في جلسة عمل غير مسبوقة احتضنها مقر لجنة الشؤون الخارجية للمجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري)، شاركت وزارة الخارجية الجزائرية، أمس الإثنين، نواب البرلمان، مواقفها وسياساتها التي تبنتها منذ اعتلاء الرئيس عبد المجيد تبون سدة الحكم في البلاد.

وتزامن نزول وزير خارجية الجزائر صبري بوقادوم، ونائبه الوزير المنتدب المكلف بالجالية رشيد بلادهان، إلى مبنى البرلمان، لشرح موقف الجزائر من قضايا دولية تشكل موضوع الساعة، أهمها موقفها من الملف الليبي والتوتر الدبلوماسي بينها وبين باريس، على خلفية وثائقي فرنسي عن الحراك الشعبي أثار غضبًا شعبيًا عارمًا في البلاد، أدخل العلاقات الجزائرية الفرنسية في حلقة جديدة من التوتر.

التوتر الدبلوماسي مع باريس على طاولة النقاش

تحت عنوان "الجزائر حبيبتي"، عرضت القناة الخامسة الفرنسية، في 27 من مايو/آيار فيلمًا وثائقيًا، سلط الضوء على الحراك الشعبي الذي انطلقت شرارته في 22 من فبراير/شباط الماضي، وأسقط نظام الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة.

وتفجرت موجة غضب عارمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وانتشر وسم باللغة الفرنسية بعنوان "الفيلم لا يمثل حراكنا"، بسبب ما تضمنه الفيلم من مشاهد أظهرت الشباب المشاركين في الحراك وهم يحتسون الكحول ويتعاطون مواد ممنوعة بحسب تعليقات نشطاء.

جاء هذا الوثائقي، أيام قليلة فقط، بعد استدعاء الخارجية الجزائرية للسفير الفرنسي لتبليغه احتجاجها على نشر صور مسيئة عن البلاد، حيث كشفت صحيفة "لوبوان" الفرنسية، منتصف مايو/آيار الماضي، أن وزارة الخارجية استدعت السفير الفرنسي لديها كزافي دريونكور، لإخطاره احتجاجها الرسمي عن صورة مسيئة نشرتها قيادة الجيش الفرنسي على تويتر.

وقبلها أبلغت الجزائر السفير الفرنسي، احتجاجًا على مضمون مقابلة بثتها قناة فرانس 24، زعم فيها محلل أوروبي، ذو أصول جزائرية، أن الجزائر وظفت الوفد الصحي الصيني الذي قدم إلى البلاد من أجل مساعدتها على وباء كورونا، في معالجته لضباط سامين في المؤسسة العسكرية.

ومرر وزير خارجية الجزائري صبري بوقادوم، في كلمة ألقاها على أعضاء لجنة الشؤون الخارجية، رسائل مباشرة تخص الأزمة الدبلوماسية غير المعلنة بين الجزائر وباريس والتطورات الميدانية المتسارعة في ليبيا، وأكد بوقادم، في مستهل حديثه، أن السياسية الخارجية للجزائر لا بد أن تحظى بالإجماع الكامل داخل الوطن، بعيدًا عن جميع الاختلافات الحاصلة، وتابع قائلاً: "قد نختلف في الداخل لكن فيما يخص الدفاع والسياسة الخارجية الكل يمشي على طريق واحد والكل يحمل رأي واحد".

اعتداء الإعلام الفرنسي العمومي على سيادة الجزائر بعيد كل البعد عن حرية التعبير

وصرح بوقادوم قائلًا: "نريد التواصل مع البرلمان والمشي معًا وھذه خطوة مباركة، قد نختلف سیاسیًا في الداخل لكن السیاسة الخارجیة والدفاع، لا بد أن تكون نتیجة أكبر إجماع ممكن داخل الوطن إذا أردنا أن ندافع عن بلادنا"، وأوضح أنه "يتم العمل بشكل متواصل على تكييف العمل الدبلوماسي، ضمن ثلاثية السيادة والأمن والتنمية، خاصة في هذا الظرف الخاص، بشكل يضمن الدفاع عن مصالح الأمة".

