائية، لكن في مضمونه الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.

التجارب السابقة على مدار أكثر من 9 سنوات تخللها ما يزيد على 25 جولة مفاوضات، أثبتت أن أديس أبابا لا تسعى إلا لمزيد من كسب الوقت وفقط، فبينما يجلس ممثلوها على مائدة المفاوضات كل مرة، تواصل الجرافات أعمال البناء في السد، دون أي اعتبار لاتفاقات أو تحفظات الدول الأخرى.

القاهرة تتخوف من أن يكون تدخل الاتحاد الأوروبي جولة جديدة من جولات كسب الوقت حتى تنتهي إثيوبيا عمليًا من بناء السد وبدء عملية ملء الخزان، والمقرر له وفق ما أعلنت أديس أبابا، يوليو القادم، وعليه فإن الأفضل بالنسبة للجانب المصري الانطلاق من مرجعية واشنطن توفيرًا للوقت وتفويتًا للفرصة أمام الجانب الإثيوبي.

من حيث المضمون كذلك هناك تحفظ مصري على الاتحاد الإفريقي الذي ترى القاهرة أنه داعم بشكل أو بآخر للجانب الإثيوبي بحكم وجود مقره في أديس أبابا، بجانب اختياره دومًا من إثيوبيا للاحتكام بعيدًا عن أي جهة أخرى، وهو ما أثار ريبة المفاوض المصري.

ومما عزز قلق المصريين دفع رئيس مفوضية الاتحاد الدول الثلاثة إلى استئناف المفاوضات والتعاون بشأن ملف السد دون الإشارة لا من قريب أو بعيد لمرجعية واشنطن، وهو ما يعني هدرًا جديدًا للوقت كما حدث في عشرات المرات السابقة، الأمر الذي فُسر مصريًا بدعم مبطن للجانب الإثيوبي لكسب المزيد من الوقت لحين بدء ملء الخزان.

ومع إقرار الدوافع الدبلوماسية وراء التحرك الأوروبي حيال أزمة السد يبقى السؤال: هل ينجح الاتحاد في تحقيق أهدافه بما يعيد حضوره الإفريقي مجددًا؟ سؤال من السابق لأوانه الإجابة عنه، وإن كانت التجارب السابقة للدور الأوروبي إفريقيًا وشرق أوسطيًا لا تبشر بخير.

فالوساطات التي قامت بها أوروبا خلال السنوات الأخيرة لم تكلل بالنجاح، لعل أبرزها فشلها في إحداث أي تحرك إيجابي في ملف عملية السلام في الشرق الأوسط بين العرب والكيان الصهيوني، وذلك حين ساهمت في تشكيل اللجنة الرباعية عام 2002، هذا بخلاف فشلها أيضًا في إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني بعد الانسحاب الأحادي للرئيس الأمريكي، لتبقى الأيام القادمة وحدها تحمل الإجابة بشأن مدى قدرة أوروبا كسر عقدة الوساطة الدولية وتقديم نفسها بشكل آخر أو إضافة صفحة جديدة إلى سجل فشلها السابق.