خلال 3 عقود من الزمن عرفت الولايات المتحدة الأمريكية العديد من الاحتجاجات الضخمة والمظاهرات إضافةً إلى العنف المصاحب لها، عدا عن مئات بل ربما آلاف الحوادث العنصرية التي لا تفتأ تكرر نفسها، ولم تكن تلك الاحتجاجات تمر دون تدمير وتخريب للممتلكات أو سقوط ضحايا قبل أن تهدأ وتسيطر السلطات على الأوضاع فيها.

الأحداث الجارية حاليًّا في بعض الولايات الأمريكية، لم تكن حدثًا مفاجئًا على الصعيد الاحتجاجي، فالتاريخ الأمريكي حافل بالاحتجاجات، لكن الجديد في هذه الموجة الاحتجاجية هو ما تمر به البلاد نتيجةً للأزمة الاقتصادية وتنامي الحوادث العنصرية وجائحة كورونا التي تهدد حياة الملايين، فخطورة فيروس لم تخفف من حنق وغضب شرائح واسعة من الشعب.

تفجرت هذه المظاهرات -كما بات معرفوًا- ردًا على قتل أحد أفراد الشرطة لجورج فلوريد المواطن الأمريكي الذي أثار مقتله غضبًا عارمًا، وكان مقطع الفيديو الذي بُث للحظات وفاة فلوريد صادمًا للغاية، فكان يقول للشرطي الذي يجثم بركبته على رقبته: "لا أستطيع التنفس"، بعد اليوم الأول بدأت المظاهرات وأحداث العنف تجتاح المدن بداية من مدينة مينيابوليس وسانت بول، وقال تيم والتز حاكم مينيسوتا، إنه سينشر الحرس الوطني للولاية كاملًا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، مشيرًا إلى أن "العنصرية في ولايته خلقت الظروف التي أدت إلى وفاة فلويد".

قال الحرس الوطني إن قوات قوامها خمسة آلاف شخص تم نشرها في 15 ولاية وواشنطن العاصمة، مضيفًا "وكالات فرض الأمن المحلية والتابعة للولايات ما زالت مسؤولة عن الأمن"، كما تصدرت الأحداث المتصاعدة عناوين الصحف الأمريكية، فعنونت "نيويورك تايمز" صفحتها "مدن على حافة الهاوية مع اشتعال الحرائق قرب البيت الأبيض"، أما "يو إس إي تودي" فطالبت بإيقاف مظاهر العنصرية، وكتبت "تظاهرات جورج فلويد، نظرة مدينة تلو الأخرى: "أوقفوا التنميط الاجتماعي والعنصري".

في هذا التقرير نلقي نظرةً على أبرز الاحتجاجات وأحداث العنف في الولايات المتحدة الأمريكية التي تكون العنصرية محركًا رئيسيًا لها، مسلطين الضوء على العقود الثلاث الأخيرة.

أعمال شغب لوس أنجلوس 1992

تعتبر أحداث لوس أنجلوس عام 1992 الأسوأ منذ الستينيات، استمرت 6 أيام بدءًا من 29 من أبريل، جاءت هذه الأحداث على خلفية فيديو يظهر فيه سائق سيارة الأجرة رودني كينغ وهو رجل أسود البشرة الذي تجاوز السرعة المسموح بها يضربه أربعة رجال من الشرطة من ذوي البشرة البيضاء، لكن المحكمة برأت رجال الشرطة، الأمر الذي أثار موجة عارمة من الاحتجاجات في جميع أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية.

تدخل خلال الاحتجاجات الحرس الوطني ثم الجيش وقوات البحرية الأمريكية، وخلفت أعمال العنف 53 قتيلًا ومئات الجرحى وخسائر تقدر بمليار دولار، ونتيجةً لهذه الأحداث تمت عمليات عقاب كبيرة داخل شرطة لوس أنجلوس، حيث تم زيادة عدد ضباط الشرطة من الأقليات المختلفة وعمليات تحليل لاستخدام القوة المفرطة وقدم قائد الشرطة استقالته، وفقد رئيس بلدية لوس أنجلوس التأييد الشعبي له.

فلوريدا 1996

شهدت مدينة سانت بطرسبرغ في ولاية فلوريدا، احتجاجات واسعة إثر مقتل شاب أسود غير مسلح على يد الشرطة الأمريكية، الأمر الذي دفع المحتجين للانطلاق في شوارع المدينة وهم يهتفون "أوقفوا وحشية الشرطة" و"لا يمكنكم قتلنا جميعًا" و"إنهاء الإبادة الجماعية"، واستدعت الشرطة التعزيزات من مكافحة الشغب واستخدمت قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشد.

تفاقمت الأمور مع مواجهة الشرطة للاحتجاجات وامتدت إلى الأحياء المجاورة لتتحول لأعمال شغب وأحرقت متاجر كثيرة كما تم إشعال النيران بمراكز الشرطة، هدأت الأمور لأيام بعد تعهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون بالعدالة، إلى أن أعلنت هيئة المحلفين الكبرى أن الضابط القاتل تصرف دفاعًا عن النفس ولم يخرق أي قوانين جنائية، معلنةً أنه لن تكون هناك لوائح اتهام، هذا القرار أدى لاندلاع أعمال الشغب مرة أخرى في سانت بيت، وعلى إثرها تم اعتقال العشرات.