بالمقابل رد البرلمان الجزائري على لسان رئيس لجنة الشؤون الخارجية عبد القادر عبد اللاوي، على الفيلم الوثائقي، بالقول: "اعتداء الإعلام الفرنسي العمومي على سيادة الجزائر بعيد كل البعد عن حرية التعبير"، وطالب رئيس اللجنة البرلمانية، السلطات العليا في البلاد، بالدفاع بالقوة اللازمة عن الجزائر وكرامتها، خاصة فيما يتعلق بإعادة توطين رفات الشهداء الجزائريين ودفنهم بوطنهم احترامًا للكرامة الإنسانية وإعادة الأرشيف الجزائري المسلوب وصون حقوق المهاجرين.

من بين الملفات الأخرى التي سلَط النواب الضوء عليها في النقاش، تفعيل مقترح تجريم الاستعمار الفرنسي الذي رفضته رئاسة الجمهورية في فترة الرئيس الجزائري السابق لـ"دواع دبلوماسية".

عودة مرتقبة للساحة الليبية

أما إقليميًا، فحاول وزير خارجية الجزائر، توضيح الموقف الجزائري من الملف الليبي، ووصف التطورات الإقليمية في الدولة الجارة ليبيا، التي دخلت فصلًا جديدًا، بـ"الخطيرة"، مجددًا التأكيد على مواصلة بلاده جهودها من أجل لم شمل الفرقاء وتقريب وجهات نظرهم من أجل تخفيف حدة التوترات القائمة في المنطقة".

وقال: "بلادنا ستواصل اتصالاتها حتى مع الظروف الصحية الحاليّة من أجل تشجيع الليبيين على الرجوع إلى طاولة الحوار"، وقبل أيام من انعقاد هذه الجلسة، أبدى وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، الأربعاء الماضي، في رسالة بمناسبة يوم إفريقيا، "استعداد الجزائر لاحتضان الحوار الليبي". في تلميح منه إلى إعادة إطلاق الجزائر لجهودها السابقة، الرامية إلى عقد مؤتمر حوار ليبي - ليبي في الجزائر، لكن الأزمة الصحية التي باغتت العالم بأسره، أدت إلى تأجيل المسعى.

أجمعت قراءات مراقبين، أن جلسة الاستماع التي احتضنها البرلمان الجزائري يراد منها افتكاك إجماع بشأن قرارات مهمة قد تتخذ في الأيام القادمة

وقال الوزير: "ليبيا تشهد للأسف اليوم تضارب الأجندات الإقليمية والدولية ومسرحًا للحروب بالوكالة وساحة لتصفية الحسابات على حساب دماء أبناء الشعب الليبي الشقيق".

وتتخوف الجزائر من تواصل تدفق السلاح إلى الداخل الليبي، حيث سبق أن كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بناء على ما ورد في تقارير استخباراتية، أنه ومباشرة بعد التئام مؤتمر برلين الليبي في يناير/كانون الثاني الماضي، أُغرقت الأراضي الليبية بثلاثة أطنان من الأسلحة، وقال: "هناك أطراف تغذي الأزمة عبر توريد السلاح ومنع إيجاد حل وحوار ليبي - ليبي.

مساع لبحث الإجماع

أجمعت قراءات مراقبين، أن جلسة الاستماع التي احتضنها البرلمان الجزائري يراد منها افتكاك "إجماع" بشأن قرارات مهمة قد تتخذ في الأيام القادمة تخص الدبلوماسية الجزائرية، ويقول النائب البرلماني السابق محمد حديبي، في تصريح لـ"نون بوست" إن هذا الاجتماع جاء لتوضيح موقف الجزائر من عدة قضايا دولية وإقليمية خاصة ما تعلق بالتدخلات الفرنسية في الوضع الجزائري ومواقف الدولة الجزائرية منها، ويقول حديبي: "الخارجية الجزائرية تسعى لافتكاك إجماع بشأن قرارات مهمة سيعلن عليها مستقبلًا"، ويشير إلى أن هذه القرارات تتطلب الأجواء الداخلية. 

ويذكر توفيق بوقاعدة، وهو أستاذ في العلوم السياسية ومحلل سياسي، في تصريح لـ"نون بوست" أن هذا النوع من الاجتماعات ضروري وكان لا بد منه، ويشير إلى أن السياسية الخارجية للبلاد من صلاحيات القاضي الأول للبلاد، لكن استشارة البرلمان الجزائري فيما يتعلق بالسياسة والمواقف والمحددات أمر ضروري وله أهمية بالغة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة الملفات التي طرحت للنقاش على غرار موقف الجزائر من الملف الليبي والأزمة الدبلوماسية غير المعلنة بين الجزائر وباريس إضافة إلى ملفات أخرى.