عقب تلك الأحداث أعلنت المدينة عن برنامج ضخم يسمى "تحدي 2001"، لتحسين الظروف وبناء علاقات مجتمعية أفضل. تم إنفاق أكثر من 100 مليون دولار، كما تم تعيين أول رئيس شرطة أمريكي من أصل إفريقي في المدينة الذي أدخل بدوره تغييرات شاملة في سياسة الإدارة.

أعمال شغب سينسيناتي 2001

أعلن عمدة مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو الأمريكية تشارلز لوكن حالة الطوارئ في المدينة، وأصدر قرارًا بمنع التجول، أتت تلك القرارات على خلفية ازدياد أعمال الشغب والمظاهرات التي انطلقت بعد مقتل مواطن أسود على يد رجال الشرطة، وفي هذه الأثناء اعتقلت الشرطة العشرات كما أصيب آخرون، كل ذلك حصل في أبريل/نيسان 2001 لتمتد حتى 5 أيام.

ويعتبر الشاب الأسود تيموثي توماس البالغ من العمر 19 عامًا هو رابع مواطن أسود يقتل على يد الشرطة في سينسيناتي في نفس العام، وأثار الحادث موجة من الغضب ضد الشرطة اعتبرت الأسوأ منذ عام 1995 عندما قتل 15 أسود على يد الشرطة أيضًا، في هذه الاحتجاجات كما غيرها حصلت أعمال نهب للمتاجر وتكسير للمحلات، وخسرت الولاية حينها ما يقرب من 5.5 مليار دولار.

أحداث أوكلاند 2009

في مدينة أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأمريكية، حكمت المحكمة بتهمة القتل غير العمد لشرطي قتل مواطنًا أسود، إلا أن هذا الحكم دفع بالاحتجاجات وأعمال الشغب إلى الواجهة، وألقي القبض على 100 شخص على الأقل بعد نهب ومواجهات مع الشرطة في أوكلاند.

نُشر فيديو لحادثة القتل على يوتيوب، حيث ظهرت الشرطة وهي تطلق النار على الشاب.

أحداث فيرغسون 2014 

قتل شرطي أبيض الشاب الأسود مايكل براون في أغسطس/آب 2014، في مدينة فيرغسون بولاية ميزوري مما أثار أعمال شغب عنيفة، استمرت عشرة أيام بين السكان السود وقوات الأمن، وفي نوفمبر من نفس العام تجددت أعمال الشغب في فيرغسون إثر إعلان إسقاط الملاحقات بحق الشرطي الذي أطلق النار.

أحداث بالتيمور 2015

هاجم متظاهرون غاضبون سيارات للشرطة ومحلات تجارية في مدينة بالتيمور بالولايات المتحدة وتجمع المئات للمطالبة بالعدالة بعد وفاة الشاب فريدي غراي متأثرًا بكسور أصيب بها في فقرات الظهر، وذلك بعد أسبوع على توقيفه، وكان فريدي غراي قد اعتقل بتهمة حيازة سكين ونقل أولًا إلى مركز للشرطة قبل أن ينقل إلى المستشفى حيث فارق الحياة بعد أسبوع، واعترفت شرطة بالتيمور بأن عملية إسعاف الموقوف تأخرت وكان يجب أن يحصل على مساعدة طبية فور إصابته بالكسور.

ظهر تسجيل فيديو لعملية اعتقال غراي، التقطه أحد المارة، حيث بدا شرطيان وهما يثبتان الشاب الأسود على الأرض وهو يصرخ من الألم، وقال محامي عائلة غراي إن 80% من النخاع الشوكي للشاب قطع عند مستوى الرقبة، وأطلقت عدة تحقيقات بشأن هذه القضية، أحدها تحقيق فيدرالي أجرته وزارة العدل، وبعد وفاة فريدي غراي، أوقف ستة شرطيين عن العمل.

أعمال شغب ميلووكي 2016

اندلعت أعمال شغب واحتجاجات في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن بعد مقتل رجل أسود على يد الشرطة الأمريكية، وأثار الحادث غضبًا شعبيًا دفع عشرات إلى التجمهر احتجاجًا على ما وصفوه بعنف الشرطة، وما لبث أن تطور الأمر ليتحول إلى أحداث شغب وعنف وإحراق للمتاجر والمحلات.

اعتقلت الشرطة على إثر ذلك العشرات ونجمت خسائر بملايين الدولارات نتيجة الحرائق التي تعرضت لها المتاجر والمحلات.

أخيرًا، الاحتجاجات التي تتجدد اليوم على نطاق أوسع وقد وصلت إلى مشارف البيت الأبيض تأتي نتيجةً للعنصرية الفجة التي تعاود ضرب النسيج المجتمعي الأمريكي أمام الكاميرات، والحوادث المأساوية التي لا تطالها عدسات الصحفيين أو الجمهور كثيرة في البلد التي تصدر نفسها كزعيمة للعالم، تدعوه - بالسلم أو الحرب - إلى تمثّل قيم "الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان" من غير أن تسد الثغرات الراسخة في بنية مجتمعها، ما يفضح مجددًا هشاشة السلم الأهلي في تلك البلاد.